تستعيد عاملة الدعم الاجتماعي للأطفال جولي فورد تفاصيل صباح قاسٍ من أبريل 2021، حين دخلت المستشفى بمفردها لإجراء استئصال ثديها الأيمن والغدد الليمفاوية، في ذروة جائحة كوفيد-19، قبل أن تعاد إلى منزلها في اليوم نفسه وهي تحت تأثير الألم والتخدير، دون أن تستكمل العملية بإعادة بناء الثدي كما جرت العادة قبل الجائحة.
ووفق لما أوردته صحيفة “الغارديان”، تواجه جولي البالغة من العمر 62 عاماً واقعاً ممتداً منذ خمس سنوات، إذ لا تزال تنتظر إجراء جراحة إعادة البناء التي وعدت بها، في وقت اعتبرت فيه هذه العمليات خلال الجائحة “غير ضرورية”، رغم كونها جزءاً من المسار العلاجي الكامل لمريضات سرطان الثدي، ما ترك مئات النساء في مواجهة آثار جسدية ونفسية طويلة الأمد.
تصف جولي معاناتها اليومية بقولها إنها تضطر إلى رؤية “هذا المنظر البشع” كل يوم، مشيرة إلى تراجع ثقتها بنفسها وعجزها عن الخروج أو بناء علاقات اجتماعية أو عاطفية، في حين تحولت الغرسة المؤقتة التي زرعت لها إلى مصدر ألم دائم بعد التصاقها بأنسجة جسدها نتيجة العلاج الإشعاعي، ما يجعل مجرد رفع ذراعها تجربة مؤلمة.
يوضح استشاري جراحة التجميل والرئيس المنتخب للجمعية البريطانية لجراحي التجميل والترميم سيمون وود أن النقص في الجراحين وغرف العمليات، إلى جانب إعطاء الأولوية للحالات النشطة، أدى إلى وضع الناجيات اللواتي خضعن لاستئصال الثدي خلال الجائحة في أسفل قوائم الانتظار، وهو ما يتركهن في حالة انتظار غير محددة زمنياً، رغم احتياجهن الطبي والنفسي الملح.
وتكشف دراسة أجريت عام 2024، أوردتها “الغارديان”، أن ما لا يقل عن 2200 مريضة ممن نجين من سرطان الثدي أو كن معرضات لخطر الإصابة به ينتظرن إجراء الجراحة في 40 مركزاً تابعاً لهيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا، بمتوسط انتظار يبلغ 2.5 عام، ما يعكس فجوة واضحة بين الحاجة الطبية والقدرة الاستيعابية للنظام الصحي.
يحذر وود من أن غياب الحوافز المؤسسية يدفع بعض المستشفيات إلى تفضيل العمليات السريعة على الجراحات المعقدة مثل إعادة بناء الثدي، وهو ما يخلق اختلالاً في توزيع الموارد الصحية، حيث تؤجل العمليات الأطول رغم أهميتها في استعادة التعافي الكامل للمريضات.
قوائم الانتظار
تروي عاملة أمن المطار أليسون ويلسون البالغة من العمر 63 عاماً تجربةً مشابهة، إذ خضعت لاستئصال ثديها في أبريل 2020، لكنها لم تتمكن من إجراء جراحة الترميم، واضطرت للانتظار سنوات طويلة، ما تسبب لها في معاناة نفسية يومية وشعور دائم بفقدان جزء من حياتها الطبيعية.
تعبر أليسون عن هذا الألم بقولها إنها ترغب فقط في “استعادة الجزء المفقود” منها، مشيرة إلى أن الطرف الصناعي الذي ترتديه يسبب لها إزعاجاً مستمراً، خاصة أثناء العمل، حيث تضطر للمرور عبر أجهزة التفتيش التي تكشفه بشكل متكرر، ما يضعها في مواقف محرجة ويعيد تذكيرها بمعاناتها.
توضح أليسون أنها لم تتلق معلومات كافية عن استئناف العمليات بعد الجائحة، ولم تعلم بإعادة فتح قوائم الانتظار إلا صدفة، قبل أن تواجه شروطاً إضافية، مثل ضرورة فقدان وزنها، وهو ما شكل تحدياً كبيراً في ظل ظروف نفسية صعبة بعد وفاة زوجها.
تظهر تجربتها أيضاً أثر الأخطاء الإدارية، إذ أحيلت عن طريق الخطأ بصفة مريضة سرطان جلد، ما أدى إلى إعادة الإجراءات وتأخير إدراجها في قائمة الانتظار التي تمتد لـ65 أسبوعاً، وهو ما يعكس خللاً في إدارة الحالات داخل النظام الصحي.
تؤكد أليسون أن تأجيل جراحة الترميم لم يكن مجرد تأخير طبي، بل تجربة نفسية قاسية، مشيرة إلى أنها لو خضعت للجراحة في وقت استئصال الثدي، لما تحملت هذا العبء الإضافي من الحزن المرتبط بجسدها.
عدالة صحية مؤجلة
تستعرض صائغة الفضة ريبيكا جوسلين، البالغة من العمر 43 عاماً، امتداد الأزمة إلى حالات أحدث، إذ خضعت لاستئصال ثدي في ديسمبر 2023، لكنها أبلغت أن جراحة الترميم قد لا تجرى قبل نهاية عام 2027، ما يعني انتظاراً يمتد لسنوات رغم معاناتها من ألم جسدي ونفسي مستمر.
توضح ريبيكا أن اضطرارها لارتداء صدر اصطناعي ثقيل أثر في حياتها اليومية وثقتها بنفسها، كما أسهم في انهيار زواجها، مؤكدة أن تجربة السرطان تصبح أكثر قسوة حين تمتد آثارها لسنوات دون علاج تكميلي.
تكشف بيانات حصل عليها ناشطون أن 25 من أصل 56 مريضاً في أحد المستشفيات ينتظرون ثلاث سنوات على الأقل لإجراء جراحة إعادة البناء، ما يعكس حجم التراكم في قوائم الانتظار.
تشير ريبيكا إلى أنها تلقت معلومات متضاربة حول موعد العملية، قبل أن تصدم بضرورة الانتظار لعامين إضافيين، ما يعكس غياب الوضوح في التواصل مع المرضى، ويزيد من الضغط النفسي عليهم.
تعترف كبيرة المسؤولين الطبيين في المستشفى جين ماكنيكولاس بأن بعض المرضى ينتظرون لفترة أطول مما ينبغي، مؤكدة العمل على تحسين التواصل ومعالجة التأخيرات، مع الإقرار بحجم المعاناة التي يواجهها المرضى.
تدعو أخصائية التمريض السريري لويز غريمسديل إلى زيادة الطاقة الاستيعابية للنظام الصحي، من خلال توفير المزيد من غرف العمليات والجراحين المتخصصين، مشيرة إلى وجود تفاوت في الخدمات بين المؤسسات الصحية قبل وبعد الجائحة.
تقليص قوائم الانتظار
وكشف تحقيق أجرته شبكة “بي بي سي” عن مطالبات متزايدة من نساء في شيفيلد بتقليص قوائم الانتظار، مؤكدات أن التأخيرات تسببت في ضغوط نفسية إضافية ومعاناة ممتدة.
توضح نيكولا لوفيل البالغة من العمر 52 عاماً أنها اضطرت لدفع 15 ألف جنيه استرليني لإجراء عملية استئصال ثدي خاصة، بدافع الخوف من طول الانتظار داخل النظام الصحي، مؤكدة أنها ربما لم تكن على قيد الحياة لولا هذا القرار.
تظهر تجربتها فجوة واضحة بين من يملكون القدرة على تحمل تكاليف العلاج الخاص ومن لا يملكون، في ظل استمرار قوائم الانتظار داخل النظام العام، في حين لا تزال ابنتها، البالغة من العمر 23 عاماً، تنتظر دورها في الجراحة الوقائية.
تصف الناشطة تريسي واتسون تجربة الانتظار بأنها “عذاب نفسي”، مشيرة إلى أن المريضات يعشن بين الأمل واليأس، في ظل غياب مواعيد واضحة أو مسارات علاجية مستقرة.
تسرد جوان هيلد البالغة من العمر 51 عاماً تجربة انتظار امتدت ست سنوات لإجراء استئصال الثدي، قبل أن تخضع لاحقاً لجراحة إعادة البناء في فبراير 2026، مؤكدة أن الاستعداد النفسي للجراحة يصبح أكثر صعوبة مع طول فترة الانتظار وعدم اليقين.
تأثيرات اجتماعية ونفسية
تؤكد جولي فورد مجدداً، في حديثها لبي بي سي، أنها لم تتمكن من “تجاوز المحنة” طول أربع سنوات، مشيرة إلى أن النظر إلى جسدها يومياً يذكرها بالتجربة، ويؤثر في حياتها الاجتماعية والنفسية.
تقر الجهات الصحية بوجود فترات انتظار أطول مما ينبغي، مع الاعتراف بأن التحديات تشمل زيادة الطلب ونقص الموارد، ما يحد من إمكانية تقديم العلاج في الوقت المناسب.
تجسد هذه الشهادات مجتمعة مساراً ممتداً من المعاناة، حيث يتحول تأجيل جراحة الترميم من إجراء مؤقت فرضته الجائحة إلى واقع دائم يطول آلاف النساء، ويضعهن في مواجهة يومية مع آثار جسدية ونفسية لم تعالج بعد، في ظل نظام صحي لم يستعد توازنه الكامل، تاركاً سؤال العدالة الصحية مفتوحاً أمام تجارب فردية تتكرر بصور مختلفة.
