منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بسبب قانون الحماية الجديد.. اللجوء في أوروبا يفقد إنسانيته بين الانتظار وتسريع الإجراءات

15 أبريل 2026
طالبي لجوء في أوروبا
طالبي لجوء في أوروبا

شهد عام 2026 تحولا محوريا في سياسات اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي مع بدء تطبيق مشروع قانون الحماية الدولية الجديد، الذي يهدف إلى تسريع معالجة طلبات اللجوء وتعزيز آليات الترحيل، يأتي هذا التحول في سياق أوروبي عام يتسم بانخفاض أعداد طلبات اللجوء بنسبة 27% خلال عام 2025، حيث تراجع المعدل من 2 إلى 1.5 طلب لكل ألف نسمة، وفق بيانات المفوضية الأوروبية المنشورة في مارس 2026، ما يعكس تغيرا في ديناميكيات الهجرة، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول دوافع تشديد السياسات رغم تراجع الأعداد.

أيرلندا في قلب المشهد الأوروبي

تُعد أيرلندا من أبرز النماذج التي تعكس هذا التحول، إذ احتلت المرتبة الخامسة أوروبيا من حيث عدد طلبات اللجوء بالنسبة لعدد السكان بمعدل 2.4 طالب لجوء لكل ألف نسمة في عام 2025، بعد أن كانت تسجل 3.4 في عام 2024، وفق بيانات رسمية وعلى الرغم من انخفاض عدد الطلبات من أكثر من 18 ألف طلب في 2024 إلى نحو 13 ألف طلب في 2025، فإن الحكومة الأيرلندية تتجه نحو تشديد الإجراءات، ما يكشف عن فجوة بين تراجع الأرقام واتجاه السياسات نحو التقييد بحسب المفوضية الأوروبية.

تسريع الإجراءات وتوسيع الترحيل

بحسب وزارة العدل الأيرلندية ينص مشروع قانون الحماية الدولية الجديد في أيرلندا على تسريع البت في طلبات اللجوء، مع توسيع إمكانية الترحيل في حال الرفض، في إطار حزمة إصلاحات قدمت نهاية عام 2025، وتشمل هذه الإجراءات فرض مساهمة مالية على طالبي اللجوء العاملين تتراوح بين 10% و40% من دخلهم الأسبوعي لتغطية تكاليف السكن، وهو ما سيشمل نحو 7,500 شخص، بحسب تصريحات وزير العدل جيم أوكالاهان، ويعكس هذا التوجه انتقالا من سياسات الاستقبال إلى سياسات تقاسم التكلفة وتقليل العبء المالي على الدولة.

قيود وأزمات

من بين أبرز التعديلات المثيرة للجدل، تشديد شروط لمّ شمل الأسرة، حيث سيتعين على اللاجئين الانتظار ثلاث سنوات قبل التقدم بطلب استقدام أفراد أسرهم، ويُعد هذا الإجراء تحولا جوهريا في سياسة الحماية، إذ يرتبط مباشرة بالحق في الحياة الأسرية الذي تكفله المواثيق الدولية، بما في ذلك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وسط مخاوف من أن هذه القيود قد تؤدي إلى تفكك أسر اللاجئين وإطالة معاناتهم الإنسانية.

رغم تراجع أعداد الوافدين، لا تزال أزمة السكن تشكل تحديا كبيرا في أيرلندا، ففي عام 2024، ومع ارتفاع عدد الواصلين، تجاوزت مراكز الاستقبال طاقتها الاستيعابية، ما أدى إلى بقاء عدد من طالبي اللجوء دون مأوى، وفي فبراير 2025، قضت المحكمة العليا بتعويض طالبَي لجوء أفغاني وهندي بمبلغي 9,500 و6,000 يورو على التوالي بعد أن تُركا دون سكن عند وصولهما.

انتقادات سياسية وحقوقية

واجه مشروع القانون انتقادات حادة من قوى سياسية ومنظمات حقوقية، حيث وصفه آلان كيلي، المتحدث باسم حزب العمال لشؤون العدل، بأنه “قاسٍ” ويتعارض مع القيم الإنسانية، كما أعربت منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية عن قلقها من أن تؤدي السياسات الجديدة إلى تقليص ضمانات الحماية، خاصة مع تسريع الإجراءات، وتؤكد هذه المنظمات أن الحق في اللجوء يتطلب دراسة فردية دقيقة لكل حالة، وأن السرعة قد تؤثر على جودة القرارات وتزيد من خطر الإعادة القسرية.

من جانبها، حذرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين من أن تسريع إجراءات اللجوء يجب ألا يأتي على حساب ضمانات الحماية الدولية، مؤكدة أن الحق في طلب اللجوء يتطلب إجراءات عادلة وشفافة، وتشير المفوضية إلى أن تقليص فترات النظر في الطلبات قد يؤثر على جودة القرارات، خاصة في ظل الضغط على الأنظمة الوطنية.

 الأفارقة يتصدرون

تُظهر البيانات الرسمية أن الصوماليين يشكلون أكبر مجموعة من طالبي اللجوء في أيرلندا، حيث قدموا 2,015 طلبا في عام 2025، أي ما يعادل واحدا من كل ستة طلبات، ويليهم النيجيريون بـ1,910 طلبات، ثم الباكستانيون بـ1,665، والأفغان بـ1,290، والجورجيون بـ865 طلبا، وفقا لتقارير سلطات الحماية الدولية الأيرلندية، وتعكس هذه الأرقام ارتباط طلبات اللجوء بالصراعات والأزمات في بلدان المنشأ.

وفقا للتقرير الشهري لسلطات الحماية الأيرلندية سجلت البلاد في يناير 2026،  1,123 طلب لجوء جديدا، بزيادة 3.5% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وهو ما يشير إلى تقلبات قصيرة الأمد رغم الاتجاه العام نحو الانخفاض، ويُظهر ذلك أن سياسات اللجوء يجب أن تظل مرنة وقادرة على التكيف مع التغيرات المفاجئة في تدفقات الهجرة

تشجيع العودة الطوعية

ضمن جهود تقليل أعداد طالبي اللجوء، عززت الحكومة الأيرلندية برامج العودة الطوعية، حيث تقدم مساعدات مالية تصل إلى 2,500 يورو للفرد، وبحد أقصى 10 آلاف يورو للعائلة، للأشخاص الذين يختارون العودة إلى بلدانهم الأصلية، ويُنظر إلى هذه البرامج كبديل إنساني للترحيل القسري، لكنها تثير تساؤلات حول مدى “طوعية” القرار في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

السياق الأوروبي العام

لا يمكن فصل السياسات الأيرلندية عن السياق الأوروبي العام، حيث تسعى دول الاتحاد إلى توحيد سياسات اللجوء ضمن إطار أكثر صرامة، يوازن بين حماية الحدود وضمان الحقوق، وقد سجلت دول مثل اليونان أعلى معدل طلبات لجوء بـ5.3 لكل ألف نسمة، تليها قبرص وإسبانيا بـ2.9، ولوكسمبورغ بـ2.6، ما يبرز تفاوت الأعباء بين الدول الأعضاء بحسب المفوضية الأوروبية.

القانون الدولي بين النص والتطبيق

بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ينص القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية جنيف لعام 1951، على حق الأفراد في طلب اللجوء وعدم إعادتهم إلى بلدان قد يتعرضون فيها للخطر، إلا أن تطبيق هذه المبادئ يواجه تحديات في ظل السياسات الجديدة التي تركز على السرعة والكفاءة، ما يثير مخاوف من تقويض مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو حجر الأساس في نظام الحماية الدولية.

تعكس السياسات الجديدة محاولة لتحقيق توازن بين إدارة تدفقات الهجرة وحماية حقوق الإنسان، إلا أن هذا التوازن يظل هشا في ظل الضغوط السياسية والاقتصادية، فبينما تسعى الحكومات إلى تقليل الأعباء، تحذر المنظمات الحقوقية من أن تقليص الضمانات قد يؤدي إلى انتهاكات جسيمة لحقوق اللاجئين.

في ظل هذه التحولات، يبقى طالبو اللجوء في قلب معادلة معقدة تجمع بين الأرقام والسياسات والحقوق، فبين انخفاض الأعداد وتشديد الإجراءات، تبرز الحاجة إلى نظام لجوء يحقق التوازن بين الكفاءة والإنسانية، ويضمن ألا تتحول السرعة في الإجراءات إلى اختصار في الحقوق، ولا تتحول الحدود إلى حواجز أمام الحماية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية