منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تحت وطأة القمع.. تراجع حرية التعبير في أفغانستان يهدد بغياب الإعلام المستقل

16 أبريل 2026
حرية التعبير شهدت تراجعا حادا في أفغانستان منذ عام 2021، مع فرض قيود ممنهجة على تداول المعلومات
حرية التعبير شهدت تراجعا حادا في أفغانستان منذ عام 2021، مع فرض قيود ممنهجة على تداول المعلومات

شهدت أفغانستان بين عامي 2001 و2021 تطوراً ملحوظاً في قطاع الإعلام، حيث ظهرت مئات المؤسسات الإعلامية بدعم دولي، ووفق تقارير البنك الدولي، كان الإعلام أحد القطاعات النامية التي أسهمت في تعزيز التعددية، إلا أن هذا التقدم تراجع بشكل حاد بعد التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد وتولي حركة طالبان القيادة، ما أدى إلى عودة القيود الصارمة.

ومع تداخل القيود السياسية مع الانهيار الاقتصادي تعاني أفغانستان واحدة من أسوأ الأزمات الإعلامية في العالم، حيث تؤكد تقارير بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) أن حرية التعبير شهدت تراجعا حادا منذ عام 2021، مع فرض قيود ممنهجة على تداول المعلومات، ما أدى إلى تقويض دور الإعلام كأداة رقابة ومساءلة، وفق ما نشرته الأمم المتحدة عبر منصاتها الرسمية.

تراجع غير مسبوق

تعكس البيانات الصادرة عن منظمة “مراسلون بلا حدود” حجم التدهور الكبير، حيث اختفى نحو 43% من وسائل الإعلام خلال الأشهر الأولى من التغيرات السياسية وتولي حركة طالبان زمام السلطة في أفغانستان، كما غادر أكثر من ثلثي الصحفيين مهنتهم، وانسحبت نحو 80% من الصحفيات من العمل الإعلامي، وتُظهر هذه الأرقام، التي نشرتها منظمة “مراسلون بلا حدود”، تحولاً جذرياً من بيئة إعلامية كانت تضم آلاف العاملين إلى قطاع شبه منهار خلال فترة زمنية قصيرة.

تصاعد الانتهاكات واستهداف الصحفيين

وفقاً لتقارير مركز الصحفيين الأفغان، تم تسجيل 207 حالات انتهاك ضد الصحفيين، شملت تهديدات واعتقالات وحالات عنف لافتة إلى أنه تم توثيق 183 حالة تهديد مباشر ضد الصحفيين، بجانب مغادرة نحو 66% من الصحفيين المهنة منذ التغيرات السياسية، كما تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى اعتقال نحو 250 صحفياً منذ عام 2021، وتؤكد منظمة العفو الدولية أن العديد من هذه الاعتقالات تمت دون إجراءات قانونية واضحة، ما يعكس نمطاً متكررا من التضييق على العمل الصحفي.

تفكيك البنية الإعلامية

أدى الانهيار الاقتصادي إلى إغلاق عدد كبير من المؤسسات الإعلامية، حيث تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” إلى أن أكثر من 40% من وسائل الإعلام توقفت عن العمل، ويرتبط هذا التراجع بنقص التمويل وغياب الإعلانات، إضافة إلى القيود المفروضة على المحتوى، ما أدى إلى تقلص التغطية الإعلامية، خاصة في المناطق النائية.

أزمات الاقتصاد والقيود الحكومية

توضح تقارير الأمم المتحدة أن الأزمة الاقتصادية العامة في أفغانستان انعكست بشكل مباشر على قطاع الإعلام، حيث فقد آلاف الصحفيين مصادر دخلهم، وأصبحت المؤسسات الإعلامية غير قادرة على الاستمرار، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الفقر المتزايد وانخفاض الدعم الدولي ساهما في تقويض قدرة الإعلام على العمل، ما أدى إلى تراجع دوره في نقل المعلومات.

ألغت السلطات القائمة قانون الإعلام السابق واستبدلته بسلسلة من التوجيهات التي تجاوزت 24 لائحة، وفق تقارير محلية ودولية، وتشمل هذه القيود فرض رقابة مسبقة على المحتوى، ومنع تغطية الاحتجاجات، وإلزام وسائل الإعلام بخطاب محدد، وتؤكد منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكا واضحا لحرية التعبير، كما تنص عليها المواثيق الدولية.

الصحفيات خارج المشهد

تشير تقارير الأمم المتحدة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء كنّ من أكثر الفئات تضررا، حيث تم منعهن من العمل في وسائل الإعلام الحكومية، وفرض قيود صارمة على ظهورهن الإعلامي، وتوضح منظمة العفو الدولية أن هذه السياسات أدت إلى انسحاب نحو 80% من الصحفيات من العمل، ما يعكس تراجعا حادا في تمثيل النساء داخل الإعلام الأفغاني.

كما أفادت تقارير الاتحاد الدولي للصحفيين بأن الصحفيين في أفغانستان يلجؤون إلى الرقابة الذاتية بشكل متزايد، نتيجة الخوف من الاعتقال أو التعرض للعنف، ويؤدي هذا الوضع إلى تجنب تغطية القضايا الحساسة، مثل الفساد أو حقوق الإنسان، ما يخلق فجوة معلوماتية تؤثر على المجتمع بأكمله.

وتُظهر تقارير مركز الصحفيين الأفغان أن 18 ولاية شهدت قيوداً على البث المباشر لافتة إلى أن مستوى القيود يختلف بين الولايات، حيث تُفرض إجراءات أكثر تشددا في بعض المناطق، مثل حظر التصوير أو منع المقابلات، ويعكس هذا التفاوت غياب إطار قانوني موحد، ما يزيد من حالة الغموض التي يواجهها الصحفيون.

الإعلام في المنفى محاولة للبقاء

مع تزايد القيود، اضطر عدد كبير من الصحفيين إلى مغادرة أفغانستان، حيث تشير تقارير منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى أن جزءا كبيراً من الصحفيين يعملون حاليا من الخارج، وقد أدى ذلك إلى ظهور منصات إعلامية في المنفى، تسعى إلى نقل الواقع الأفغاني، إلا أن تأثيرها يظل محدوداً بسبب القيود المفروضة داخل البلاد.

تداعيات الأزمة

لا تقتصر تداعيات القيود الإعلامية على الصحفيين فقط، بل تمتد إلى المجتمع، حيث تؤكد الأمم المتحدة أن تقييد تدفق المعلومات يؤدي إلى ضعف الوعي العام بالقضايا الصحية والإنسانية، كما يؤثر غياب الإعلام المستقل على قدرة المواطنين في الوصول إلى معلومات موثوقة، خاصة في ظل أزمات إنسانية متداخلة تشمل النزوح والفقر.

كما تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن القيود المفروضة على التعاون مع وسائل الإعلام الدولية أدت إلى عزل الإعلام الأفغاني، إذ مُنع بث قنوات دولية وفُرضت قيود على التغطية المشتركة، وتشير منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى أن هذه السياسات حدّت من تدفق المعلومات إلى الخارج، وأضعفت الرقابة الدولية على الانتهاكات.

الإطار القانوني الدولي

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن القيود المفروضة على الإعلام في أفغانستان تتعارض مع المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل حرية التعبير، كما تؤكد هذه التقارير أن الاعتقالات التعسفية والقيود غير المتناسبة تمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي، خاصة في ظل غياب الضمانات القانونية.

تحذر منظمة “مراسلون بلا حدود” من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى اختفاء الصحافة المستقلة بشكل كامل في أفغانستان، كما تشير الأمم المتحدة إلى أن تدهور حرية الإعلام سيؤثر على فرص الاستقرار وإعادة الإعمار، في ظل غياب الشفافية والمساءلة.

تعكس المؤشرات الإجمالية حجم التدهور، حيث اختفى أكثر من 40% من وسائل الإعلام، وغادر ثلثا الصحفيين مهنتهم، وتم تسجيل مئات حالات الاعتقال والانتهاكات منذ عام 2021، وفق تقارير منظمة “مراسلون بلا حدود” والأمم المتحدة، وتؤكد هذه الأرقام أن الإعلام في أفغانستان يواجه أزمة وجودية تهدد استمراره.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية