أندرو غرويل
في كل مرة يندفع فيها مجلس مدينة جديد أو مجموعة من السياسيين للدفاع عن رفع كبير في الحد الأدنى للأجور، يمكنك تقريبًا أن تتوقع السيناريو كاملًا مسبقًا.
“الأمر يتعلق بدعم العمال في اقتصاد صعب”.. هذا هو العنوان الدائم، والرسالة الضمنية لا تتغير: العمال يعانون، بينما يحقق أصحاب الأعمال، خصوصًا في قطاع المطاعم، أرباحًا طائلة. إنها رواية مؤثرة عاطفيًا، لكنها مضللة بعمق.
دعوني أضع الأمور في نصابها: معظم المطاعم تريد بالفعل دفع أجور أعلى لموظفيها، المشكلة ليست في النية، بل في الحسابات.
عندما يفرض صانعو السياسات زيادات حادة في الأجور دون معالجة هيكل التكاليف، فإنهم يضعون أصحاب الأعمال أمام ثلاثة خيارات لا رابع لها: تقليص ساعات العمل، رفع الأسعار، أو الإغلاق التام.
رفع الحد الأدنى للأجور لا يتعلق بالأجور فقط.. بل يتعلق بالضرائب، فعندما ترتفع الأجور، ترتفع تلقائيًا حصيلة ضرائب الرواتب وما تتضمنه من الضمان الاجتماعي، والرعاية الطبية، وتأمين العجز، والتأمين ضد البطالة، وهي كلها مرتبطة بمستوى الأجور.
وفي ولاية مثل كاليفورنيا، التي تُعد بالفعل من الأعلى في ضرائب الرواتب، تتضاعف هذه الأعباء بسرعة.. فلو كان الهدف الحقيقي هو مساعدة العمال، لكان الحل الأبسط والأكثر فاعلية واضحًا: خفض ضرائب الرواتب.
خفض هذه الضرائب يضع المال مباشرة في جيوب العمال، ويخفف الضغط عن الشركات الصغيرة، ويجنب المستهلكين، وهم في كثير من الأحيان نفس هؤلاء العمال، تحمل زيادات الأسعار.
لكن هذا الخيار لا يدر إيرادات جديدة على الدولة، ولهذا نادرًا ما يُطرح.
قطاع المطاعم يعمل بهوامش ربح ضئيلة للغاية، تتراوح عادة بين 3% و5%، وعندما تقفز تكاليف العمالة إلى ما يتجاوز هذه النسبة، فلا بد أن يتحمل أحد الفارق.
وغالبًا ما ينعكس ذلك في صورة أسعار أعلى، وساعات عمل أقل، ووظائف أقل.
العمال أنفسهم يدركون هذه الحقيقة أكثر من غيرهم، اسألوا النُدُل والطهاة عمّا يساعدهم ماليًا فعلًا، لن يقولوا: “ارفعوا الحد الأدنى للأجور”، بل سيقولون: “أعطوني نوبات عمل أكثر”، “حافظوا على نشاط المطعم”، “دعوني أحتفظ بإكرامياتي”.. فهناك يأتي دخلهم الحقيقي.
في كاليفورنيا، يواجه العاملون الذين يعتمدون على الإكراميات ضغطًا مزدوجًا: فالإكراميات خاضعة للضرائب بالكامل، والولاية رفضت مواكبة الجهود الفيدرالية لتخفيف أو إلغاء هذه الضرائب.
هل تتذكرون شعار “لا ضرائب على الإكراميات”؟ حتى كامالا هاريس دعمت هذا الطرح.
على المستوى الفيدرالي، كانت هناك محاولات لتخفيف العبء وتنفيذ هذا الوعد، لكن كاليفورنيا رفضت السير في هذا الاتجاه، والنتيجة؟ آلاف الدولارات سنويًا تُسحب من جيوب العمال إلى خزينة الدولة، ولو أراد صانعو السياسات مساعدة العاملين في قطاع الخدمات فورًا، لفعلوا ذلك.
ولا حاجة للتكهن بما يحدث عند رفع الحد الأدنى للأجور بشكل حاد، كاليفورنيا جربت ذلك مرارًا.
حين تتضخم تكاليف العمالة، تكون التداعيات معروفة: تقليص ساعات العمل، اختفاء الوظائف المبتدئة، ارتفاع الأسعار، واتجاه الشركات نحو الأتمتة بدل التوظيف.
أما بالنسبة للمشروعات الصغيرة، فقد تكون هذه الزيادات القشة التي تقصم الظهر، والمفارقة أن هذه النتائج تضرب تحديدًا الفئة التي يُفترض أن السياسات جاءت لمساعدتها، لكن السؤال الأهم: أين تذهب الأموال؟
إذا كانت الضرائب الأعلى هي الثمن، فمن حق الجمهور أن يرى نتائج واضحة، بدلًا من ذلك، يرى سكان كاليفورنيا أمثلة متكررة على الهدر وسوء الإدارة منها مشروع القطار فائق السرعة والذي تكلف مليارات الدولارات فوق الميزانية دون جدول زمني واضح للإنجاز.
الاحتيال في البرامج العامة، حيث تهدر المليارات في أنظمة البطالة والرعاية الصحية، فضلا عن الإنفاق الضخم على ملف التشرد دون تحسن ملموس، و تأخر مشاريع البنية التحتية عن تلبية احتياجات المواطنين، ووجود ثغرات في إدارة أموال الإغاثة من الكوارث.
الحقيقة أن المواطنين،عمالًا وأصحاب أعمال، قد يقبلون بضرائب أعلى إذا وثقوا في كفاءة إنفاقها، لكن إذا كان الهدف حقًا هو دعم العمال، فيجب التركيز على خفض ضرائب الرواتب، وتقديم حوافز للشركات التي ترفع الأجور، وتقليل أو إلغاء الضرائب على الإكراميات.
السياسات يجب أن تشجع على مزيد من التوظيف وساعات العمل، لا العكس، هكذا تُضبط الحوافز بدل تشويهها.
الخلاصة: رواية “صاحب العمل الجشع مقابل العامل المقهور” قد تكون مريحة سياسيًا، لكنها فارغة اقتصاديًا.. العمال لا يُساعدون.. بل يُستغلون.
رفع الحد الأدنى للأجور، بصيغته الحالية، لا يعمل كأداة لدعم العمال بقدر ما هو وسيلة لزيادة الإيرادات الضريبية دون إعلان صريح، وفي هذه العملية، تتحول الشركات الصغيرة إلى كبش فداء.
إذا أرادت كاليفورنيا دعم العمال حقًا، فعليها أن تبدأ من هنا: خفض ضرائب الرواتب.
نقلاً عن نيويورك بوست
