مع بداية مارس الجاري، عادت قضية العبودية في موريتانيا لتتصدر المشهد الحقوقي والاجتماعي، بعد اتهامات واسعة طالت الحكومة بسبب استمرار ظاهرة تُعد من أكثر الانتهاكات الإنسانية حساسية في العصر الحديث.
هذه الاتهامات لم تأتِ في سياق منعزِل، بل جاءت في سياق نقاش مجتمعي مستمر حول الفرق بين النص القانوني والواقع الاجتماعي في البلاد، وهو نقاش يعكس عمق الأزمة التي لم تُحل رغم قرابة خمسة عقود من التجريم القانوني للعبودية.
موريتانيا كانت آخر دولة في العالم تُعلن إلغاء العبودية رسمياً عام 1981، لكنها عززت ذلك قانونيًا فقط في عام 2007 عندما صار امتلاك البشر جريمة، ثم في 2015 عندما صنّفت العبودية كجريمة ضد الإنسانية بمقتضى القانون رقم 2015‑031.
رغم هذا الإطار القانوني، فإن بيانات مؤسسات حقوقية مستقلة تشير إلى استمرار انتشار أشكال العبودية الحديثة، وفقًا لتقديرات مؤشر العبودية العالمي لعام 2023، يعيش نحو 149 ألف شخص في موريتانيا في حالات استرقاق وراثي وعبودية حديثة، من أصل سكان يبلغ عددهم نحو 4.8 مليون نسمة، ما يشكل ما يقرب من 3% من السكان تقريبًا.
وتشير بعض المنظمات المحلية إلى أن نسبة تصل إلى 20% من السكان لا يزالون يعيشون تحت وطأة العبودية الوراثية أو ممارسات شبيهة بها، مع تأثير بالغ على النساء والأطفال الذين يشكلون نحو 90% من المتضررين في هذه الفئة، وفق تقارير نشرت في مارس 2026.
قضية الطفلة النوها
أحداث الأسابيع الماضية كانت تعبيرًا صارخًا عن الفجوة بين القانون والواقع، فقضية الطفلة النوها، التي زُعم أنها في حالة “عبودية” لدى أسرة تعولها، فجرت توتراً اجتماعياً وسياسياً في عمق المجتمع الموريتاني.
ونفت النيابة العامة الاتهامات، معتبرة الأمر حالة تكفل أسري واجتماعي، وأكدت أنها لا تمثل حالة استعباد في مفهوم القانون.
غير أن هذا النفي لم يكفِ عن إطلاق موجة من النقاش، بل أدى إلى تصعيد واسع من قبل منظمات حقوق الإنسان والنشطاء الذين رأوا في تعامل السلطة “تجاهلًا منهجيًا” لاستمرار انتهاكات مماثلة.
ائتلاف التناوب الديمقراطي المعارض (cad2029) أدان ما اعتبره سجن ستة ناشطين مناهضين للعبودية واحتجاز امرأتين أبلغتا عن حالة استرقاق، واعتبر ما جرى “انجرافًا قضائيًا غير مسبوق يهدف إلى إخفاء الحقيقة”.
وفي الوقت نفسه، أعلنت لجنة الإعلام في مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية (إيرا) عن توقيف قيادات ونشطاء من صفوفها، مؤكدين أن ذلك يأتي لأنهم مبلّغون عن انتهاكات مرتبطة بجرائم الاسترقاق، ما يعكس استمرار التضييق على من يحاول فضح الانتهاكات بدلًا من محاربة الانتهاك نفسه.
تحركات شعبية وخلل قانوني
التحركات الشعبية لم تتوقف عند حدود الإدانات المكتوبة؛ فقد نظمت نساء حركة “إيرا” وقفة احتجاجية أمام مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان في نواكشوط، رافعات لافتات تقول: “لا للعبودية”، “لا لقمع المبلغين عن العبودية”، “النظام يسجن المبلغين والضحايا ويحمي المتورطين”. هذا التصعيد الشعبي يعكس إدراكًا عميقًا لدى قطاعات واسعة بأن الخلل ليس في النص القانوني فحسب، بل في تطبيقه وإنفاذه.
التناقض بين النصوص القانونية وواقع المعاناة لدى الشريحة المتضررة يستند إلى بيانات ملموسة، ففي حين تُظهر القوانين الوطنية أن العبودية غير موجودة، فإن مؤشرات دولية تقول بخلاف ذلك.
على سبيل المثال، مؤشر الرق العالمي يُشير إلى أن موريتانيا لا تزال ضمن البلدان ذات انتشار ملموس للعبودية، مع تقديرات بنحو 90,000 شخص يعيشون في وضع يشبه العبودية في 2020، أي نحو 2.1–2.4% من السكان.
هذه الأرقام لا تشمل الفئات التي تعيش في حالات استرقاق معقدة، مثل العمل القسري أو الزواج القسري، أو أشكال التبعية الاقتصادية والاجتماعية التي لا يُنظر إليها قانونيًا كعبودية صريحة لكنها تمثل استمرارًا للهيمنة والاستغلال.
الأسباب والتحديات المستقبلية
السبب في هذه الهوة بين النص والواقع يتجذر في عدة عوامل مترابطة. أولاً، ضعف إنفاذ القانون يشكل عائقًا أساسيًا.
قوانين مثل رقم 2015-031 على ورق تجرّم العبودية، لكنها تضع عبء الإثبات على الضحية، وهي غالبًا غير قادرة على تقديم مثل هذا الإثبات أمام نظام قضائي يفتقر للخبرة والميل في كثير من الأحيان نحو حماية الطبقات المهيمنة، كما أن القضاة وأفراد الشرطة غالبًا ما ينتمون إلى نفس الفئات الاجتماعية التي استفادت تاريخيًا من أنظمة العبودية، ما يحد من فاعلية الإجراءات القانونية.
كذلك، استمرار التركيب الاجتماعي الطبقي في موريتانيا يعمّق آثار العبودية حتى وإن صيغت كممارسة تاريخية. فشريحة الحراطين التي تمثل غالبية من يعانون من هذه الممارسات، لا تزال تواجه تمييزًا ممنهجًا في الوصول إلى التعليم والوظائف والموارد الاقتصادية، ما يجعل “الحرية القانونية” أمرًا بلا مضمون فعلي، وتستند العديد من هذه الممارسات إلى علاقات تبعية تاريخية وتوقعات اجتماعية تُرغم الأفراد على البقاء في علاقات خدمية قسرية، مدفوعة بالفقر والافتقار للفرص.
كذلك، غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة يعمّق الفجوة الحكومة لا تتضمن بيانات عن أفراد يعيشون في حالات استرقاق في الإحصاء السكاني الرسمي، ولا تنشر تقديرات موثوقة عن مدى انتشار هذه الظاهرة، ما يجعل الاعتماد على تقديرات منظمات دولية ومحلية أمرًا ضروريًا لتكوين صورة تقريبية للواقع.
الأزمة حقوقية في موريتانيا ليست فقط في استمرار الممارسة بحد ذاتها، بل في استمرار سياسات حالت دون مساءلة كاملة للمتورطين ومنحت صكوكًا ضمنية بتحمل الأعباء لأضعف الفئات، هذا دفع منظمات حقوقية دولية إلى مطالبة الحكومة بتحقيقات مستقلة وشفافة وإنهاء الإفلات من العقاب، لكنها حتى الآن لم تشهد تجاوبًا يخفف من حدة الانتهاكات أو يقرب بين القانون والواقع.
يظل السؤال حول ما إذا كانت العبودية في موريتانيا قد انتهت فعلاً سؤالًا مفتوحًا، ليس فقط من منظور النص القانوني، بل من منظور حقوق الإنسان والواقع المعيشي اليومي للمئات من الأسر.
موقع “صفر”، يناقش الأزمة مع خبراء وأكاديميين موريتانيين.
حالات فردية ومعزولة
علّق الباحث والكاتب الموريتاني المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، الحسن ولد أمحمد، على ملف العبودية الحديثة في موريتانيا، موضحاً أن التغطية الإعلامية الأخيرة للموضوع غالبًا ما تُبالغ في تصوير الواقع، وأن هناك ضرورة لفصل الحقائق القانونية عن الادعاءات المجتمعية.
وقال الحسن، في تصريحات خاصة لـ“صفر”: “بالنسبة لي كباحث ومتابع للقضية، لا توجد حالات استعباد ممارسة، أو حالات استرقاق ممارسة داخل موريتانيا، أو على الأقل لم يتم الكشف عنها”.
وأضاف: “إذا كانت هناك حالات، فهي فردية ومعزولة، ولا يمكن أن نقول إنها ظاهرة عامة أو ممارسة منظمة داخل المجتمع الموريتاني”.
وأشار إلى أن الدولة الموريتانية عملت خلال السنوات الماضية على سن قوانين رادعة، وأن لديها ترسانة قانونية قوية تجرم العبودية والاسترقاق، مضيفًا: “هناك محاكم متخصصة في هذا المجال، وأي شخص يثبت تورطه في هذه الممارسات يُعرض للمساءلة القضائية، وهذا يختلف تمامًا عما كان عليه الوضع في الماضي”.
وأوضح ولد أمحمد أن هذه الإجراءات ليست شكلية، بل تعكس إرادة سياسية حقيقية لمحاربة أي ممارسات مشابهة: “الدولة الموريتانية اليوم لديها القدرة القانونية والمؤسسية على ضبط هذه الحالات، وإذا ظهرت حالات، فإنها تتم معالجتها ضمن الإطار القانوني، سواء من خلال المحاكم أو الأجهزة الأمنية المتخصصة”.
وتطرق الباحث إلى التحديات المحتملة في المناطق النائية، قائلاً: “إذا كانت هناك حالات من الرق غير المعلن عنها، أو حالات محتملة في أقصى المناطق الحدودية مع مالي أو السنغال، فلا يمكن لأحد أن يتنبأ بها. لكن على الدولة، والمنظمات الحقوقية، والمنظمات التي تدعي رصد مثل هذه الحالات أن تبحث عنها وتؤكد وجودها قبل إصدار أي أحكام”.
وأشار الباحث إلى أن بعض الادعاءات التي تُنشر في الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي قد تستند إلى سوء فهم للعلاقات الاجتماعية التقليدية، وليس لممارسات ممنهجة: “لا يمكننا اعتبار أي علاقة تبعية اجتماعية أو مساعدة أسرية ضمن التقاليد المحلية حالة استرقاق.. القانون واضح، والمحاكم تطبق القانون بحزم”.
وفي تعليق على الانتقادات الدولية، قال: “القوانين التي سنّتها موريتانيا، والمحاكم المتخصصة، والترسانة القانونية التي تجعل العبودية جريمة ضد الإنسانية، كلها مؤشرات على جدية الدولة في محاربة هذه الممارسات. لكن يبقى السؤال حول تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع، ومدى قدرة الضحايا على الوصول إلى العدالة”.
وأكد ولد أمحمد أن الموضوع يحتاج إلى تفاهم بين السلطات، والمجتمع المدني، والباحثين، والإعلام، قائلاً: “المعلومات الدقيقة والتحقق الميداني أهم من الادعاءات العامة، لأن نشر أخبار غير مؤكدة قد يضر بالسمعة الوطنية ويخلط بين الماضي والحاضر”.
وختم الباحث تصريحه بالإشارة إلى أن “ممارسة العبودية ليست منتشرة اليوم، وأن ما نراه هو استعادة الدولة لمصداقيتها القانونية، وفرض سيادة القانون، أي حديث عن حالات فردية يجب أن يثبت بدليل، وفي ظل غياب هذه الأدلة، لا يمكن القول بأن العبودية لا تزال تمارس بشكل فعلي في موريتانيا”.
بين الحقيقة والتسويق الدولي
قالت فاطمة إبراهيم، الحقوقية الموريتانية، إن الاعتقاد بأن الأسئلة المطروحة حول موضوع العبودية التقليدية تعكس الواقع القائم ليس دقيقاً بالضرورة، مشيرة إلى أن كثيراً من هذه الأسئلة بحسب تقديرها متأثرة بما وصفته بـ”التسويق الدولي” الذي لا يتسق دائماً مع الواقع الاجتماعي الفعلي. وأضافت أن الظاهرة بصيغتها التقليدية المعروفة تاريخياً لم يعد لها وجود فعلي، إلا أن ذلك لا يعني غياب أنماط أخرى من الانتهاكات التي يمكن إدراجها ضمن الإطار الأوسع لجرائم الاتجار بالبشر.
وأوضحت فاطمة، في تصريحات لـ“صفر”، أن بعض الممارسات التي تندرج ضمن الاستغلال أو الانتهاكات الاجتماعية، مثل بعض حالات الاستغلال الاقتصادي أو زواج القصر، يمكن أن تُصنّف ضمن الأشكال الحديثة المرتبطة بجرائم الاتجار بالبشر.
وأشارت إلى أن هذه القضايا موجودة بالفعل، ويتم التعامل معها عبر مقاربات متعددة قانونية واجتماعية وتوعوية، لافتة إلى أن الخوض في تفاصيلها يتطلب مساحة أوسع نظراً لتشعبها وتعقيدها.
وبيّنت الحقوقية الموريتانية، أن هذه البرامج اعتمدت على ثلاثة مرتكزات أساسية. أولها نفي أي شرعية دينية لممارسة الاسترقاق، وهو ما تم العمل عليه من خلال إشراك رجال الدين والعلماء في حملات التوعية، بهدف تصحيح المفاهيم وترسيخ خطاب ديني واضح يؤكد رفض هذه الممارسات.
أما المرتكز الثاني، وفق قولها، فيتمثل في توضيح الإطار القانوني الذي يجرّم العبودية، حيث يصل توصيفها في بعض الحالات إلى اعتبارها جريمة ضد الإنسانية، إلى جانب تعريف الضحايا بحقوقهم وشرح سبل الإنصاف والحماية التي يكفلها القانون لهم.
وأشارت الحقوقية الموريتانية، إلى أن المرتكز الثالث يرتبط بدور المجتمع المدني، حيث يتم عرض تجارب المنظمات والجمعيات التي تنشط في مجال محاربة هذه الظاهرة، إلى جانب استعراض نماذج من المبادرات المجتمعية التي أسهمت في مؤازرة الضحايا وتعزيز الوعي المجتمعي بخطورة هذه الانتهاكات.
وفي ما يتعلق بالجدل الدائر حول ما يوصف بالفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، قالت إبراهيم إن ملف مكافحة العبودية يعد –في تقديرها– من بين الملفات التي حظيت بتقدم ملموس على مستوى التطبيق.
وأضافت أن الجهود في هذا المجال مرت بمراحل متدرجة من التطوير المؤسسي والتشريعي، وصولاً إلى إنشاء محاكم مختصة للنظر في قضايا العبودية والاتجار بالبشر.
وأوضحت أن هذه الخطوة جاءت ضمن منظومة أوسع من الآليات التي تهدف إلى تعزيز فاعلية مكافحة هذه الجرائم، بما في ذلك آليات للكشف المبكر عن الحالات المحتملة، ونظم للمتابعة والتقييم. كما أشارت إلى أن هذه الآليات لا تقتصر على المؤسسات الرسمية فقط، بل تشمل أيضاً مشاركة فاعلة من منظمات المجتمع المدني.
وأكدت أن المجتمع المدني يؤدي دوراً محورياً في هذا المجال، ليس فقط في عمليات الرصد والتوثيق، بل أيضاً كشريك أساسي في تنفيذ البرامج والاستراتيجيات المتعلقة بالتوعية المجتمعية ودعم الضحايا، المنظمات المدنية تسهم في تقريب الخدمات إلى الفئات الأكثر هشاشة، وتعمل على مرافقة الضحايا قانونياً واجتماعياً في مسارات الإنصاف.
غير أنها أشارت في الوقت نفسه إلى وجود بعض التحديات التي قد تؤثر في فاعلية عمل بعض المنظمات، موضحة أن من أبرز هذه التحديات ضعف التكوين المتخصص في هذا المجال لدى بعض النشطاء أو العاملين في العمل الحقوقي، وأن هذا الضعف قد يؤدي في بعض الأحيان إلى أخطاء في عمليات الرصد أو إلى تجاوزات قانونية غير مقصودة.

