منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

“يحملن المعاناة”.. ناقلات البضائع في المغرب بين مخاطر الطرق وانعدام الحماية

28 مارس 2026
نساء يحملن البضائع في المغرب
نساء يحملن البضائع في المغرب

على طرق وعرة، وتحت شمس حارقة أو برد قارس، تسير عشرات النساء في قرى المغرب النائية محملات بأثقال تفوق أجسادهن النحيلة، يتصبب العرق من جباههن إثر نقل البضائع المتمثلة في أكياس الطحين، وصناديق الخضار والفواكه، وحزم الفحم والحطب، ليتحولن معها إلى “حاملات” يواجهن قسوة الطبيعة وضغوط الحاجة في صمت يوجع القلب.

ومن جميع الأعمار، تخاطر الآلاف من النساء الحمالات بحياتهن يومياً عند معبر طرخال الحدودي بين المغرب وإسبانيا، إذ تشير التقديرات إلى أن عددهن يتراوح بين 3 آلاف و7 آلاف في اليوم الواحد، ويطلق عليهن في المغرب اسم “حمالات البضائع”، حيث يقودهن مهربون من إسبانيا بمقابل بخس لا يكفي أثمان مناشف عرق جباههن، وفق موقع “هيسبريس” المغربي.

وبمعاناة يومية تبدأ منذ الساعات المبكرة، تتجمع النساء المغربيات عند جدار معدني ضخم يربط بين بلادهن وإسبانيا، وبعد تفتيشهن على الحدود، يدخلن البلد الأوروبي دون الحصول على تأشيرة، فلا يحتاج المغاربة الذين يعيشون في أربع بلدات متاخمة للحدود إلى تأشيرة دخول لسبتة، وهو إقليم إسباني مستقل تربطه حدود مباشرة مع المغرب.

“أحس أن ظهري انكسر من الأحمال، لكن لا خيار آخر”، تقول فاطمة، وهي أم لخمسة أطفال، مشيرة إلى أنها بمجرد دخولها الجانب الإسباني تستقل – برفقة العديد من النساء – مركبات إلى معبر باريو تشينو على حدود مليلية، ليحملن البضائع والتي يتم فرزها قبل أن يتم نقلها في النهاية إلى المغرب.

ومأساة حاملات البضائع تتجاوز مرحلة العناء الجسدي، لتصل إلى انعدام الحماية الاجتماعية والقانونية، إذ يعملن بلا عقود عمل أو تأمين صحي أو بمقابل يليق ويتناسب مع مجهودهن البدني الشاق، كما يواجهن التهميش والإهمال من قبل السلطات المغربية.

ففي غياب الرقابة الحكومية، تتحول أجساد النساء في المناطق الحدودية إلى وسيلة نقل وتهريب بديلة، لتلقى معظمهن مصير الموت البطيء، بين فقر مدقع وشقاء يدمر الصحة ويقصف الأعمار.

أحمال شاقة على ظهورهن

وعلى مدى عقود، تحولت معابر الشمال، وأبرزها معبر سبتة بالمغرب، من مجرد منافذ حدودية إلى مسرح لمآسٍ إنسانية تجسدها أجساد نساء فقيرات وضعيفات، يُعرفن بـ”حمالات البضائع”، إذ تُقر منظمات حقوقية محلية بأن معظمهن من الأرامل والمطلقات ومعيلات الأطفال.

وتضطر هؤلاء النساء إلى حمل عشرات الكيلوغرامات من السلع على ظهورهن يومياً مقابل الحصول على فتات لا يتجاوز أحياناً 50 درهماً (نحو 5 دولارات)، في ظروف مهينة وغير إنسانية، ما يجعلهن في أوضاع معيشية تتسم بالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

وأغلق المغرب معبر سبتة عام 2020، ما خلّف آلاف النساء في مواجهة البطالة والهشاشة والأمراض المزمنة الناتجة عن سنوات طويلة من الإجهاد البدني، وبعضهن لجأ إلى أعمال غير مهيكلة كالخدمة المنزلية أو البيع البسيط، في حين بقيت أخريات بلا مورد يذكر، بحسب ما ذكرت وكالة “رويترز”.

وتقول فاطمة لـ”صفر”: “وجدنا أنفسنا فجأة بعد قرار الإغلاق بين مطرقة الفقر وغياب البدائل، لتأمين لقمة العيش على الحدود”.

ولا توجد إحصاءات دقيقة، لكن التقديرات غير الرسمية كانت تشير إلى ما بين ثلاثة آلاف وسبعة آلاف امرأة يشتغلن بانتظام عبر المعابر، أغلبهن ينحدرن من مدن الشمال (تطوان، الفنيدق، المضيق، طنجة، العرائش) ومن مناطق جبلية فقيرة بالريف.

وتلجأ الفتيات والنساء المغربيات على الحدود إلى الأعمال الشاقة بسبب الفقر المدقع وانعدام فرص العمل والانقطاع عن الدراسة وغياب شبكات الحماية الاجتماعية، ما يدفعهن إلى حمل أثقال تفوق قدرتهن الجسدية، في سبيل إعالة أسرهن وضمان الحد الأدنى من العيش.

وتدعو المنظمات المحلية السلطات المغربية إلى تحمل مسؤوليتها تجاه هؤلاء النساء، من خلال إطلاق برامج إدماج اقتصادي واجتماعي موجهة لمدن الشمال الفقيرة، وضمان التغطية الصحية والتقاعد للنساء اللاتي قضين سنوات من العمل القاسي.

مأساة إنسانية صامتة

تقول الحقوقية ليلى أملي، رئيسة جمعية “أيادي حرة” بالمغرب، إن “معبر باب سبتة، كان لسنوات طويلة مسرحاً لمأساة إنسانية صامتة، حملت على أكتافها نساء ضعيفات تحولن إلى رمز للفقر والخذلان، وشاهدات على جرح إنساني لم يندمل بعد”.

أملي أوضحت، في تصريح لـ”صفر”، أن إغلاق معبر باب سبتة عام 2020 لم يُنهِ المأساة، محمِلَة الدولة مسؤولية إنصاف هذه الفئة، من خلال إدماجهن في برامج اقتصادية واجتماعية موجهة، وضمان حقهن في التغطية الصحية والتقاعد، إضافة إلى الدعم النفسي والاجتماعي لتجاوز آثار الإذلال، وتطوير مشاريع تضامنية تضمن لهن استقلالية وكرامة.

“هناك نساء قضين أكثر من عشرين عاماً وهنّ يحملن الأثقال، واليوم وجدن أنفسهن بلا معاش ولا تغطية صحية.. بعضهن وفّرن لأبنائهن فرصة الوصول إلى الجامعات من عرق أكتافهن المنهكة”، تسترجع أملي بأسى بقولها: “لم تخلُ المأساة من وفيات مأساوية تحت وطأة التدافع والأحمال الثقيلة، لتكشف للرأي العام حجم القهر الذي أحاط بهذه المهنة القاسية”.

واختتمت بمرارة: “مأساة حمالات البضائع ليست فصلاً من الماضي، بل جرح مفتوح ومرآة لواقع تنموي غير متوازن، إنصافهن يمر عبر الاعتراف بمعاناتهن وتأمين بدائل تحفظ كرامتهن وضمان عدم تكرار هذه الإهانة للإنسانية”.

جهود حكومية محدودة

من جانبه، يؤكد الخبير الحقوقي عادل تشيكيطو، الرئيس الوطني للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن النساء اللاتي كن جزءاً من هذه الظاهرة ما زلن يعانين من أمراض مزمنة وإرهاق جسدي وفقر متواصل، كما أن غياب بدائل اقتصادية فعلية فاقم هشاشتهن.

ويضيف تشيكيطو، لـ”صفر”، أن بعض البرامج الحكومية من تكوين مهني أو دعم مباشر أو تشغيل محدود، كانت ولا تزال خطوات محدودة لا توازي حجم الكارثة، قائلاً: “النساء بحاجة إلى فرص عمل مستدامة، ومشاريع إنتاجية حقيقية، ودعم اجتماعي ونفسي متواصل”.

ويخلص الخبير الحقوقي إلى أن المأساة لن تُطوى إلا بتضافر جهود الدولة والمجتمع المدني، لتوفير بدائل اقتصادية حقيقية وحماية قانونية، وضمان ألّا يبقى هؤلاء الرجال والنساء مجرد ضحايا عالقين في تداعيات الماضي.

قد تُطوى صفحة التهريب المعيشي من حدود سبتة، لكن وجوه النساء اللاتي حملن البضائع على أكتافهن المنهكة لا يمكن أن تطوى من ذاكرة الإنسانية، فكل خطوة في طريقهن كانت شهادة على الفقر والتهميش، وكل عرق سال على جباههن كان ثمناً من أجل لقمة عيش كريمة لأطفالهن.

ورغم الجهود المبذولة لتأمين بدائل وفرص حياة جديدة، يبقى التحدي الأكبر هو أن تتحول هذه المبادرات إلى ضمانة فعلية لكرامتهن، حتى لا تبقى قصتهن مجرد ذكرى في أرشيف المآسي، بل تتحول إلى نقطة انطلاق نحو إنصاف وعدالة اجتماعية حقيقية.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان