أعلنت السلطات الألمانية رفض دخول 996 طالب لجوء على الحدود البرية خلال الفترة الممتدة من مايو حتى نهاية ديسمبر 2025، في إطار السياسة التي بُدِئ تنفيذها بعد تولي وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت منصبه في 7 مايو 2025، بحسب ما ذكرت “دويتش فيله”، اليوم الجمعة
وجاء هذا التوجه ضمن تشديد أوسع على الرقابة الحدودية، بعدما سمحت التعليمات الجديدة بإعادة طالبي اللجوء على الحدود البرية في حالات محددة، بعد أن كانت الإعادة تقتصر في السابق على من لا يطلبون اللجوء أو من صدرت بحقهم قرارات منع دخول.
وفي المقابل، أبقت الحكومة استثناءات لفئات وُصفت بأنها ضعيفة أو بحاجة إلى حماية خاصة، مثل الأطفال والحوامل والمرضى.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق تحول واضح في سياسة الهجرة الألمانية، مدفوعًا بضغوط سياسية داخلية ورغبة حكومية معلنة في خفض أعداد الدخول غير النظامي.
الدخول غير القانوني
كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن الشرطة الاتحادية أن عدد حالات الدخول غير القانوني المسجلة في ألمانيا خلال 2025 بلغ نحو 62,959 حالة، بتراجع يقارب 25% مقارنة بعام 2024.
ووفق الأرقام نفسها، انخفضت محاولات العبور غير النظامي على بعض الحدود، خصوصًا مع بولندا وسويسرا، بينما سُجل ارتفاع على حدود أخرى، فقد ارتفع عدد الحالات القادمة من هولندا إلى 4,494 حالة في 2025، مقارنة بـ2,863 في العام السابق، كما ارتفعت الحالات على الحدود مع فرنسا إلى نحو 10,500، مقابل 9,600 في 2024.
ويعكس هذا التفاوت، بحسب التقديرات الرسمية، تحول بعض مسارات العبور داخل أوروبا بدل اختفائها بالكامل، وهو ما دفع برلين إلى تعزيز التنسيق مع بعض الدول المجاورة، ولا سيما هولندا، لبحث تشديد الرقابة في المناطق الحدودية.
أفغان في صدارة المرفوضين
أظهرت المعطيات الحكومية أن عددًا محدودًا فقط من الذين أوقفوا عند الحدود تقدموا فعليًا بطلبات لجوء، لكن مِن بين مَن رُفضت طلباتهم بعد تقديمها، تَصدَّر القادمون من أفغانستان وتركيا والجزائر القائمة.
وبحسب الرد الحكومي الذي اطلعت عليه وسائل إعلام ألمانية، جاءت قرارات الرفض استنادًا إلى ثلاثة اعتبارات رئيسية: الوصول من دولة ثالثة آمنة، أو وجود دولة أخرى داخل الاتحاد الأوروبي مسؤولة عن دراسة الطلب وفق قواعد دبلن، أو أسباب تتعلق بـالسلامة العامة.
وفي الوقت نفسه، تمّت إعادة نحو ثلثي الأجانب الذين ضُبطوا خلال محاولتهم دخول ألمانيا بصورة غير نظامية، وهو ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على الإرجاع الفوري عند الحدود كأداة تنفيذية في السياسة الجديدة.
انتقادات حقوقية
أثار هذا المسار انتقادات من المعارضة ومنظمات مدافعة عن حقوق اللاجئين، إذ رأت النائبة كلارا بونغر، من حزب اليسار، أن انخفاض عدد طالبي اللجوء بين المرفوضين لا يعني بالضرورة أنهم ليسوا بحاجة إلى حماية، بل قد يشير إلى أن الشرطة لم تسجل طلبات بعضهم رسميًا من الأصل.
وذهبت بونغر إلى أن استمرار الرقابة على الحدود الداخلية داخل فضاء الاتحاد الأوروبي يضعف حق اللجوء ويقوض مبدأ حرية الحركة داخل التكتل.
وتكتسب هذه الانتقادات وزنًا إضافيًا بعد حكم قضائي صدر في يونيو 2025 واعتبر أن إعادة ثلاثة طالبي لجوء صوماليين من الحدود مع بولندا كانت غير قانونية، لأن السلطات الألمانية كان عليها فحص طلباتهم بموجب قواعد الاتحاد الأوروبي، لا إعادتهم مباشرة.
ومع ذلك، أكدت حكومة المستشار فريدريش ميرتس آنذاك أنها ستواصل نهجها المتشدد في مكافحة الهجرة غير النظامية، معتبرة أن المسار السياسي العام لن يتوقف بسبب حكم واحد.
جدال مستمر حول الشرعية
يعكس خبر رفض نحو ألف طلب لجوء عند الحدود خلال ثمانية أشهر فقط أن ألمانيا تمضي في سياسة أكثر تشددًا مما كانت عليه خلال العقد الماضي، لكن من دون أن يحسم ذلك الجدل القانوني والسياسي المحيط بها.
وتستند الحكومة إلى تراجع واضح في عدد حالات الدخول غير القانوني، وهو ما تعتبره دليلًا على فاعلية التشديد الحدودي.
ومن ناحية أخرى، يواصل المنتقدون التحذير من أن خفض الأرقام لا يجب أن يتم على حساب حق الأفراد في الوصول إلى إجراءات لجوء عادلة وكاملة، كما أن التفاوت في الأرقام بين الحدود المختلفة يشير إلى أن الضغط لا يختفي، بل يعيد توزيع نفسه جغرافيًا داخل القارة.
ولهذا، لا يبدو ملف الحدود في ألمانيا مجرد مسألة أمنية أو إدارية، بل ساحة اختبار مستمرة للتوازن بين ضبط الهجرة واحترام الالتزامات القانونية والإنسانية تجاه طالبي الحماية.
