منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

بعد 10 سنوات.. هل نجح اتفاق الاتحاد الأوروبي وتركيا في وقف الهجرة؟

27 مارس 2026
قوات شرطة لمكافحة الهجرة في أوروبا
قوات شرطة لمكافحة الهجرة في أوروبا

بعد مرور 10 سنوات على الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، والذي جاء كاستجابة مباشرة لذروة أزمة الهجرة التي هزّت أوروبا في 2015، حين عبّر مئات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين بحر إيجة نحو الجزر اليونانية.

ونصّ الاتفاق الذي جرى توقيعه في 18 مارس من عام 2016، على إعادة “جميع المهاجرين غير النظاميين الجدد” الذين يصلون من تركيا إلى الجزر اليونانية بعد استنفاد أو رفض طلباتهم، وعلى تفعيل آلية “واحد مقابل واحد” بحيث يُعاد توطين سوري من تركيا في الاتحاد الأوروبي مقابل كل سوري يُعاد من اليونان إلى تركيا، إلى جانب تعهد أوروبي بتعبئة 6 مليارات يورو عبر “مرفق اللاجئين في تركيا” لدعم اللاجئين والمجتمعات المضيفة.

ومنذ البداية، قُدِّم الاتفاق أوروبيًا باعتباره أداة لخفض العبور غير النظامي و”كسر نموذج المهربين”، بينما اعتبره منتقدوه بداية مرحلة جديدة من تعهيد إدارة الهجرة خارج حدود الاتحاد.

خفض أعداد العبور

أظهر الجانب الرقمي أن الاتفاق حقق هدفًا أوروبيًا أساسيًا على الأقل: خفض أعداد العبور عبر المسار الشرقي للمتوسط مقارنة بذروة 2015-2016.

فبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، انخفضت الوصولات البحرية إلى اليونان من 856,723 في 2015 إلى 173,450 في 2016، ثم إلى 29,718 فقط في 2017.

ورغم أن الأرقام ارتفعت وتذبذبت في السنوات التالية، فإنها لم تعد إلى مستويات ما قبل الاتفاق؛ إذ سجلت اليونان 54,417 وصولًا بحريًا في 2024 و41,696 في 2025.

وعلى مستوى أوسع، تُظهر بيانات UNHCR الخاصة بأوروبا أن إجمالي الوصولات عبر المتوسط والطرق المرتبطة به هبط من 1,031,700 في 2015 إلى 372,800 في 2016، ثم إلى 185,100 في 2017، وهو ما تستخدمه مؤسسات الاتحاد دليلًا على أن الاتفاق كان رادعًا وفعّالًا من زاوية ضبط الحدود.

تعاون أمني وحدودي

عزّزت تركيا، بموجب الاتفاق وما تبعه من تعاون أمني وحدودي، عمليات الاعتراض والمراقبة على نحو واضح، وتُظهر بيانات رئاسة إدارة الهجرة التركية ومنظمة الهجرة الدولية أن عدد المهاجرين غير النظاميين الذين جرى اعتراضهم في تركيا ارتفع من نحو 58,647 في 2014 و146,485 في 2015 إلى 174,466 في 2016، ثم وصل إلى 225,831 في 2024 قبل أن يتراجع إلى 175,512 في 2025.

واستمرت تركيا في استضافة واحدة من أكبر تجمعات اللاجئين في العالم؛ إذ قالت UNHCR تركيا في مطلع 2026 إن البلاد تستضيف نحو 2.3 مليون سوري تحت الحماية المؤقتة، إضافة إلى نحو 166 ألف لاجئ وطالب لجوء من جنسيات أخرى، بينما تشير تقارير أممية أخرى إلى أرقام أعلى إذا أُخذت فئات أخرى في الاعتبار في منتصف 2025.

وتعكس هذه الأرقام أن تركيا بقيت فعليًا الحاجز البشري الأكبر على طريق شرق المتوسط، حتى مع تراجع الأعداد مقارنة بسنوات الذروة.

دفع الاتحاد الأوروبي من جهته الجزء المالي من الصفقة بدرجات مختلفة من الوضوح والاستمرارية. فقد أكدت المفوضية الأوروبية في 2019 أنها عبأت كامل الميزانية التشغيلية البالغة 6 مليارات يورو لمرفق اللاجئين في تركيا، ثم أوضح التقييم النهائي الرسمي للمرفق، الصادر في فبراير 2026، أن الاتحاد خصص 6 مليارات يورو إضافية لدعم اللاجئين والمجتمعات المضيفة في تركيا خلال الفترة 2020-2027.

وتقول المفوضية إن هذا التمويل ذهب إلى التعليم والصحة والحماية والدعم النقدي والبنية التحتية، بينما لا يزال التعاون قائمًا ضمن إطار أوسع لدعم إدارة الحدود والخدمات الأساسية، وبذلك، لا يبدو الاتفاق “ميتًا” بعد عشر سنوات، بل تحول إلى هيكل دائم للتعاون المالي والحدودي بين بروكسل وأنقرة، حتى لو تغيرت صيغته السياسية بمرور الوقت.

أين نجح الاتفاق وأين تعثر؟

بلغة المؤسسات الأوروبية، نجح الاتفاق، في خفض الوصولات غير النظامية، لكن نجاحه التنفيذي كان أقل اكتمالًا إذا نُظر إلى البنود الأخرى، فوفق وثيقة رسمية للمفوضية الأوروبية في سبتمبر 2025، جرى بين أبريل 2016 وفبراير 2025 إعادة 2,140 مهاجرًا فقط من الجزر اليونانية إلى تركيا، في حين جرى إعادة توطين أكثر من 43,815 سوريًا من تركيا إلى دول الاتحاد الأوروبي ضمن آلية “واحد مقابل واحد”.

كما تشير صفحة المفوضية الخاصة بإعادة التوطين إلى أن عدد السوريين الذين أُعيد توطينهم من تركيا إلى الاتحاد تجاوز 43 ألفًا منذ مارس 2016.

وتكشف هذه الأرقام أن الاتفاق لم يتحول إلى نظام واسع النطاق للعودة من اليونان إلى تركيا، بقدر ما صار أداة ردع سياسي وحدودي مدعومة بتمويل أوروبي واستيعاب تركي طويل الأمد.

وكشف عام 2020 أيضًا هشاشة الاتفاق سياسيًا، حين لوحت أنقرة بفتح الحدود مع اليونان وسمحت لآلاف المهاجرين بالتحرك نحوها، وقد قالت المنظمة الدولية للهجرة آنذاك، إن أكثر من 13 ألف شخص تجمعوا على الحدود اليونانية-التركية خلال تلك الأزمة، بينما وثقت تقارير أممية وإعلامية أن الحكومة التركية سهلت نقل مجموعات كبيرة إلى المنطقة الحدودية.

وأظهر ذلك أن الاتفاق لم يكن مجرد تفاهم فني حول الهجرة، بل ورقة ضغط جيوسياسية يمكن استخدامها في لحظات التوتر بين أنقرة وبروكسل، ومع ذلك، لم ينهَر الإطار العام للتعاون، بل استؤنف لاحقًا بصيغ تمويلية وبراغماتية جديدة، ما يعكس أن الطرفين ما زالا يعتبرانه، رغم التوترات، أقل كلفة من العودة إلى مشهد 2015.

من دفع الكلفة الإنسانية؟

دفعت الجزر اليونانية والمهاجرون العالقون عليها الجزء الأكبر من الكلفة الإنسانية للاتفاق، وفق منظمات طبية وحقوقية، فـ”أطباء بلا حدود” قالت في الذكرى العاشرة في مارس 2026 إن الاتفاق خلّف “عواقب إنسانية جلية” في الجزر اليونانية وما بعدها، لأنه أسس نموذجًا قائمًا على الردع والاحتواء والحد من إجراءات اللجوء وإبقائها خارج قلب أوروبا.

وأضافت المنظمة أن فرقها قدّمت بين 2016 و2026 ما مجموعه 156,977 استشارة خارجية للمهاجرين واللاجئين في الجزر اليونانية، في مؤشر على طول أمد المعاناة لا على “حل” الأزمة.

كما انتقدت استمرار احتجاز أو عزل طالبي اللجوء في مرافق مراقبة مغلقة تقع في مناطق نائية، معتبرة أن تحسين البنية الشكلية للمخيمات لم يغيّر جوهر السياسة القائم على الإبعاد والردع.

ووثّقت منظمات حقوقية أيضًا ممارسات تركية مثيرة للقلق بحق بعض الجنسيات، خصوصًا الأفغان والسوريين، فقد قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها عن الأفغان في تركيا عام 2022 إن السلطات التركية كانت تدفع كثيرين إلى العودة أو الترحيل من دون فحص جدي لاحتياجات الحماية، وإن بعض من وُصفت عودتهم بأنها “طوعية” قالوا إن التوقيع أو البصمة جرى انتزاعهما تحت الإكراه أو التهديد أو بعد الضرب.

كما قالت المنظمة، في تقرير آخر، إن مئات السوريين تعرضوا للاعتقال التعسفي والترحيل إلى سوريا في 2022، وهذه الوقائع لا تعني أن الاتفاق نفسه هو من ارتكب هذه الانتهاكات مباشرة، لكنها تعني أن البنية التي شجعها الاتفاق جعلت الأولوية للمنع والردع أكثر من الحماية الفعلية وحق اللجوء.

ماذا بقي من الاتفاق؟

يبدو الاتفاق بعد عشر سنوات ناجحًا من منظور أوروبي ضيق، فالأرقام انخفضت، والطريق لم يعد منفلتًا كما كان في 2015، وتركيا استمرت في لعب دور الحاجز الخارجي الكبير، لكنه يبدو، من منظور حقوقي وإنساني، نجاحًا مشروطًا بكلفة باهظة.. حصر الآلاف في الجزر، ترحيل قسري أو عودة مشكوك في طوعيتها لبعض الفئات، وتحويل سياسة اللجوء إلى شبكة تفاهمات مع دول ثالثة.

ولذلك تعتبره منظمات مثل أطباء بلا حدود والمجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين نموذجًا جرى تصديره لاحقًا إلى تعاونات مماثلة مع ليبيا وتونس ومصر والنيجر ودول أخرى.

ومع اقتراب دخول الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء حيّز التنفيذ في 2026، يبدو أن “النموذج التركي” لم ينتهِ، بل صار جزءًا من فلسفة أوروبية أوسع تقوم على نقل إدارة الهجرة إلى ما وراء الحدود.