منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

نحن نسمح للشركات الكبرى بالمقامرة بحياتنا.. تحرّكوا الآن قبل أن ينفد الطعام

26 مارس 2026

جورج مونبيوت *

من المفارقات القاسية في حياة المدافعين عن البيئة أننا نقضي أعمارنا نحاول ألا يثبت الواقع صحة مخاوفنا، فأن تكون على حق في هذا المجال ليس انتصاراً بل نذير كارثة، ومع ذلك، يبقى هناك تهديد واحد يطاردني أكثر من غيره وهو انهيار النظام الغذائي العالمي.

لا أحد يستطيع التنبؤ بالشرارة التي قد تُشعل هذا الانهيار، لكن الحروب الكبرى مثل التصعيد مع إيران تبدو من النوع القادر على ذلك، على مدى سنوات، وبالاستناد إلى كمّ هائل من البيانات العلمية، حذّرت من هذا الخطر، في حين ظلت الحكومات، في تقديري، بعيدة تماماً عن إدراك حجمه أو الاستعداد له.

المشكلة ليست في حادثة بعينها، بل في هشاشة بنيوية تُشبه إلى حد بعيد وضع النظام المالي العالمي قبل أزمة 2008. قد نرى مؤشرات الخطر في تعطل إمدادات الأسمدة، أو فشل المحاصيل بسبب تغيّر المناخ، أو إغلاق ممرات ملاحية حيوية مثل مضيق هرمز أو قناة السويس، لكن هذه ليست الكارثة نفسها، بل مجرد محفزات محتملة لها، فالكارثة الحقيقية هي أن ينزلق النظام بأكمله فجأة إلى الهاوية.

ما يزيد من خطورة الوضع هو التركّز الشديد للسيطرة في يد عدد محدود من الشركات العملاقة التي لم تعد مجرد تجار سلع، بل باتت أقرب إلى مؤسسات مالية ضخمة، لكن دون الرقابة الكافية، فبينما تدّعي هذه الشركات أن “التمويلنة” تساعدها على إدارة المخاطر، يصبح من الصعب التمييز بين التحوط والمضاربة، وفي كل الأحوال، فإن انكشافها على المخاطر يبدو أكبر مما يُفترض.

بالتوازي، يتجه العالم نحو نظام غذائي عالمي موحّد، تدعمه زراعة نمطية، وسلاسل إمداد تعمل وفق مبدأ “في الوقت المناسب”، دون أي هامش أمان يُذكر، هذا النموذج الذي يبدو فعالاً في الظروف الطبيعية، يتحول إلى نقطة ضعف قاتلة عند أول صدمة.

الممرات الحيوية من مضيق هرمز إلى قناة السويس، مروراً بمضيق ملقا وقناة بنما تمثل شرايين أساسية لتدفق الغذاء والأسمدة والطاقة، وأي تعطّل متزامن في اثنين أو أكثر منها قد يُحدث صدمة عالمية غير مسبوقة. ففكرة أن تتعرض هذه الممرات لهجمات أو اضطرابات ليست افتراضية، بل احتمال قائم يُبقي كثيرين -ومنهم أنا- في حالة قلق دائم.

كل ذلك يعني أننا نفقد تدريجياً عناصر “المرونة الأساسية”: التنوع، والقدرة الاحتياطية، والتجزئة، والبدائل، والقدرة على امتصاص الصدمات، والضوابط التنظيمية، والأسوأ أن جميع مؤشرات الخطر باتت تومض في وقت واحد.

حين يفقد أي نظام معقّد مرونته، يصبح انهياره مسألة وقت لا أكثر، لكن توقيته وشكله يظلان غير قابلين للتنبؤ، قد يبدأ بسقوط شركة كبرى، أو بتعطل ممر تجاري، أو بأزمة تقنية، أو بحدث مناخي يتزامن مع توتر جيوسياسي، ثم تتوالى الانهيارات كعدوى: إفلاسات متسلسلة، تعطل في سلاسل الإمداد، وانقطاع مفاجئ في الحلقة التي تربط بين المنتج والمستهلك، عندها، قد تفرغ الرفوف، وتتعفن المحاصيل، وتصبح إعادة تشغيل النظام أمراً شبه مستحيل ضمن الإطار الزمني اللازم لتفادي مجاعة واسعة.

نعرف، من حيث المبدأ، ما يجب فعله: تفكيك الاحتكارات الكبرى، إخضاع النظام لرقابة حقيقية، تنويع مصادر الغذاء، تقليل الاعتماد على عدد محدود من الدول المصدّرة، وبناء احتياطيات استراتيجية متاحة للجميع، لكن المشكلة أن الحكومات، في معظمها، خاضعة لنفوذ الشركات والقوى المالية، ما يجعلها أقل استعداداً لاتخاذ هذه الخطوات.

حتى الحلول الجزئية، مثل التحول إلى نظام غذائي نباتي، تُقابل بالتجاهل رغم بساطتها وفعاليتها، فالنظام النباتي يستهلك موارد أقل بكثير من أرض ومياه وأسمدة، ويعزز الأمن الغذائي كما تعزز الطاقة المتجددة أمن الطاقة، لكن مثل هذه التغييرات تصطدم بمصالح قوية يصعب تحديها.

بدلاً من ذلك، تبدو السياسات في كثير من الدول وكأنها تراهن على السوق ليقرر المصير، لكن “السوق” هنا ليس كياناً محايداً، بل مجموعة من الشركات العملاقة التي تتحكم في مفاصل النظام.

بعبارة أوضح: نحن نترك حفنة من المضاربين ليقامروا بمستقبل غذائنا.. بل بحياتنا نفسها.

 

* كاتب عمود في صحيفة الغارديان. أحدث مؤلفاته هو كتاب “العقيدة الخفية: التاريخ السري لليبرالية الجديدة” (بالاشتراك مع بيتر هاتشيسون).

نقلاً عن الجارديان..