يحلّ عيد الفطر هذا العام على آلاف اللبنانيين المهجّرين قسرًا بسبب الغارات الإسرائيلية، بعيدين عن منازلهم وقراهم، في ظل أوضاع إنسانية صعبة وغياب شبه كامل لمظاهر الفرح التي ارتبطت بهذه المناسبة لسنوات.
ومع استمرار التصعيد العسكري في جنوب لبنان ومحيط بيروت، وجد كثير من المدنيين أنفسهم داخل مدارس ومراكز إيواء مؤقتة، بعد أن تحوّلت الفصول الدراسية إلى ملاجئ لعائلات فقدت الأمان والاستقرار، بحسب ما ذكرت وكالة “رويترز”.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن عدد النازحين تجاوز المليون، فيما يقيم عشرات الآلاف منهم في مراكز إيواء جماعية.
داخل مركز إيواء في مدينة صيدا، تبدو ملامح العيد مختلفة تمامًا.. لا زينة، ولا زيارات عائلية، ولا تحضيرات مألوفة لاستقبال المناسبة، وبدلًا من ذلك، تسيطر مشاعر القلق والحنين والانتظار على يوميات النازحين، خصوصًا القادمين من القرى الحدودية في الجنوب، حيث لا تزال الغارات والاشتباكات تمنعهم من العودة إلى منازلهم.
أكثر من مليون نازح
وبحسب أحدث البيانات، تجاوز عدد النازحين داخل لبنان مليون شخص مع نهاية 18 مارس الجاري، بعدما كانت الأمم المتحدة قد قدّرت العدد بأكثر من 800 ألف نازح في منتصف الشهر، بينهم نحو 130 ألفًا يقيمون في 612 مركز إيواء جماعي، بحسب ما ذكرت وكالة “أسوشيتد برس”.
وتُظهر التقارير أن موجة النزوح خرجت أساسًا من جنوب لبنان ومحافظة النبطية والبقاع الغربي، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وأجزاء من شرق لبنان، بعد أوامر إخلاء وضربات إسرائيلية طالت عشرات البلدات والقرى.
أما أبرز مناطق الاستقبال فاتجهت إليها العائلات النازحة في صيدا وبيروت وبلدات من جبل لبنان، فيما اضطر آخرون إلى الاحتماء في المدارس والكنائس والساحات العامة وحتى على كورنيش بيروت، بسبب امتلاء مراكز الإيواء وعدم قدرة كثيرين على استئجار مساكن بديلة.
الإقامة في مدارس
وتؤكد التقارير الميدانية أن كثيرًا من العائلات النازحة اضطرت للإقامة في مدارس ومبانٍ عامة، وسط نقص في الخصوصية وضغط كبير على الخدمات الأساسية.
النازحون الذين كانوا يستقبلون العيد في قراهم وسط لمّ شمل العائلة وطقوس الزيارة والتنزه، يعيشون اليوم واقعًا معاكسًا تمامًا، فبدلًا من الاجتماع حول مائدة واحدة، تفرّق كثير من أفراد الأسر بين مناطق لبنانية مختلفة، وبعضهم غادر البلاد، بينما اكتفى آخرون باتصالات هاتفية متقطعة لتعويض غياب اللقاء.
هذا التشتت العائلي، إلى جانب فقدان المنازل والخوف من اتساع الحرب، جعل العيد بالنسبة لكثيرين مناسبة مثقلة بالحزن أكثر منها مناسبة للفرح.
حرمان الأطفال من الفرحة
الأطفال هم الوجه الأكثر قسوة في هذه المأساة.. ففي الوقت الذي يرتبط فيه عيد الفطر عادة بالملابس الجديدة والحلوى والزيارات واللعب، يعيش عدد كبير من الأطفال اللبنانيين هذا العام داخل مراكز مكتظة أو في مساكن مؤقتة تفتقر إلى أبسط مظاهر الاحتفال.
وتقارير حديثة من صيدا ومناطق لبنانية أخرى تصف كيف تحوّل أكبر ما يتمناه الأطفال إلى العودة للبيت، بعد أن طغت أصوات الغارات والنزوح على أجواء رمضان ونهاية الشهر.
ورغم قسوة الظروف، برزت مبادرات محلية وإنسانية للتخفيف من معاناة النازحين، سواء عبر توفير الطعام والأغطية والاحتياجات الأساسية، أو من خلال أنشطة محدودة للأطفال داخل بعض مراكز الإيواء، لكن هذه الجهود، على أهميتها، لا تغيّر من حقيقة أن آلاف العائلات تستقبل العيد وهي محرومة من منازلها ومن أبسط مقومات الاستقرار.
كما حذّرت الأمم المتحدة مؤخرًا من التداعيات الإنسانية الواسعة للتصعيد في لبنان، وسط دعوات دولية إلى خفض التوتر ومنع انزلاق الوضع إلى حرب أوسع.
تجدد القتال في مارس
التصعيد الراهن جاء بعد انهيار فعلي لتفاهمات وقف إطلاق النار الذي كان قد أُبرم في نوفمبر 2024، ثم تجدّد القتال بصورة أوسع في مارس الجاري، مع توسيع إسرائيل ضرباتها داخل لبنان وقيام حزب الله بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل.
وتقول وكالة رويترز، إن هذا التصعيد أدى خلال أيام قليلة إلى سقوط مئات القتلى وتهجير أعداد هائلة من السكان، بينما واصلت إسرائيل عملياتها الجوية والبرية المحدودة في الجنوب.
ويأتي عيد الفطر هذا العام على كثير من اللبنانيين بوصفه عيد نزوح لا عيد فرح؛ مناسبة تذكّرهم بما فقدوه أكثر مما تمنحهم مساحة للاحتفال.
وبينما يعلّق الكبار آمالهم على توقف القصف وعودة الاستقرار، يظل حلم الأطفال أكثر بساطة ووضوحًا: أن يعودوا إلى بيوتهم في أقرب وقت ممكن.
