شهدت العاصمة اللبنانية بيروت تصعيداً عسكرياً خطيراً فجر اليوم الأربعاء، بعد سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت أحياء سكنية مكتظة، في تطور يعكس اتساع رقعة المواجهات داخل لبنان وتزايد المخاطر على المدنيين والبنية التحتية.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية، في بيان لها، أن الغارات التي استهدفت مناطق البسطة وزقاق البلاط في قلب بيروت أسفرت عن مقتل 12 شخصاً وإصابة 41 آخرين، في حين أفادت وسائل إعلام محلية بأن إحدى الضربات طالت شقة سكنية في منطقة مكتظة قريبة من مقر الحكومة.
وامتدت الهجمات لتشمل منطقة الباشورة، حيث استُهدفت أحياء مدنية دون إنذار مسبق، وسط دوي انفجارات متتالية هزت العاصمة، كما تواصلت الضربات على الضاحية الجنوبية لبيروت، ما زاد من حالة التوتر والخوف بين السكان.
وفي جنوب لبنان، أسفرت غارة استهدفت سيارة في مدينة صيدا عن مقتل شخصين، من بينهما مسعف في الدفاع المدني توفي متأثراً بجروحه، ما يسلط الضوء على المخاطر التي تطول العاملين في المجال الإنساني والإغاثي.
إنذارات بالإخلاء وفوضى ميدانية
بالتوازي مع الغارات، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات عاجلة لسكان مناطق في بيروت، داعياً إلى إخلاء مبانٍ محددة بدعوى استهداف مواقع تابعة لـ”حزب الله”، كما شملت الإنذارات مدينة صور في الجنوب، حيث طُلب من السكان إخلاء أحياء ومخيمات بشكل فوري.
وأدت هذه التحذيرات إلى حالة من الفوضى، إذ أفاد مسؤولون محليون بحدوث ازدحام مروري خانق وحالة ذعر جماعي، مع مغادرة آلاف العائلات لمنازلها بشكل عاجل.
ووفق المعطيات الميدانية، لجأ نحو 11 ألف نازح من مناطق أخرى إلى صور والمناطق المحيطة بها، رغم أنها باتت بدورها مهددة بالقصف.
استهداف متكرر للعاصمة
تأتي الضربات الأخيرة على بيروت بعد أيام من غارة سابقة استهدفت المنطقة نفسها، قال الجيش الإسرائيلي إنها طالت مؤسسة مالية مرتبطة بـ”حزب الله”.
ويعكس تكرار استهداف أحياء سكنية في قلب العاصمة تحولاً لافتاً في طبيعة العمليات العسكرية، مع انتقالها من الأطراف الحدودية إلى المناطق الحضرية المكتظة.
وفي تطور يزيد من خطورة المشهد، كشفت نتائج أولية لتحقيق داخلي أجرته بعثة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان أن موقعاً تابعاً لها في جنوب لبنان تعرض لقصف مباشر في السادس من مارس، ما أدى إلى إصابة جنود حفظ سلام من غانا.
وأفاد مصدر عسكري بأن القصف نُفذ باستخدام قذائف دبابة إسرائيلية من طراز (M339) شديدة الانفجار، مشيراً إلى أن الموقع المستهدف كانت إحداثياته معروفة لجميع الأطراف، ما يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الاستهداف.
انتهاك جسيم للقانون الدولي
وأكدت المتحدثة باسم اليونيفيل، كانديس أرديل، أن أي هجوم متعمد على قوات حفظ السلام يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني وخرقاً لقرار مجلس الأمن رقم قرار مجلس الأمن 1701.
كما أشارت البعثة إلى حوادث أخرى تعرضت فيها قواتها لإطلاق نار في ثلاث مناسبات منفصلة خلال الأيام الأخيرة، دون تسجيل إصابات.
ويضع هذا التصعيد بعثة اليونيفيل أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تنفيذ مهامها في ظل تدهور الوضع الأمني، فمع تزايد وتيرة الهجمات واتساع نطاق العمليات، باتت قوات حفظ السلام نفسها عرضة للمخاطر، في وقت يفترض أن تلعب دوراً أساسياً في مراقبة وقف إطلاق النار ومنع التصعيد.
وانخرط لبنان في دائرة التصعيد الإقليمي بعد إطلاق “حزب الله” صواريخ باتجاه إسرائيل، ما دفع الأخيرة إلى تنفيذ ضربات متكررة داخل الأراضي اللبنانية.. وتتهم إسرائيل الحزب بمحاولة إعادة التسلح، بينما تتهم الجيش اللبناني بعدم القيام بما يكفي لنزع سلاحه.
وبحسب قرار مجلس الأمن 1701، يُفترض أن تقتصر الوجودات العسكرية في جنوب لبنان على الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة، إلا أن الواقع الميداني يشهد تكرار الاشتباكات والانتهاكات.
مخاوف إنسانية متزايدة
يثير هذا التصعيد مخاوف متزايدة من تدهور الوضع الإنساني، خاصة مع استهداف مناطق سكنية مكتظة ونزوح آلاف المدنيين في وقت قصير، كما تبرز مخاطر إضافية تتعلق بسلامة الطواقم الطبية والإغاثية، إلى جانب التهديدات التي تواجه البنية التحتية الحيوية.
وفي ظل استمرار الغارات واتساع نطاق العمليات، يبدو أن لبنان يدخل مرحلة أكثر خطورة من الصراع، مع احتمالات مفتوحة لتوسع المواجهة إقليمياً، وتداعيات إنسانية قد تتجاوز قدرات الاستجابة المحلية والدولية.
