منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

النزوح الجماعي في لبنان.. معاناة المدنيين تتفاقم بين فقدان المأوى ومخاطر الحرب

20 مارس 2026

كتبت: أمل العمر

في ظل التصعيد العسكري المتواصل في لبنان، وما يرافقه من اتساع رقعة القصف والاشتباكات في عدد من المناطق، تتزايد المخاوف الحقوقية والإنسانية بشأن أوضاع المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في قلب المواجهات.

ودفعت التطورات الأمنية المتلاحقة آلاف العائلات إلى النزوح من منازلها بحثاً عن الأمان، في مشهد يعكس هشاشة أوضاع السكان المدنيين في مناطق النزاع، ويكشف عن أزمة إنسانية آخذة في الاتساع.

ومع استمرار الضربات الإسرائيلية وتزايد موجات النزوح الداخلي، تتفاقم التحديات التي يواجهها النازحون، في ظل نقص الخدمات الأساسية والضغط المتزايد على البنية التحتية والمرافق الصحية والاجتماعية.

وتبرز مخاوف متزايدة بشأن قدرة المجتمعات المستضيفة ومراكز الإيواء على تلبية الاحتياجات الأساسية للنازحين، بما في ذلك المأوى والغذاء والرعاية الصحية والحماية، الأمر الذي يضع قضية حماية المدنيين وضمان احترام حقوقهم الأساسية في صلب الاهتمام الإنساني والحقوقي في ظل النزاع الدائر.

موجات نزوح غير مسبوقة

تشير أحدث تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من 816 ألف شخص نزحوا داخل لبنان منذ تصاعد العمليات العسكرية خلال الأسابيع الأخيرة، في واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ارتفعت وتيرة النزوح داخل لبنان بشكل سريع منذ بداية التصعيد في الثاني من مارس، إذ تم تسجيل أكثر من 667 ألف نازح خلال الأيام الأولى من الأزمة قبل أن يستمر العدد بالارتفاع ليصل إلى أكثر من 816 ألف نازح مع اتساع العمليات العسكرية في عدة مناطق من البلاد.

وتوضح الأمم المتحدة أن نحو 117 ألف نازح يقيمون في أكثر من 500 مركز إيواء جماعي موزعة في مختلف المناطق اللبنانية، بينما تلجأ آلاف العائلات الأخرى إلى الإقامة لدى أقارب أو في أماكن مؤقتة نتيجة نقص أماكن الإيواء.

نزوح وأزمة إنسانية

وفي هذا السياق، يقول الباحث والمحلل السياسي اللبناني طارق أبوزينب لـ”صفر”، إن الأزمة الانسانية الحالية تعد من أخطر الأزمات التي يواجهها المدنيون في لبنان خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن موجات النزوح المتزايدة خلقت واقعاً إنسانياً شديد التعقيد.

ويضيف أن آلاف العائلات اضطرت إلى مغادرة منازلها خلال وقت قصير والانتقال إلى مناطق أكثر أماناً دون استعداد أو موارد كافية، ما أدى إلى ضغط كبير على المجتمعات المضيفة والبنية التحتية المحدودة في البلاد، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان منذ سنوات.

ويرى أنه مع تزايد أعداد النازحين، تواجه مراكز الإيواء ضغوطاً كبيرة نتيجة محدودية الموارد، إذ تشير البيانات الإنسانية إلى أن أكثر من 117 ألف نازح يقيمون حالياً في مراكز إيواء جماعية بات العديد منها يقترب من طاقته الاستيعابية القصوى، بينما يضطر العديد من النازحين الآخرين إلى البقاء في سياراتهم أو في أماكن مفتوحة لعدم توفر مأوى مناسب.

وحذرت منظمات صحية من أن النظام الصحي في لبنان يتعرض لضغط شديد، خاصة مع تضرر بعض المستشفيات وارتفاع أعداد المصابين، ما يزيد من صعوبة توفير الرعاية الطبية للنازحين والجرحى.

وفي هذا الإطار، يوضح أبوزينب أن التحديات الأساسية التي يواجهها النازحون تبدأ من مسألة المأوى، حيث تضطر العديد من العائلات إلى الإقامة في مدارس أو مراكز إيواء مؤقتة أو لدى أقارب ومعارف، الأمر الذي يؤدي إلى اكتظاظ كبير وظروف معيشية صعبة.

ويشير إلى أن تأمين الغذاء يمثل تحدياً إضافياً في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، فضلاً عن الصعوبات التي يواجهها النازحون في الحصول على الرعاية الصحية نتيجة الضغط الكبير على المستشفيات والمراكز الطبية.

شهادات نازحين

يروي عدد من النازحين تجاربهم خلال رحلة الفرار من مناطقهم مع تصاعد القصف، فيقول أحد النازحين من إحدى القرى الحدودية، فضل عدم الكشف عن اسمه: “الطريق كان مزدحماً بالسيارات والعائلات الهاربة، لم نكن نعرف إلى أين سنذهب، المهم أن نبتعد عن القصف.

وتقول سيدة تقيم حالياً في أحد مراكز الإيواء، فضلت عدم ذكر اسمها: “نعيش الآن مع عشرات العائلات في قاعة واحدة، الأطفال ينامون على الأرض والمساعدات قليلة مقارنة بعدد الناس”.

وفي ظل هذه الظروف الصعبة، تحذر منظمات حقوقية وإنسانية من أن النزوح الجماعي قد يزيد من مخاطر تعرض المدنيين لانتهاكات متعددة، خصوصاً في البيئات غير المستقرة التي تفتقر إلى الحماية الكافية.

ويحذر أبوزينب من أن النزوح يخلق بيئة هشّة قد تكون عرضة للاستغلال، مشيراً إلى أن النساء والأطفال غالباً ما يكونون الأكثر عرضة لمخاطر الاستغلال الاقتصادي أو الاجتماعي أو بعض أشكال العنف والإساءة، خاصة مع فقدان العديد من العائلات مصادر دخلها.

تحديات الاستجابة الإنسانية

حول قدرة الدولة اللبنانية على الاستجابة للأزمة، يرى أبوزينب أن الإمكانات المتاحة محدودة للغاية في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، ما يجعل الاستجابة الكاملة لاحتياجات النازحين أمراً صعباً دون دعم خارجي.

ويشير إلى أن المنظمات الإنسانية المحلية والدولية تلعب دوراً مهماً في تقديم المساعدات الغذائية والطبية ودعم مراكز الإيواء، إلا أن حجم الأزمة في كثير من الأحيان يتجاوز الإمكانات المتاحة.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 3 ملايين شخص في لبنان يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية نتيجة تداعيات النزاعات والأزمة الاقتصادية المستمرة.

ويؤكد أبوزينب أن المجتمع الدولي مطالب بتعزيز دعمه للبنان خلال هذه المرحلة، سواء من خلال المساعدات الإنسانية أو دعم برامج الاستقرار المجتمعي، محذراً من أن استمرار النزوح وتدهور الأوضاع الأمنية قد يؤديان إلى تداعيات إنسانية واجتماعية أكثر تعقيداً في الفترة المقبلة.