تشهد مدن وبلدات الضفة الغربية تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً ملحوظاً خلال الأيام الأخيرة، مع تكثيف الاقتحامات والاعتقالات وانتشار الآليات العسكرية الثقيلة في الشوارع، بالتزامن مع الحرب الدائرة في المنطقة بعد الضربات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران منذ 28 فبراير الماضي.
ولا يقتصر هذا التصعيد على البعد الأمني، بل يرتبط بمحاولة إسرائيل فرض واقع سياسي وميداني جديد في الأراضي الفلسطينية المحتلة مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بالأزمة الإقليمية المتصاعدة، بحسب ما ذكرت وكالة “الأناضول”، اليوم الخميس.
وقال مدير مركز القدس للدراسات، أحمد رفيق عوض، إن إسرائيل تستغل انشغال العالم بالحرب الإقليمية لتكثيف إجراءاتها العسكرية في الضفة الغربية، ما يمنحها مساحة أوسع لتنفيذ سياساتها دون مواجهة ضغوط دولية حقيقية.
وأضاف أن العمليات الإسرائيلية الحالية لا ترتبط فقط بتهديدات أمنية مباشرة، بل تهدف إلى ترسيخ سيطرة أوسع على الأرض وتهيئة الظروف لخطوات سياسية مستقبلية قد تشمل تعزيز السيطرة الإسرائيلية المباشرة على الضفة الغربية.
تطبيع الوجود العسكري
اعتبر عوض أن أحد الأهداف غير المعلنة لهذه العمليات يتمثل في “تطبيع الوجود العسكري الإسرائيلي داخل المدن الفلسطينية” بحيث يصبح انتشار الجنود والمدرعات مشهداً معتاداً في الحياة اليومية للسكان.
ولفت إلى أن دخول الآليات العسكرية الثقيلة مثل المدرعات وناقلات الجند المجنزرة إلى داخل المدن الفلسطينية أصبح يحدث بشكل متكرر، وهو ما يعكس توجهاً نحو فرض واقع ميداني جديد.
ومن جهته يرى المتحدث باسم حركة فتح إياد أبو زنيط أن إسرائيل تعتقد أن انشغال العالم بملفات إقليمية كبرى يمنحها فرصة لتكثيف الاعتقالات وتعزيز سيطرتها العسكرية في الضفة.
وأضاف أن العمليات العسكرية تتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين في مناطق مختلفة، ما يعكس مسارين متوازيين من الضغوط على السكان.
حملات اعتقال واسعة
أشار أبو زنيط إلى أن الجيش الإسرائيلي ينفذ حملات اعتقال واسعة بالتوازي مع اعتداءات المستوطنين على القرى والتجمعات الفلسطينية، الأمر الذي يؤدي أحياناً إلى سقوط قتلى وجرحى بين الفلسطينيين.
وأوضح أن عمليات الاقتحام المتكررة لا تستهدف أفراداً محددين في كثير من الأحيان، بل تشمل مداهمة أحياء كاملة، وهو ما يعتبره محاولة لبث الخوف بين السكان وتعقيد حياتهم اليومية.
ويعيش في الضفة الغربية نحو 3 ملايين فلسطيني مقابل أكثر من 700 ألف مستوطن إسرائيلي موزعين على مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
ومنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في 8 أكتوبر 2023، شهدت الضفة الغربية تصعيداً ملحوظاً في العمليات العسكرية الإسرائيلية واعتداءات المستوطنين.
وأسفرت هذه العمليات عن استشهاد 1125 فلسطينياً وإصابة نحو 11 ألفاً و700 شخص، إضافة إلى اعتقال نحو 22 ألف فلسطيني.
موجة اعتقالات جديدة
في السياق ذاته، قالت مسؤولة الإعلام في نادي الأسير الفلسطيني، أماني سراحنة، إن الجيش الإسرائيلي اعتقل أكثر من 230 فلسطينياً في الضفة الغربية منذ بدء الحرب على إيران.
وأضافت أن القوات الإسرائيلية أجرت أيضاً تحقيقات ميدانية مع مئات الفلسطينيين خلال تلك الفترة، بالتوازي مع اقتحامات واسعة طالت بلدات عدة.
وأشارت إلى أن محافظة جنين شهدت موجة اقتحامات واسعة، تخللها تحويل منازل فلسطينيين إلى ثكنات عسكرية مؤقتة، إلى جانب عمليات تفتيش وتنكيل بالسكان وتخريب للممتلكات.
خطوات لتعزيز الاستيطان
يأتي التصعيد العسكري بالتوازي مع خطوات إسرائيلية لتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية، ففي 8 فبراير الماضي صادقت الحكومة الإسرائيلية على قرار يسمح بالاستيلاء على أراضٍ فلسطينية في المنطقة “جيم” عبر تسجيلها كـ”أملاك دولة”، وهي خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ عام 1967.
وبموجب اتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995، قُسمت الضفة الغربية إلى مناطق “ألف” و”باء” و”جيم”، وتشكل الأخيرة نحو 61% من مساحة الضفة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة بانتظار التوصل إلى اتفاق نهائي.
وتعتبر الأمم المتحدة ومعظم المجتمع الدولي أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أراضٍ فلسطينية محتلة، كما يُعد الاستيطان الإسرائيلي فيها غير قانوني بموجب القانون الدولي.
وقد يفتح استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، بالتزامن مع التحولات الإقليمية الراهنة، الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد قد تؤثر على مستقبل أي تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
