كانت النائبة الموريتانية مريم الشيخ صمب جنك تحمل رضيعها البالغ ثلاثة أشهر حين اعتُقلت من منزلها ليلة التاسع من أبريل/نيسان 2026، عقب بث مباشر انتقدت فيه التمييز ضد ناشطي الحراطين.
وبحسب منظمة «مينا لحقوق الإنسان»، اقتادها عناصر أمن مع طفلها دون إبلاغ أسرتها بمكان احتجازها، لتبدأ رحلة قضائية انتهت بخروجها من السجن، ثم فقدان مقعدها البرلماني وحقوقها السياسية.
وفي اليوم التالي، اعتُقلت النائبة قامو عاشور سالم عقب بث انتقدت فيه توقيف زميلتها، وبعد نحو ستة أشهر، أصبحت النائبتان، المنتخبتان عن حزب «الصواب» والمرتبطتان بحركة «إيرا» المناهضة للعبودية خارج البرلمان رغم الإفراج عنهما بعفو رئاسي.
وتثير القضية تساؤلات حقوقية بشأن حدود تجريم التعبير السياسي، وضمانات الحصانة البرلمانية، ومدى تناسب العقوبات التي تحرم ممثلين منتخبين من المشاركة السياسية.

من الاعتقال إلى فقدان العضوية
في الرابع من مايو/أيار، قضت محكمة في نواكشوط بسجن النائبتين أربع سنوات، على خلفية اتهامات شملت المساس بالرموز الوطنية ونشر عبارات اعتبرتها النيابة عنصرية ومحرضة على العنف.
وفي الثامن من يوليو/تموز، خففت محكمة الاستئناف العقوبة إلى أربع سنوات، منها سنتان موقوفتا التنفيذ، مع الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية لخمس سنوات.
وأعقب الحكم عفو رئاسي أتاح الإفراج عنهما في العاشر من يوليو، دون إسقاط عقوبة الحرمان السياسي.
ورفض المجلس الدستوري في منتصف يوليو تأكيد فقدان العضوية لعدم نهائية الحكم، لكنه أقر ذلك في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، عقب تثبيت المحكمة العليا حكم الاستئناف في 29 سبتمبر/أيلول، وهكذا امتد أثر القضية من حرية النائبتين الشخصية إلى حقهما في التمثيل السياسي، وحق الناخبين في استمرار تمثيل من اختاروهم.
رضيع في الاحتجاز
تقول منظمة «مينا لحقوق الإنسان» إن مريم الشيخ اقتيدت مع طفلها إلى مكان لم يُكشف عنه لأسرتها ومحاميها خلال الأيام الأولى، ما دفع إلى تقديم بلاغ للجنة الأمم المتحدة المعنية بالاختفاء القسري، التي طلبت من السلطات توضيح مكان احتجازهما.
وتحدث زعيم حركة «إيرا» بيرام الداداه اعبيدي عن احتجاز النائبة في مكان غير رسمي، وهي رواية لم يثبتها حكم قضائي منشور ضمن المصادر المتاحة.
وبقي الرضيع مع والدته خلال احتجازها حتى الإفراج عنها، فيما أثارت ظروف الاعتقال مخاوف بشأن المصلحة الفضلى للطفل والبدائل غير الاحتجازية للأمهات المرضعات، وفق اتفاقية حقوق الطفل وقواعد بانكوك الأممية.
أما قامو عاشور، فخاضت إضراباً عن الطعام في مايو/أيار ونُقلت إلى المستشفى، بحسب تقارير حقوقية وإعلامية.

السلطات: تطبيق للقانون لا استهداف للمعارضة
تستند السلطات إلى أن البث المباشر شكل، وفق تفسير وزارة العدل، حالة تلبس تتيح الملاحقة دون إجراءات رفع الحصانة البرلمانية، وأن فقدان العضوية ترتب على حكم قضائي نهائي.
وأوضح المجلس الدستوري أن اختصاصه يقتصر على التحقق من تحقق سبب عدم الأهلية الانتخابية، وليس مراجعة الحكم الجنائي.
وأشاد حزب «الإنصاف» الحاكم بالعفو الرئاسي، مع إدانته ما وصفه بخطاب الكراهية والإساءة.
ويدافع الكاتب الصحفي الموريتاني عبد الله أمباتي، في تصريح خاص لـ«صفر»، عن القرار باعتباره تطبيقا لقانون حماية الرموز الوطنية، لا استهدافا للنساء أو المعارضة، لكنه يربط نفي الانتقائية بإثبات تطبيق القانون على الموالين والمعارضين بالتساوي.
ويتفهم الباحث والناشط الحقوقي بوبكر سيلا القرار من منطلق أن الحصانة لا تبيح مخالفة القانون، مشدداً في حديثه لـ«صفر» على ضرورة احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع والمساواة أمام القضاء، دون تمييز سياسي أو على أساس الجنس.
اعتراضات حقوقية على المحاكمة والعقوبة
في المقابل، ترفض هيئة الدفاع، التي تضم محمد ولد أحمد مسكة ويعقوب ولد السيف والمختار ولد اعلي، اعتبار البث المباشر حالة تلبس تسقط الحصانة، وترى في الملاحقة تصفية حسابات سياسية.
ووثقت «مينا لحقوق الإنسان» اعتراضات على إجراءات المحاكمة، بينها ضيق الوقت المتاح للدفاع، ورفعت القضية إلى آليات أممية والاتحاد البرلماني الدولي.
ودعت المقررة الأممية غينا روميرو إلى الإفراج عن النائبتين، فيما أثارت المقررة أندريا بولانيوس مخاوف بشأن الحرمان من الحقوق السياسية. كما طلب خبراء أمميون توضيحات بشأن ظروف الاحتجاز وضمانات الدفاع، دون أن تشكل مراسلاتهم حكما نهائيا بثبوت الانتهاكات.
واعتبرت «لجنة العدالة» أن إسقاط العضوية يثير مخاوف من توظيف القضاء ضد المعارضة، وطالبت برد الحقوق السياسية.
وأبدى المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان قلقه بشأن الحصانة البرلمانية، بينما انتقدت مؤسسة إعلام غرب إفريقيا ومرصد «سيفيكوس» القيود المفروضة على ناشطي «إيرا».
وأدانت منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة تفريق وقفة تضامنية في يوليو/تموز، أصيب خلالها بيرام الداداه اعبيدي وزوجته، مطالبة بتحقيق مستقل.

قانون الرموز الوطنية وحرية التعبير
يستند جانب من الملاحقات إلى القانون رقم 2021-021 بشأن حماية الرموز الوطنية وتجريم المساس بهيبة الدولة وشرف المواطن.
وترى منظمة «المادة 19» وائتلافات حقوقية، بينها «أكسس ناو»، أن صياغات القانون الواسعة قد تتيح تقييد الانتقاد السياسي. كما حذرت «مراسلون بلا حدود» من أثر إساءة استخدامه على حرية الصحافة.
وتنص المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حماية حرية التعبير، مع إجازة قيود محددة وضرورية ومتناسبة. وتكفل المادة 25 الحق في المشاركة السياسية دون قيود غير معقولة.
وتشير تقارير حقوقية إلى ملاحقات سابقة لناشطين، بينهم عبد الله با وسيدي محمد ولد بدكي، في سياق تطبيق قانون الرموز الوطنية، بينما وثقت منظمة العفو الدولية في تقارير سابقة اعتقالات ومضايقات طالت مدافعين عن حقوق الإنسان وناشطين مناهضين للعبودية.
ويبرز هنا خلاف جوهري إذ ترى السلطات ومؤيدو الإجراءات أن الحصانة لا تعفي من المسؤولية الجنائية، بينما تعتبر هيئات الدفاع والمنظمات الحقوقية أن مشروعية العقوبة تتوقف أيضا على ضرورة القيود وتناسبها وضمانات المحاكمة.
تمثيل سياسي وحقوق مهددة
تكتسب القضية بعداً إضافياً لكون النائبتين من النساء المنخرطات في الدفاع عن حقوق الحراطين ومناهضة التمييز.
وقد وصلت مريم الشيخ إلى البرلمان عبر اللائحة الوطنية للنساء، في بلد شغلت فيه النساء 41 مقعداً من أصل 176 عقب انتخابات 2023.
ولا تثبت الوقائع المنشورة أن الملاحقة حدثت بسبب جنس النائبتين، لكن احتجاز أم مرضع وحرمان منتخبتين من ممارسة مهامهما يثيران أسئلة مستقلة بشأن حقوق الطفل والمساواة والمشاركة السياسية.
وتبقى إحدى نقاط المساءلة غياب بيانات علنية كافية تتيح مقارنة الملاحقات بموجب قانون الرموز الوطنية بحسب الانتماء السياسي، والتحقق من تطبيقه بالمعيار نفسه على الجميع.
أما مريم الشيخ، فقد خرجت من السجن مع رضيعها، لكنها لم تعد إلى مقعدها البرلماني. وقامو عاشور، التي احتجت على اعتقال زميلتها، فقدت مقعدها أيضا.
وبعد أن انتهى المسار القضائي المحلي بفقدان العضوية، تنتقل المساءلة إلى ضمانات الحماية التي ينبغي أن ترافق أي ملاحقة مماثلة، وتشمل مراجعة مدى تناسب الحرمان السياسي، والتحقيق في ظروف الاحتجاز، وإتاحة بيانات تكشف إن كان القانون يطبق بالتساوي؛ فحماية هيبة المؤسسات لا تنفصل عن حماية حقوق من ينتقدونها، ولا عن حق الناخبين في تمثيل سياسي لا تقيده إلا أسباب قانونية ضرورية ومتناسبة.
