منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعاقات لا تراها العيون.. حين يصبح إثبات الألم شرطاً لنَيل الحقوق

05 نوفمبر 2026
إعاقات لا تراها العيون.. حين يصبح إثبات الألم شرطا لنيل الحقوق
إعاقات لا تراها العيون.. حين يصبح إثبات الألم شرطا لنيل الحقوق

في عربة مترو مزدحمة بالقاهرة، طلبت وئام، الشابة التي تقترب من الثلاثين، من إحدى الراكبات أن تسمح لها بالجلوس قليلا؛ جاءها الرد قاسيا: “إنتِ صغيرة وصحتك كويسة.. اقفي زي باقي الناس”. لم تكن الراكبة تعرف أن وئام تعيش مع مرض مناعي مزمن يسبب لها آلاماً حادة وإرهاقاً يجعل الوقوف الطويل مهمة شاقة.

تتكرر المواجهة في عملها، حيث يُقابل طلبها استراحة قصيرة أو مرونة في ساعات الدوام بالتشكيك في حاجتها، وبين المترو ومقر العمل، تجد نفسها مضطرة إلى إثبات ألم لا يراه الآخرون، قبل أن تتمكن من المطالبة بأبسط الترتيبات التي تساعدها على مواصلة حياتها.

تختصر تجربة وئام جانبا من معاناة الأشخاص ذوي الإعاقات غير المرئية، وهي حالات صحية أو عصبية أو نفسية أو حسية قد تفرض قيودا طويلة الأمد على المشاركة في الحياة اليومية دون علامات ظاهرة. وتشمل بعض أمراض المناعة الذاتية والتصلب المتعدد والاضطرابات العصبية والنفسية وضعف السمع، مع التأكيد أن المرض المزمن أو الاختلاف العصبي لا يُعد تلقائيا إعاقة، وإنما تتحدد آثاره بحسب القيود التي يفرضها وتفاعلها مع الحواجز المحيطة.

1-الإعاقة ليست دائما ظاهرة

إعاقات تغيب عن الإحصاءات

تقدر منظمة الصحة العالمية عدد الأشخاص ذوي الإعاقة الكبيرة بنحو 1.3 مليار شخص عالميا، دون أن يمثل هذا الرقم حصرا للإعاقات غير المرئية. وفي ألمانيا، أظهرت بيانات المكتب الاتحادي للإحصاء لعام 2025 وجود نحو 7.8 مليون شخص ذوي إعاقة شديدة، تعود أكثر من 91% من حالاتهم إلى أمراض.

وفي المنطقة العربية، كشف تقرير الإسكوا «الإعاقة في المنطقة العربية 2023» عن تفاوت نسب الانتشار المسجلة بين 1.5% في عُمان و5.1% في المغرب، محذرا من قصور جمع البيانات. وتظهر المشكلة في مصر بوضوح؛ إذ سجل مسح القوى العاملة عام 2016 نسبة 1.9%، بينما رصد تعداد 2017 صعوبات وظيفية لدى 10.64% ممن تبلغ أعمارهم خمس سنوات فأكثر، باختلاف نطاق القياس ومنهجيته.

أما في العراق، فأعلنت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في ديسمبر/كانون الأول 2025 وجود نحو أربعة ملايين شخص من ذوي الإعاقة وإطلاق مبادرة لتمكينهم خلال الفترة 2026–2029. وفي قطر، أثارت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، خلال مراجعتها عام 2026، نقص البيانات والترتيبات التيسيرية، فيما نبهت عضوة اللجنة رحاب بورسلي إلى الصور النمطية المرتبطة بالإعاقات النفسية والعقلية.

وتبرز أهمية هذه البيانات في تحديد من تشملهم الحماية، ومن قد يبقون خارج الخدمات لأن إعاقاتهم لا تظهر في التصنيفات أو إجراءات التقييم.

اعتراف قانوني لا يضمن الوصول إلى الخدمات

في مصر، أعلنت وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي، في أكتوبر/تشرين الأول 2026، إصدار 1.6 مليون بطاقة خدمات متكاملة، واستفادة نحو 1.23 مليون شخص من خدمات تأهيلية وعلاجية عبر 596 جهة، وتوفير 56 ألفاً و946 أداة مساعدة وطرفاً صناعياً.

كما أعلنت الوزارة في سبتمبر/أيلول تسجيل 139 ألفاً و348 معاملة منذ بداية العام، بينها 1936 تظلما.

تعكس هذه الأرقام جهوداً رسمية، لكنها تترك سؤالاً بشأن الأشخاص الذين تتقلب أعراضهم أو يصعب إثبات احتياجاتهم بالفحص الطبي التقليدي.
فقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 يربط بطاقة إثبات الإعاقة بتشخيص طبي معتمد، ويستخدم وصف القصور «المستقر» في تعريف الإعاقة. ويثير ذلك تساؤلات بشأن تقييم بعض حالات الألم المزمن وأمراض المناعة الذاتية والاضطرابات النفسية المتقلبة، ومدى قدرة الإجراءات على رصد أثرها الفعلي في حياة أصحابها.

ويشكل الدستور المصري وقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وقانون المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة رقم 11 لسنة 2019 أساسا للحماية.

وينص القانون على تخصيص نسبة لا تقل عن 5% من الوظائف للأشخاص ذوي الإعاقة لدى الجهات وأصحاب العمل المشمولين بأحكامه.
وفي مارس/آذار 2026، أعلن المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة إنشاء وحدة للدعم النفسي تراعي سرية بيانات المستفيدين. واعتبرت المشرف العام على المجلس، إيمان كريم، الدعم النفسي ركيزة للدمج المجتمعي.

2-فرص أقل وأجور أدنى

العمل والتعليم.. حين يتحول الاحتياج إلى تهمة

وجدت منظمة العمل الدولية في دراسة عام 2024 أن العاملين ذوي الإعاقة يتقاضون أجوراً تقل في المتوسط بنسبة 12% عن أجور غيرهم، فيما ينشط ثلاثة من كل عشرة أشخاص ذوي إعاقة في سوق العمل.

وفي مسح أمريكي أجرته مؤسسة Understood.org بالتعاون مع The Harris Poll عام 2026، قال سبعة من كل عشرة عاملين من ذوي التنوع العصبي إنهم يخشون أن يضر الإفصاح عن حالتهم بفرصهم المهنية. ورأى 79% أن طلب الترتيبات التيسيرية يرتبط بوصمة.

وأشار ناثان فريدمان، الرئيس المشارك للمؤسسة، إلى استمرار هذه الوصمة رغم تنامي الوعي.

وتتخذ المشكلة شكلاً مؤسسياً حين يُفسر الإرهاق على أنه كسل، أو تُعد المرونة في ساعات العمل امتيازا، أو يُعامل الطالب الذي يحتاج وقتاً إضافياً في الامتحان باعتباره طالب معاملة استثنائية.

وتكشف شهادة الناشطة الكينية بيربيتشوال كاريوكي، المنشورة عبر شبكة Bond البريطانية في يناير/كانون الثاني 2026، كيف يبدأ الإقصاء من إجراء بسيط.

فقد روت أن موظفاً حكومياً وضع علامة «لا» في خانة الإعاقة نيابة عنها، دون سؤالها، رغم أنها تعيش مع إعاقات خفية. وتقول إن التشكيك المتكرر دفعها أحياناً إلى التشكيك في نفسها.

النساء أمام أعباء مضاعفة

تواجه النساء ذوات الإعاقات غير المرئية تحديات إضافية، منها التقليل من جدية الشكاوى الصحية وتأخر التشخيص، إلى جانب التمييز في العمل.
وأظهرت دراسة فرنسية نشرتها مجلة Journal of Women’s Health مطلع 2026، وشملت نحو 6950 امرأة، أن متوسط تأخر تشخيص بطانة الرحم المهاجرة بلغ عشر سنوات، و11 عاماً لداء العضال الغدي. ولا تعني الإصابة بهذين المرضين تلقائيا وجود إعاقة، لكنها تكشف صعوبة الاعتراف ببعض الحالات الصحية وآثارها.

وفي مسح Understood.org، أفادت 22% من النساء ذوات التنوع العصبي اللواتي طلبن ترتيبات تيسيرية برفض طلباتهن، مقابل 7% من النساء الأخريات المشمولات بالمقارنة. ويحذر تقرير الإسكوا من حرمان مزدوج تواجهه النساء ذوات الإعاقة في فرص العمل والمشاركة الاقتصادية.

3-أربعة حقوق لأصحاب الإعاقات غير المرئية

حقوق لا ينبغي أن تتوقف على المظهر

تقول الحقوقية والمحامية انتصار السعيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، لـ«صفر»، إن التشكيك المستمر يجبر أصحاب الإعاقات غير المرئية على إثبات استحقاقهم للمساعدة، وقد يحرمهم من فرص متكافئة في التعليم والعمل والخدمات.

وتدعو إلى تدريب العاملين في المؤسسات التعليمية والخدمية وأماكن العمل، وتوفير مرونة في الدوام والامتحانات وفترات الراحة، مع حماية الخصوصية وعدم إجبار الأشخاص على كشف تفاصيلهم الطبية أمام الآخرين. وتؤكد ضرورة وجود إجراءات تقييم منصفة وآليات فعالة للشكاوى والمساءلة.

من جانبه، يرى المحامي والخبير الحقوقي المغربي عبد المجيد مراري، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة «إفدي» الدولية لحقوق الإنسان، أن عدداً من الدول العربية لا يزال متأخراً في التعامل مع الإعاقات النفسية والعصبية واضطرابات التعلم.

ويحذر مراري، في تصريح لـ«صفر»، من التنمر والإقصاء اللذين قد يدفعان الأطفال والمراهقين إلى العزلة، ويطالب بتطوير التشريعات وتكييف المناهج والامتحانات وتوفير الدعم النفسي وآليات مواجهة التمييز، مستشهداً بتجارب أوروبية في الدمج التعليمي والمهني.

وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما المادتان الخامسة والسادسة، على حظر التمييز وتوفير الترتيبات التيسيرية المعقولة والاعتراف بأشكال التمييز المتعددة التي تواجه النساء والفتيات ذوات الإعاقة.

وتقدم بعض المبادرات نماذج عملية؛ ففي فبراير/شباط 2026 انضم مطار حمد الدولي في قطر إلى برنامج «دوار الشمس للإعاقات غير المرئية»، الذي يتيح شارة طوعية لمن يحتاجون دعما إضافيا دون شرح حالتهم أمام الجميع. وفي سبتمبر/أيلول اعتمد متحفا الشندغة والاتحاد في دبي البرنامج، في خطوة قالت مسؤولة هيئة الثقافة والفنون هناء محمد أيوب إنها تعزز الوصول والشمولية.

وعلى المستوى الدولي، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمج حقيقي للأشخاص ذوي الإعاقة، فيما حذر تقرير أممي من ارتفاع مخاطر البطالة والفقر بينهم. وشهدت القمة العالمية للإعاقة في برلين عام 2025، بتنظيم مشترك مع الأردن والتحالف الدولي للإعاقة، تقديم أكثر من 800 التزام، ضمنها «إعلان عمّان–برلين».

وشدد رئيس التحالف نواف كبارة على ضرورة إشراك منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة في القرارات المتعلقة بهم.
كما تناولت المقررة الأممية هبة هجرس، في تقرير عام 2026، حق الأشخاص ذوي الإعاقة في المشاركة السياسية وتولي المناصب العامة، بما يؤكد أن الدمج يتجاوز الخدمات إلى المشاركة في صنع القرار.

وبين شهادة وئام في المترو وخانة الإعاقة التي ملأها موظف دون سؤال صاحبتها، تبرز مسؤولية المؤسسات عن تغيير قواعد الاعتراف بالاحتياجات، لا الاكتفاء بتغيير نظرة المجتمع، فالمطلوب أن تتيح أنظمة التقييم الاعتراف بالحالات المتقلبة، وأن تعتمد أدوات إحصائية أكثر شمولا، بينها أسئلة «مجموعة واشنطن»، وأن توفر المؤسسات ترتيبات تيسيرية دون انتهاك الخصوصية، مع مسارات واضحة للتظلم والمساءلة.

ويبقى الاختبار الحقوقي الحقيقي في قدرة شخص لا تظهر إعاقته على الحصول على مقعد أو فرصة عمل أو خدمة عامة دون أن يضطر في كل مرة إلى كشف تاريخه الطبي أو الدفاع عن صدق ألمه.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان