منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

اليمن.. الفقر يدفع فتيات إلى زيجات عابرة للحدود ويهدد حقهن في الاختيار

28 أكتوبر 2026
اليمن.. الفقر يدفع فتيات إلى زيجات عابرة للحدود ويهدد حقهن في الاختيار
اليمن.. الفقر يدفع فتيات إلى زيجات عابرة للحدود ويهدد حقهن في الاختيار

“عاملني كأني سلعة لا زوجة”. بهذه الكلمات تختصر نهى، الشابة اليمنية البالغة 22 عاماً، تجربة زواج انتهت بعد شهر واحد، لكنها تركت لديها شعوراً بالاستغلال. وافقت على الزواج من رجل يحمل الجنسية الأمريكية ويكبرها بأكثر من عشرين عاماً، بعدما قدم حوافز مالية لوالدها، وعُقد قرانهما في مصر، قبل أن تكتشف، بحسب روايتها، أنه اعتاد الزواج بفتيات أصغر سناً.

عادت نهى إلى اليمن مطلقة، في حين بقيت تجربتها شاهداً على المخاطر التي تواجه نساءً يدفعهن الفقر وضغوط الأسرة إلى زيجات قد تغيب عنها شروط الاختيار الحر والمستنير.

وفي بلد أنهكته الحرب وتدهورت فيه الأوضاع المعيشية، تحولت الزيجات من أجانب لدى بعض الأسر إلى فرصة للخروج من الفقر، في حين تثير الوساطة المالية وضعف الضمانات القانونية مخاوف بشأن الحق في اختيار الزوج والحماية من الاستغلال.

وساطة تتجاوز الحدود

لم تعد ترتيبات الزواج تقتصر على المعارف العائلية؛ إذ تشير شهادات صحفية إلى استخدام حسابات إلكترونية وتطبيقات لعرض صور فتيات يمنيات وبياناتهن على رجال في الخارج، في حين تتولى وسيطات تنظيم الاتصالات والتفاوض على المهور مقابل عمولات.

وتتحدث هذه الشهادات عن مهور تبلغ ملايين الريالات اليمنية، وعمولات قد تصل إلى ألف ريال سعودي. وتصف سلوى بريك، مديرة المرأة والطفل في وزارة العدل، بعض هذه الممارسات بأنها “متاجرة بالبنات واستغلال لظروفهن المعيشية”.

ومع تزايد الزيجات المرتبطة بسلطنة عُمان، برزت شهادات لنساء انتقلن إلى حياة زوجية دون معرفة كافية بظروف أزواجهن أو الضمانات المتاحة لهن.

نساء بين الخداع وفقدان الأمان

من محافظة المهرة، تزوجت مريم رجلاً عُمانياً بعد وساطة أقنعت أسرتها بالموافقة مقابل مهر، لكن خلافات وإساءات، بحسب روايتها، دفعتها إلى الهرب واللجوء إلى السفارة اليمنية.

أما أماني فتزوجت وهي في السادسة عشرة من رجل عُماني مسن ومريض، وقضت سنوات في رعايته حتى وفاته، في حالة تثير مسألة حماية الأطفال من الزواج المبكر.

وفي شهادة أخرى، اكتشفت فتاة أن زوجها يبلغ الثمانين من عمره، خلافاً للمعلومات التي قُدمت إليها قبل الزواج.

وتروي خلود السعيدي تجربة بدأت بزواج من عُماني عام 2021 بعقد لم يستوفِ الإجراءات المطلوبة، وانتهت، بحسب شهادتها، إلى انفصالها عن رضيعها وفقدان جواز سفرها، وسط إساءات دفعتها إلى اللجوء للسفارة والمحاكم العُمانية.

وتكشف هذه الحالات مخاطر مختلفة، من التضليل بشأن الزوج إلى صعوبة الوصول إلى الحماية والعدالة خارج الوطن، دون أن يعني ذلك أن الزواج من أجنبي يمثل بحد ذاته استغلالاً أو انتهاكاً.

ارتفاع الموافقات الرسمية

بحسب بيانات وزارة العدل في عدن، ارتفع عدد الموافقات على زواج يمنيات من أجانب من 109 حالات عام 2019 إلى 332 عام 2023، ثم بلغ 583 موافقة خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2024، بينها 459 موافقة لرجال عُمانيين.

ولا تعكس هذه الأرقام بالضرورة جميع الزيجات، خصوصاً غير المسجلة، كما لا تثبت أن الزيادة في الموافقات تعني ارتفاع حالات الاستغلال.

وتأتي هذه التطورات في سياق اجتماعي هش؛ إذ تشير بيانات أممية أوردها التقرير إلى زواج نحو ثلث الفتيات اليمنيات قبل الثامنة عشرة، في حين يحتاج أكثر من 22 مليون شخص إلى المساعدة والحماية الإنسانية.

قوانين للحماية وثغرات في التطبيق

ينظم قرار وزارة الداخلية اليمنية رقم 263 لسنة 2005 زواج اليمنية من أجنبي، ويتضمن اشتراط الموافقة الرسمية ومتطلبات صحية وأمنية وضوابط تتعلق بفارق العمر. كما صدر عن وزارة العدل في عدن القرار رقم 187 لسنة 2025 بشأن التحقق من الأهلية والعمر والقدرة المالية والسجل الجنائي.

لكن وجود هذه الضوابط لا يكفي إذا جرى تجاوزها أو تعذر على النساء المطالبة بحقوقهن، خصوصاً في الحالات المرتبطة بعقود غير مستوفية للشروط أو مصادرة الوثائق أو الانفصال عن الأطفال.

الاستغلال والاتجار بالبشر

يوضح المحامي حازم القصوري، المختص في القانون الدولي، في تصريح لـ«صفر»، أن الزواج من أجنبي لا يشكل بذاته جريمة اتجار بالبشر، لكنه قد يندرج ضمنها إذا اقترن بالخداع أو الإكراه أو استغلال حالة الضعف بقصد الاستغلال.

ويشير إلى بروتوكول باليرمو لعام 2000 الذي يحدد عناصر الاتجار بالبشر، مؤكداً أن موافقة الضحية لا تنفي الجريمة عند ثبوت استخدام الوسائل المحظورة، في حين لا يُشترط إثبات تلك الوسائل في حالات الاتجار بالأطفال.

ويؤكد أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» تكفل حرية اختيار الزوج والموافقة الكاملة على الزواج، وتتناول حماية الأطفال من الزواج المبكر.

وتبقى مسؤولية إثبات عناصر الاتجار مرتبطة بوقائع كل حالة، فلا يكفي الفقر أو تفاوت العمر وحدهما لإثبات الجريمة.

آثار تتجاوز العلاقة الزوجية

ترى الخبيرة الاجتماعية والأكاديمية الدكتورة إيمان الشمايلة، في تصريح لـ«صفر»، أن تحويل الزواج إلى وسيلة لتخفيف الأعباء الاقتصادية قد يضع الفتاة أمام قرار تضعف فيه حرية الاختيار، ويجعلها عرضة لعلاقة غير متكافئة.

وتوضح أن التعرض للخداع والإساءة والعزلة عن الأسرة قد يخلّف آثاراً نفسية، بينها الخوف وفقدان الثقة بالنفس والشعور بعدم الأمان، محذرة من امتداد الضرر إلى الأطفال، خصوصاً عند الانفصال أو حرمان الأم من التواصل معهم، ما يؤثر في استقرارهم العاطفي والأسري.

وتدعو الشمايلة إلى توفير الدعم النفسي والاجتماعي وآليات الحماية للنساء والأطفال، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة نتائج الزواج بعد وقوع الضرر.

حماية لا تنتهي عند عقد الزواج

تكشف شهادات النساء أن الحق في الزواج بحرية لا ينفصل عن الحق في المعلومات والحماية القانونية والوصول إلى العدالة، خصوصاً عندما تنتقل المرأة إلى دولة أخرى وتصبح بعيدة عن أسرتها ومصادر الدعم.

وتتطلب مواجهة الاستغلال التحقق من الرضا الحر والأهلية القانونية، ومراقبة نشاط الوسطاء، وتوفير قنوات آمنة للشكاوى والمساعدة القنصلية، مع ضمان حماية الأطفال من الزواج المبكر.

لكن القضية الأبعد تتعلق بمسؤولية السلطات عن المرأة بعد مغادرتها بلدها، فمن يحمي وثائقها؟ ومن يضمن وصولها إلى القضاء أو التواصل مع أطفالها إذا تعرضت للإساءة؟ فالحماية الحقيقية لا تبدأ بمنع الزواج غير القانوني وحده، بل بضمان ألا تتحول الحدود والفاقة وغياب السند إلى أسباب تحرم المرأة من حريتها وكرامتها وحقها في الإنصاف.