بعد أن حسمت السورية سامية السيد أمرها باتجاه الزواج عام 1998، واجهت اعتراضاً من أسرتها بسبب إعاقتها، كان عليها أن تدافع عن اختيار شخصي، رغم أنها شقت طريقها في التعليم والعمل، ووصلت إلى موقع إداري في أحد المستشفيات الجامعية بدمشق.
أصيبت سامية بشلل الأطفال في عمر 18 شهراً وخضعت لعمليات جراحية عدة، لكنها واصلت تعليمها حتى درست الهندسة، وعملت مهندسة حاسوب، ثم تولت إدارة تقنية المعلومات في المستشفى الوطني الجامعي بدمشق، المعروف سابقاً باسم مستشفى الأسد. تمسكت بقرار الزواج رغم اعتراض أسرتها، قبل أن تنتهي التجربة بعد أربعة أشهر، دون أن تتضح من المعلومات المتاحة أسباب انتهائها.
تضع قصتها اليد على مسألة تتجاوز الموقف الاجتماعي من الإعاقة: متى تتحول مساندة الأسرة إلى سلطة على حياة الشخص، ويصبح اختياره لشريك حياته قراراً يتخذه الآخرون بالنيابة عنه؟

حين تتجاوز الوصاية حدود الرعاية
تقول نعمت الحلبي، العضو المؤسس في الحراك السوري للإعاقة، في حديثها لـ«صفر»، إن تدخل الأهل في قرارات زواج الأشخاص ذوي الإعاقة يحدث كثيراً، ويكون أكثر وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالنساء ذوات الإعاقة.
وتأتي هذه الممارسات في بلد زادت فيه سنوات الحرب من صعوبة الوصول إلى الخدمات، وتشير تقديرات أممية مستندة إلى مسوح برنامج تقييم الاحتياجات الإنسانية (HNAP) إلى أن نحو ربع سكان سوريا يعيشون مع إعاقة، وفي عام 2024، شكل الأشخاص ذوو الإعاقة 17% من المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية، أي نحو 2.8 مليون شخص من أصل 16.7 مليون، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا». وقدرت خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026 نسبتهم بنحو 28% من المحتاجين.
وفي عام 2022، أفادت 69% من الأسر التي تضم أشخاصا ذوي إعاقة بأنها تفتقر إلى وصول فعلي وذي معنى إلى الخدمات الصحية، وارتفعت النسبة إلى 87% في شمال شرق سوريا، فيما تجاوز إنفاق هذه الأسر على الرعاية الصحية إنفاق الأسر الأخرى بنحو 50%.
توضح هذه المؤشرات حجم الحاجة إلى الدعم، لكنها لا تقيس التدخل الأسري في قرارات الزواج. وفي ظل ضعف الخدمات وارتفاع تكاليف الرعاية، قد تصبح الأسرة السند الأساسي للشخص ذي الإعاقة، دون أن يمنحها ذلك حق اتخاذ قراراته الشخصية.

الأهلية القانونية بين التشريع والاتفاقية الدولية
تنص المادة 15 من قانون الأحوال الشخصية السوري، المرسوم التشريعي رقم 59 لعام 1953 وتعديلاته، على اشتراط العقل والبلوغ لأهلية الزواج، وتجيز للقاضي، وفق المصطلحات الواردة في القانون، الإذن بزواج من يصفهم النص بـ«المجنون أو المعتوه» إذا أثبت تقرير صادر عن هيئة من أطباء الأمراض العقلية أن الزواج يفيد في شفائه.
وتنص المادة 200 من القانون نفسه على الحجر على الأشخاص الذين يستخدم النص في وصفهم المصطلحين المذكورين، وإقامة قيّم يتولى شؤونهم.
تثير هذه الأحكام إشكالية تتعلق بمدى احترام الإرادة الشخصية، خصوصا عندما يصبح التقييم الطبي أو افتراض الحاجة إلى الحماية مدخلا لاتخاذ القرار بالنيابة عن الشخص.
وصادقت سوريا عام 2009 على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. وتؤكد المادة 12 منها تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة بالأهلية القانونية على قدم المساواة مع الآخرين، وحقهم في الحصول على الدعم اللازم لممارستها، فيما تكفل المادة 23 حقهم في الزواج وتكوين الأسرة على أساس الرضا الحر والكامل للزوجين.
ويوضح التعليق العام رقم 1 الصادر عن لجنة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2014 أهمية الانتقال من اتخاذ القرار بالنيابة عن الشخص إلى مساعدته على اتخاذ قراره بنفسه، مع احترام إرادته وتفضيلاته.
وعلى المستوى المحلي، صدر القانون رقم 19 الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في تموز/يوليو 2024، لتحديث الإطار التشريعي السابق المتمثل بالقانون رقم 34 لعام 2004. غير أن مراجعات حقوقية أشارت إلى عدم معالجته مسائل الأهلية القانونية والزواج والحياة الأسرية، وإلى تأخر صدور تعليماته التنفيذية.
ومع إعلان الحكومة الانتقالية مراجعة تشريعات المرحلة السابقة، وتعهد وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات في حزيران/يونيو 2026 بحماية الأطفال ذوي الإعاقة خلال اجتماع أممي في نيويورك، يظل إصلاح الأحكام المرتبطة بالأهلية والزواج ملفاً يحتاج إلى معالجة تشريعية مستقلة.
الحراك السوري: الدعم يبدأ من احترام الاختيار
ترى نعمت الحلبي أن حماية حق الأشخاص ذوي الإعاقة في الزواج تتطلب تغييرات قانونية واجتماعية وعملية، تتيح لهم فهم الخيارات والتعبير عن إرادتهم دون أن يتولى آخرون اتخاذ القرار عنهم.
وتشمل الضمانات التي يدعو إليها الحراك السوري للإعاقة توفير الوثائق والعقود الرسمية بصيغ ميسرة، منها لغة الإشارة وطريقة برايل والقراءة السهلة، إلى جانب آليات محايدة للتحقق من أن الموافقة على الزواج صادرة عن الشخص نفسه، بعيدا عن الإكراه أو الاستغلال.
كما يشدد الحراك على حق الشخص ذي الإعاقة في اختيار شبكة الدعم التي يثق بها، بدلا من فرض وصي واحد عليه، وتوفير برامج تشرح حقوق الزوجين ومسؤولياتهما، وتساعده على التعبير عن القبول أو الرفض.
ويمتد ذلك إلى إتاحة خدمات الصحة الإنجابية والتواصل الطبي الدامج والاستشارات المناسبة، حتى يتمكن المقبلون على الزواج من اتخاذ قراراتهم على أساس المعرفة، دون ضغوط مرتبطة بالإعاقة.

حماية من الاستغلال لا مصادرة للإرادة
توضح القانونية وعد خير، في حديثها لـ«صفر»، أن التمييز بين الحماية المشروعة والوصاية المطلقة هو جوهر القضية. فالتدخل، بحسب رأيها، ينبغي أن يرتبط بخطر حقيقي من الاستغلال أو الخداع أو الإكراه، لا بمجرد وجود إعاقة.
وترى خير أن الإعاقة الجسدية أو الحسية لا يجوز أن تكون سبباً لتقييد الحق في الزواج، كما لا يصح التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية أو النفسية باعتبارهم حالة واحدة، نظراً لاختلاف احتياجاتهم في الفهم والتواصل.
وقد يكون الدعم المطلوب مترجم لغة إشارة، أو معلومات مبسطة، أو وسيلة تواصل بديلة، أو مشورة قانونية مستقلة تشرح آثار الزواج وحقوق الزوجين والتزاماتهما. وتؤكد خير أهمية تقديم المعلومات بالصورة التي يستطيع الشخص فهمها، مع إبقاء إرادته وتفضيلاته أساسا للقرار.
ولا ينتقص ذلك من دور الأسرة، خصوصاً حين تكون مصدر الرعاية الأساسي في ظل محدودية الخدمات. لكن الحاجة إلى مساعدتها لا تمنحها تلقائيا حق اختيار شريك الحياة أو منع الزواج بسبب الإعاقة.
ويؤكد الحراك السوري للإعاقة ضرورة مشاركة الأشخاص المعنيين في صياغة أي تعديل قانوني أو سياسة تمس حقوقهم، بدلا من اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم دون الاستماع إليهم.
حق يصعب قياس انتهاكه
لم تشهد سوريا تعداداً سكانياً منذ عام 2004، ولم ينفذ فيها مسح وطني شامل للإعاقة، وفق المراجع الواردة في التقرير. كما لا تتوافر مؤشرات وطنية تقيس حالات منع الأشخاص ذوي الإعاقة من الزواج، أو تدخل الأسر لاتخاذ القرار نيابة عنهم، أو الزيجات التي تمت دون موافقة حرة وكاملة.
لهذا لا تكشف أرقام الإعاقة والاحتياجات الإنسانية حجم هذه الممارسات، وإن كانت توضح الظروف التي قد تزيد اعتماد الأشخاص على محيطهم الأسري.
أما سامية فقد استطاعت المضي في قرار زواجها رغم الاعتراض الذي واجهته. وتبقى تجربتها شاهداً على أهمية أن يُعامل الشخص ذو الإعاقة باعتباره صاحب حق في الاختيار، لا موضوعا لقرار يتخذه غيره باسم الحماية، ولا يقتصر التحدي أمام التشريعات والمؤسسات السورية على منع الاستغلال، بل يمتد إلى توفير الوسائل التي تجعل موافقة الشخص أو رفضه معبرا عن إرادته فعلاً.
