منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من علاء إلى 23 وفاة على الأقل.. سجون تونس أمام استحقاق كشف الحقيقة

21 أكتوبر 2026
من علاء إلى 23 وفاة على الأقل.. سجون تونس أمام استحقاق كشف الحقيقة
من علاء إلى 23 وفاة على الأقل.. سجون تونس أمام استحقاق كشف الحقيقة

ثلاثة أيام فصلت بين وفاة الطالب التونسي علاء عبد القادر، البالغ 24 عاماً، وعِلم عائلته برحيله، بحسب رواية خاله عبد المجيد بوعجيلة. كانت الأسرة قد زارته في السجن ووجدته بصحة بدت جيدة، لكنه اشتكى من نقص المياه خلال موجة الحر، قبل أن تتلقى خبر وفاته صباح 31 أغسطس/آب 2026، مصادفة، رغم أنه توفي في 28 من الشهر نفسه.

ونقلت شبكة «يورونيوز» عن خاله أن علاء، طالب الماجستير، أوقف إثر مشاجرة في الطريق بعدما سلم نفسه للسلطات، وأن مواجهة قضائية مع الطرف الآخر لم تكن قد جرت خلال الأشهر الأربعة السابقة لوفاته، كما تحدث عن طفح جلدي كان يحرمه النوم.

وبحسب التقرير المنشور في 12 سبتمبر/أيلول، أرجع تقرير طبي أولي صادر عن مستشفى شارل نيكول الوفاة إلى إجهاد حراري أدى إلى تعطل وظائف الجسم، قبل دخول علاء في غيبوبة، غير أن تحديد السبب النهائي يظل رهناً بالفحوص والتحقيقات الرسمية.

تتجاوز قضية علاء مأساة عائلة تنتظر معرفة ما جرى لابنها؛ إذ أعلنت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان توثيق 23 وفاة على الأقل داخل السجون خلال صيف 2026، ما أعاد طرح أسئلة بشأن ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية وحق الأسر في الحقيقة والمساءلة.

وفيات متتالية وروايات متباينة

نقلت وكالة الصحافة الفرنسية في 12 سبتمبر/أيلول عن رئيس الرابطة، بسام الطريفي، أن حصيلتها استندت إلى معلومات أطباء ومحامين وعائلات المتوفين. وكانت الرابطة قد أعلنت رصد 20 وفاة حتى نهاية أغسطس/آب، فيما تحدثت لجنة حماية الصحفيين، في 31 من الشهر نفسه، عن عشر وفيات على الأقل.

وتختلف هذه الحصائل في توقيت الرصد ومنهجيته، ولا يجوز جمعها باعتبارها حالات منفصلة، كما نقلت وسائل إعلام محلية عن الطريفي تسجيل خمس وفيات يوم 28 أغسطس/آب داخل سجون تونس الكبرى، دون معلومات مؤكدة تثبت أن علاء كان ضمنها.

وتواجه الرابطة، وفق وكالة الصحافة الفرنسية، قيوداً على زيارة السجون منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ما يزيد اعتمادها على إفادات العائلات والمحامين والأطباء، ويجعل الرقابة المستقلة ونشر البيانات الرسمية أكثر إلحاحا.

وقال الطريفي إن الحرارة داخل بعض الزنازين المكتظة تجاوزت أحيانا 45 درجة مئوية. في المقابل، نفت إدارة السجون الاتهامات المتعلقة بالاكتظاظ وضعف التهوية ومحدودية المياه، فيما أكدت وزارة الصحة أنه لا يمكن نسبة أي وفاة إلى الحرارة دون تأكيد من الطب الشرعي.

وأعلن الناطق باسم الإدارة العامة للسجون والإصلاح، حاتم العكروت، إجراء 20,773 فحصاً طبياً للسجناء في المستشفيات العمومية خلال النصف الأول من 2026. كما أكدت الإدارة في يوليو/تموز توفير الرعاية الصحية واتخاذ إجراءات لمواجهة الحر. لكن عدد الفحوص المعلن لا يحسم أسباب الوفيات أو مدى حصول كل محتجز على العلاج في الوقت المناسب.

ولم ينتهِ الملف بانتهاء الصيف؛ إذ تناول الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام، في بيان بتاريخ 10 أكتوبر/تشرين الأول، تدهور ظروف الاحتجاز والوفيات الأخيرة. وأفاد موقع «نواة» بوفاة جهاد الدريدي، من منطقة المروج بولاية بن عروس، داخل السجن المدني بالمرناقية يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول، بعد نحو أسبوعين من إيقافه.

سجون تتجاوز طاقتها الاستيعابية

تكشف بيانات قاعدة «موجز السجون العالمي»، استنادا إلى معلومات الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، أن عدد السجناء بلغ 33 ألفا في مايو/أيار 2025، مقابل طاقة استيعابية رسمية قدرها 17 ألف مكان؛ أي نسبة إشغال تبلغ 194.1%، بمعدل 267 سجينا لكل 100 ألف نسمة.

وكان العدد نحو 23 ألفا عام 2022. وفي أغسطس/آب 2025، أعلنت إدارة السجون إضافة نحو ألف سرير ومشروعات للتوسعة والبناء، وهي إجراءات ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم القدرة الاستيعابية اللاحقة.

وتشير القاعدة أيضا إلى أن الموقوفين احتياطياً شكلوا 54.9% من السجناء وفق بيانات تعود إلى عام 2021، وهو مؤشر تاريخي يفتح النقاش بشأن بدائل الاحتجاز، ولا يمثل بالضرورة النسبة الحالية.

وفي سياق يتجاوز موجة الحر، قالت جمعية «تقاطع من أجل الحقوق والحريات» إنها رصدت 13 وفاة وصفتها بالمسترابة بين يوليو/تموز 2025 ويوليو/تموز 2026، فيما أشارت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب إلى مرافقتها 36 عائلة في ملفات ذات صلة.

وطالبت المنظمة، في سبتمبر/أيلول، بتحقيقات مستقلة ومحايدة وشفافة ونشر حصيلة رسمية مجمعة للوفيات.

الحق في الحياة لا يسقط بالاحتجاز

ترى الباحثة والناشطة الحقوقية مريم بن عزوز أن أزمة السجون التونسية امتداد لمشكلات هيكلية سبقت ثورة 2011 واستمرت بعدها، تشمل الاكتظاظ وتهالك البنية التحتية وضعف الإمكانيات وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية.

وقالت بن عزوز لـ«صفر» إن الوفيات المتتالية تستوجب تحقيقات مستقلة، لا التعامل معها باعتبارها أرقاما عابرة، مؤكدة أن السجين لا يفقد حقه في الكرامة والصحة بسبب اتهامه أو الحكم عليه.

وحذّرت من أن الإهمال أو الحرمان من العلاج رغم العلم بالمخاطر قد يثير مسؤوليات قانونية، وربما يشكل معاملة لا إنسانية أو مهينة، أو تعذيبا إذا توافرت أركانه القانونية.

ودعت بن عزوز إلى نشر نتائج التحقيقات ومحاسبة المسؤولين عند ثبوت التقصير، وتوفير المياه والأدوية والرعاية المنتظمة، وتحسين البنية التحتية، وتوسيع الرقابة المستقلة وبدائل الاحتجاز حيث يسمح القانون، مع إصدار بيانات دورية عن السجناء والطاقة الاستيعابية والوفيات.

من جانبه، حذّر الكاتب والباحث الحقوقي عائد عميرة، في تصريح لـ«صفر»، من تراجع الضمانات الحقوقية التي شهدت انفراجاً نسبياً بعد ثورة 2011.

وأشار إلى تقارير واتهامات بشأن سوء المعاملة والعزل الانفرادي وتقييد التواصل مع المحامين والعائلات في بعض الحالات، مشددا على ضرورة التحقق منها.

واعتبر أن النفي الرسمي، دون نتائج تحقيقات وأدلة قابلة للتحقق، لا يجيب عن أسئلة الوفيات، مؤكدا أن السجون ليست فضاءات خارج القانون، وأن كشف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، متى ثبتت، جزء من سيادة القانون.

وتبقى إفادات الجهات الرسمية والعائلات والمحامين والأطباء والهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب ضرورية لاستكمال الصورة، خصوصاً بشأن الزيارات الرقابية التي ربما أجرتها الهيئة خلال موجة الحر ونتائجها.

حق العائلات في معرفة الحقيقة

يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في الحياة ويحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وتحدد قواعد نيلسون مانديلا معايير النظافة والتهوية والرعاية الصحية؛ إذ توجب القاعدة 69 إبلاغ أقارب السجين فور وفاته، وتلزم القاعدة 71 بإحالة الوفاة دون تأخير إلى جهة مختصة مستقلة للتحقيق السريع والمحايد والفعال.

ويقدم بروتوكول مينيسوتا، بصيغته المنقحة عام 2016، معايير للتحقيق في الوفيات التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة، بما يشمل حفظ الأدلة وإشراك العائلات. كما يؤكد التعليق العام رقم 36 للجنة حقوق الإنسان الأممية التزامات الدولة الخاصة تجاه حياة المحتجزين.

وفي تونس، ينظم القانون عدد 52 لسنة 2001 نظام السجون، وأحدث القانون الأساسي عدد 43 لسنة 2013 الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، إلى جانب ضمانات الدستور والمادة 12 من اتفاقية مناهضة التعذيب بشأن التحقيق السريع والنزيه عند وجود أسباب معقولة للاشتباه بوقوع التعذيب.

بالنسبة إلى عائلة علاء، تبدأ المساءلة بأسئلة لم تُحسم بعد: لماذا تأخر إبلاغها بالوفاة وفق روايتها؟ وهل تسلمت التقرير الطبي النهائي؟ وهل فُتح تحقيق قضائي يحدد سبب الوفاة وظروفها ومدى توافر الرعاية اللازمة؟.

بالنسبة إلى عائلة علاء، لم تعد القضية تتعلق بوفاة ابنها وحدها، بل بحقها في معرفة ما جرى له منذ اللحظة التي دخل فيها السجن وحتى إبلاغها برحيله، وهو الحق ذاته الذي تتمسك به عائلات بقية المتوفين، في مواجهة أسئلة لا تكفي البيانات المتضاربة أو النفي الرسمي للإجابة عنها، فحين تتولى الدولة احتجاز إنسان تصبح حماية حياته مسؤوليتها المباشرة، ويغدو كشف ملابسات وفاته والتحقيق في أي تقصير محتمل واجباً لا يسقط بمرور الوقت، ذلك أن العدالة لا تعيد الراحلين، لكنها قد تحول دون أن تلقى عائلات أخرى المصير نفسه.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية