منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مجلس حقوق الإنسان يعتمد نتيجة الاستعراض الدوري الشامل للصومال.. 260 توصية على طريق الإصلاح

28 سبتمبر 2026
لقطة للوفد الصومالي خلال جلسة الاستعراض الدوري الشامل
لقطة للوفد الصومالي خلال جلسة الاستعراض الدوري الشامل

اعتمد مجلس حقوق الإنسان نتيجة الاستعراض الدوري الشامل للصومال، بعد عرض الحكومة الفيدرالية موقفها النهائي من التوصيات التي تلقتها خلال الجولة الرابعة من آلية الاستعراض، والتي تناولت عدداً واسعاً من ملفات حقوق الإنسان، من بينها سيادة القانون، والعدالة، وحقوق النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة، والتعليم والصحة والخدمات الأساسية، وحماية المدنيين، إلى جانب تعزيز المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان.

جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع التاسع والعشرين للدورة، حيث ناقش المجلس نتيجة الاستعراض الخاص بالصومال، استناداً إلى تقرير الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل وإضافته، إلى جانب المعلومات الإضافية التي قدمها الوفد الصومالي، قبل أن يعتمد المجلس نتيجة الاستعراض من خلال قرار موحد.

وشهدت عملية الاستعراض مشاركة واسعة من الدول الأعضاء والمراقبين، إذ شاركت 104 وفود في الحوار التفاعلي مع الصومال الذي عقد في 8 مايو/أيار 2026، وقدمت ما مجموعه 288 توصية تناولت أوضاع حقوق الإنسان والإصلاحات التشريعية والمؤسسية والسياسات العامة في البلاد.

وأعلنت الحكومة الفيدرالية للصومال موقفها النهائي من تلك التوصيات، موضحة أنها، بعد استكمال عملية النظر الوطني، أيدت 260 توصية، وأحاطت علماً بـ28 توصية، مؤكدة أن هذا الموقف يمثل النتيجة النهائية لمراجعتها للتوصيات، بما فيها ثلاث توصيات كانت قد أرجأت النظر فيها لمزيد من الدراسة.

آلية وطنية لتنفيذ التوصيات

وأكد الوفد الصومالي أن بلاده تتعامل مع الاستعراض الدوري الشامل باعتباره إطاراً للتنفيذ والمساءلة والتعاون البناء، وليس مجرد عملية دورية لتقديم التقارير إلى مجلس حقوق الإنسان.

وأوضحت الحكومة أن التوصيات التي أيدتها ستُدمج في عمل الآلية الوطنية للإبلاغ والمتابعة، التي تقودها وزارة الأسرة وتنمية حقوق الإنسان، بمشاركة مجموعة واسعة من المؤسسات الوطنية، من بينها المؤسسات الحكومية الاتحادية، وبرلمانات الولايات الأعضاء في الاتحاد، والسلطة القضائية، واللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني والشركاء الدوليون.

ويعكس هذا التوجه محاولة لربط نتائج الاستعراض الدوري الشامل بالسياسات والبرامج الوطنية، وتحويل التوصيات الدولية إلى التزامات محددة يمكن متابعتها وقياس مستوى التقدم في تنفيذها.

وقال الوفد الصومالي إن الهدف يتمثل في ترجمة التوصيات المقبولة إلى مسؤوليات واضحة، وجداول زمنية واقعية، وإجراءات قابلة للقياس، بما يؤدي إلى تحسينات ملموسة في حياة الشعب الصومالي.

إصلاح المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان

وأبرزت الحكومة الصومالية عدداً من التطورات التي قالت إنها تحققت منذ الاستعراض السابق، وفي مقدمتها إنشاء اللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان في عام 2025، والتي تضم تسعة مفوضين، بينهم ثلاث نساء.

واعتبرت مقديشو إنشاء اللجنة تطوراً مؤسسياً مهماً، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن الأولوية خلال المرحلة المقبلة تتمثل في استكمال تفعيلها وضمان استقلاليتها وإمكانية الوصول إليها، وتعزيز قدرتها على استقبال الشكاوى ورصد والتحقيق في الشواغل المتعلقة بحقوق الإنسان، والتفاعل المباشر مع المجتمعات.

وأكدت الحكومة أن عمل اللجنة ينبغي أن يتوافق مع مبادئ باريس المتعلقة بالمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، بما يعزز دورها في حماية الحقوق ومتابعة الانتهاكات وتعزيز المساءلة على المستوى الوطني.

كما أشار عدد من الوفود المشاركة في اعتماد النتيجة إلى إنشاء اللجنة باعتباره أحد التطورات المؤسسية المهمة في مسار حقوق الإنسان في الصومال.

العدالة وسيادة القانون

احتلت إصلاحات قطاع العدالة موقعاً بارزاً في خطة الحكومة لتنفيذ التوصيات التي أيدتها.

وأوضحت مقديشو أنها أطلقت استراتيجية وطنية لقطاع العدالة، وعملت على توسيع نطاق المساعدة القانونية وآليات تسوية المنازعات البديلة، إلى جانب تطوير البنية التحتية للاحتجاز وتعزيز التدريب في مجال حقوق الإنسان للعاملين في قطاع العدالة.

وأقرت الحكومة بالحاجة إلى مواصلة العمل في عدد من الملفات، خصوصاً ما يتعلق بضمانات الاحتجاز، وضمانات المحاكمة العادلة، والوصول إلى العدالة والمساءلة.

وفي هذا السياق، رحّبت موريتانيا بقبول الصومال توصيتين قدمتهما، تتعلق إحداهما بالتصديق على الصكوك الدولية لحقوق الإنسان التي لم تنضم إليها البلاد بعد، بينما ترتبط الأخرى بإنشاء كيانات قضائية، بما في ذلك المحكمة الدستورية، بما يعزز سيادة القانون والمساءلة المؤسسية.

كما أشار لبنان إلى أهمية مواصلة الإصلاحات، ومن بينها اعتماد تشريعات لمكافحة التعذيب وتجريمه، ومكافحة الفساد، وتحسين استقلال السلطة القضائية.

حقوق النساء والفتيات

وتضمنت الأولويات التي عرضتها الحكومة الصومالية عدداً من الملفات المرتبطة بحقوق النساء والفتيات، وفي مقدمتها تنفيذ حصة 30% للنساء، وتعزيز أجندة المرأة والسلام والأمن، والتصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي، ومواجهة ختان الإناث.

وتأتي هذه الملفات في ظل ارتباط أوضاع النساء في الصومال بالتحديات الأمنية والإنسانية والاجتماعية التي تواجهها البلاد، بما في ذلك النزوح والفقر وتأثير النزاعات.

وأكدت الحكومة أن تنفيذ التوصيات المتعلقة بالمرأة سيكون جزءاً من العمل الوطني خلال المرحلة المقبلة، في إطار الآلية الوطنية للإبلاغ والمتابعة وبمشاركة المؤسسات المعنية.

كما رحّب الأردن بقبول الصومال توصياته الأربع، والتي تضمنت تطوير السياسات والتشريعات الخاصة بحماية النساء والأطفال بما يتوافق مع الالتزامات الدولية، إلى جانب اتخاذ تدابير تضمن الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية.

حماية حقوق الأطفال

وشكّلت حقوق الأطفال محوراً آخر في التزامات الصومال، إذ أكدت الحكومة أن أولوياتها تشمل تنفيذ مشروع قانون حقوق الطفل، وتعزيز آليات حماية الأطفال، وتطوير عدالة تراعي احتياجاتهم، وتوسيع تسجيل المواليد.

كما تعهدت بمواصلة العمل لمنع تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة.

ورحّب المغرب على وجه الخصوص بقبول توصيات تتعلق بتخصيص موارد كافية لتسريع تطوير نظام تسجيل المواليد، ولا سيما في المناطق التي يصعب الوصول إليها.

كما تضمنت المداخلات دعوات إلى مواصلة توسيع نطاق الخدمات الأساسية للأطفال، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية، مع التركيز على الفئات والمناطق الأكثر تأثراً بالأزمات.

الأشخاص ذوو الإعاقة والخدمات الأساسية

وأكدت الحكومة الصومالية مواصلة تنفيذ القانون رقم 29 لعام 2024 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مع العمل على توسيع نطاق الخدمات الشاملة وتعزيز مشاركتهم في المجتمع.

كما وضعت الحكومة ضمن أولوياتها تحسين الوصول إلى الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والحماية الاجتماعية، خصوصاً بالنسبة إلى المجتمعات المتضررة من النزاع والنزوح والصدمات المناخية.

وأشادت إيران بالجهود الصومالية الرامية إلى تحسين الوصول إلى المياه والصرف الصحي والتعليم وحماية الفئات الضعيفة.

كما ركزت الكويت على ملفي التعليم والصحة، مشيرة إلى قبول الصومال توصيتين قدمتهما، تتعلق الأولى بمواصلة تعزيز التعليم وتحسين الوصول إلى التعليم الجيد، بينما تتعلق الثانية بتحسين الخدمات الصحية الأساسية من خلال برامج وطنية ترفع مستوى الوصول إليها.

حماية المدنيين في سياق النزاع

وأكدت الحكومة الصومالية أن حماية المدنيين تمثل أولوية في سياق الوضع الأمني في البلاد.

وأشارت إلى سياسة حماية المدنيين التي اعتمدها مجلس الوزراء في 2 أبريل/نيسان 2026، معتبرة أنها توفر إطاراً لتعزيز حماية المدنيين والمساءلة والضمانات أثناء العمليات الأمنية.

وأكدت الحكومة أن تنفيذ السياسة يتطلب جهداً وطنياً وتعاوناً دولياً، مشيرة إلى استمرار التعاون مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وفريق الأمم المتحدة القطري.

كما اعتبرت الصومال أن اتفاق البلد المضيف الموقع في 6 مايو/أيار 2026 يوفر أساساً لإنشاء مكتب لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في مقديشو، بما يدعم الرصد الفني وبناء القدرات وفق ما يتم الاتفاق عليه.

دعم دولي للمسار الصومالي

وتوالت مداخلات الدول المشاركة في اعتماد النتيجة، حيث رحبت غالبية الوفود بالتعاون الصومالي مع آلية الاستعراض الدوري الشامل وقبول معظم التوصيات.

ورحّبت تشاد بوفد الصومال وبالتقرير المقدم، وأعربت عن دعمها لاعتماد النتيجة.

كما رحّبت جيبوتي بالموقف الصومالي، وأشادت بقبول توصيتين قدمتهما خلال الاستعراض.

وأثنت إثيوبيا على المشاركة البناءة للصومال، معتبرة أن النتيجة تشجع على مواصلة الجهود الرامية إلى تنفيذ التوصيات، ودعت إلى استمرار التعاون الدولي لدعم المؤسسات الوطنية وبناء قدراتها.

وأشادت الهند بالمشاركة الصومالية خلال عملية الاستعراض، مشيرة إلى مشاركة 104 وفود وتقديم 288 توصية، وأعربت عن دعمها لاعتماد التقرير.

كما رحّبت إيران بالحوار الذي جرى خلال عملية الاستعراض، وأكدت استعدادها لتبادل الخبرات والممارسات مع الصومال دعماً لأهدافه في مجال حقوق الإنسان والتنمية.

وأعرب الأردن عن تقديره لإنشاء اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان وتطوير التشريعات الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة، فيما رحبت الكويت بقبول توصياتها المتعلقة بالتعليم والصحة.

أما جزر المالديف فأشادت بالتزام الصومال بعملية الاستعراض، ورحّبت بقبوله معظم التوصيات، بما فيها التوصيات الثلاث التي قدمتها.

توصيات بشأن الاتفاقيات الدولية

وتناولت بعض التوصيات التي حظيت بالقبول ملفات مرتبطة بانضمام الصومال إلى مزيد من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان.

وفي هذا الإطار، رحّبت موريتانيا بقبول توصيات تتعلق بالتصديق على الصكوك الدولية التي لم يعتمدها الصومال بعد.

كما أشاد المغرب بقبول توصيات تتعلق بالتصديق على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

واعتبر المغرب أن قبول هذه التوصيات يعكس التزام الصومال بمواصلة تطوير إطاره الوطني لحقوق الإنسان، مؤكداً دعمه للبلاد خلال مرحلة التنفيذ.

التنفيذ يبدأ بعد الاعتماد

وفي كلمته الختامية، أكد الوفد الصومالي أن اعتماد نتيجة الاستعراض لا يمثل نهاية العملية، وإنما يشكل بداية مرحلة التنفيذ.

وأوضح أن التوصيات الـ260 التي أيدتها الحكومة ستوفر إطاراً لأجندة حقوق الإنسان في السنوات المقبلة، على أن تتولى الآلية الوطنية للإبلاغ والمتابعة تنسيق التنفيذ بمشاركة المؤسسات الحكومية، والولايات الأعضاء في الاتحاد، والبرلمان، والسلطة القضائية، واللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان، والمجتمع المدني وأصحاب المصلحة الآخرين.

وشدد الوفد على أن المرحلة المقبلة ستتركز على تحويل الالتزامات إلى مسؤوليات واضحة وجداول زمنية وإجراءات قابلة للقياس، وربط تنفيذها بالتخطيط الوطني والإبلاغ والمشاركة مع آليات حقوق الإنسان الدولية.

كما أكد الصومال استعداده لمواصلة التعاون مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وفريق الأمم المتحدة القطري والشركاء الدوليين، مشيراً إلى أن اتفاق البلد المضيف يمثل أساساً للتعاون في مجالات المساعدة التقنية وبناء القدرات ودعم المؤسسات الوطنية.

وفي ختام الجلسة، وبعد عرض الموقف الصومالي والاستماع إلى مداخلات الدول، أعلن المجلس اعتماد القرار المتعلق بنتيجة الاستعراض الدوري الشامل للصومال، دون اعتراض.

وبذلك انتقلت التوصيات الـ260 التي أيدتها الحكومة الصومالية من مرحلة الاستعراض والمناقشة الدولية إلى مرحلة التنفيذ الوطني، لتصبح عملية المتابعة ومدى ترجمة هذه الالتزامات إلى إصلاحات وإجراءات ملموسة الاختبار الأساسي للمرحلة المقبلة في مسار حقوق الإنسان في الصومال.