قدّمت اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان تقريرها حول عدد من الملفات الحقوقية، وفي مقدمتها العنف الجنسي الميسر بالتكنولوجيا وتأثيره على النساء والفتيات، إلى جانب تأثير الذكاء الاصطناعي على الحُكم الرشيد، فيما واصلت إعداد دراسات بشأن قضايا أخرى من بينها ارتفاع مستوى سطح البحر والتلوث البلاستيكي والتكنولوجيا العصبية والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، حيث استعرضت اللجنة أعمالها وتوصياتها، موضحة أن أزمة السيولة أدت إلى تأجيل دورتها الخامسة والثلاثين التي كان مقرراً عقدها في أغسطس، على أن تُعقد في ديسمبر 2026 ويُقدم تقريرها إلى المجلس خلال العام المقبل.
العنف الرقمي ضد النساء والفتيات
ركزت اللجنة الاستشارية على دراستها بشأن العنف الجنسي الميسر بالتكنولوجيا وتأثيره على النساء والفتيات، والتي أُعدت بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان 56/11.
وخلُصت الدراسة إلى انتشار هذا النوع من العنف على نطاق عالمي، مشيرة إلى أن نحو ثلثي النساء تعرضن له بصورة مباشرة، بينما شاهدته 85% من النساء، كما تعرضت 58% من النساء والفتيات بين 15 و25 عاماً للتحرش عبر الإنترنت.
وأوضحت اللجنة أن الاعتداءات الرقمية لا تتوقف عند حدود الفضاء الإلكتروني، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى السلامة والكرامة والصحة النفسية والمشاركة في الحياة العامة، وقد تدفع النساء والفتيات إلى الانسحاب من الفضاء الرقمي، بما يؤثر في التعليم والعمل والمشاركة المدنية.
وتتعرض النساء لمخاطر متداخلة بسبب الدين والعرق والهوية والإعاقة وغيرها من العوامل، فيما تواجه الصحفيات والسياسيات والمدافعات عن حقوق الإنسان مستويات إضافية من الإساءة والتهديد، خاصة في سياقات الهجرة والأزمات الإنسانية والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
الذكاء الاصطناعي.. فرص ومخاطر حقوقية
تناولت اللجنة كذلك تأثير الذكاء الاصطناعي على الحكم الرشيد، مؤكدة أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد الحكومات في تحسين الخدمات العامة وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتوسيع المشاركة.
في المقابل، حذرت من مخاطر مرتبطة بالمراقبة الجماعية، والتمييز الخوارزمي، والتلاعب بالبيئة المعلوماتية، وانتهاكات حقوق العمال، فضلاً عن مخاطر تركّز تطوير الذكاء الاصطناعي في أيدي عدد محدود من الجهات وتعميق الاعتماد الرقمي.
ودعت اللجنة الدول إلى وضع أطر قانونية شاملة، وإجراء تقييمات لتأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان، وضمان الرقابة المستقلة وسبل الانتصاف، فيما طالبت الشركات بإجراء العناية الواجبة بحقوق الإنسان طوال دورة حياة أنظمة الذكاء الاصطناعي.
توصيات للدول وشركات التكنولوجيا
قدمت اللجنة توصيات في ثلاثة مسارات رئيسية لمواجهة العنف الرقمي، تبدأ بتطوير تعريفات دولية واضحة للعنف الجنسي الميسر بالتكنولوجيا ودمجها في الأطر الدولية الخاصة بالمرأة والسلام والأمن.
كما دعت الدول إلى سن تشريعات تركز على الناجيات، وتجريم نشر الصور الخاصة دون موافقة، وتوفير سبل الانتصاف وإزالة المحتوى الضار، وتمويل خدمات الدعم، وتدريب الشرطة والقضاء على التعامل مع هذه الجرائم بطريقة تراعي آثار الصدمة.
وطالبت شركات التكنولوجيا بتعزيز الخصوصية والسلامة في تصميم المنتجات، وتقييم آثار خدماتها على حقوق الإنسان، ووضع معايير للذكاء الاصطناعي المسؤول، والحد من التحيزات الخوارزمية واللغوية في إدارة المحتوى.

مواقف دولية متقاربة
وخلال المناقشة، رحّبت دول عديدة بالدراسة، بينها اليونان والمغرب وأرمينيا وبلجيكا وفرنسا وأيرلندا والبرازيل، مؤكدة أهمية توفير فضاء رقمي آمن للنساء والفتيات وتعزيز المساءلة والوقاية والتعاون الدولي.
كما ركّزت مداخلات عدد من الدول على الاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في مواجهة الجرائم الرقمية، مع التأكيد على ضرورة حماية الخصوصية ومنع تحول أدوات مكافحة العنف إلى وسائل للمراقبة غير المشروعة.
ارتفاع مستوى البحار وحقوق الإنسان
إلى جانب العنف الرقمي والذكاء الاصطناعي، واصلت اللجنة الاستشارية العمل على ملفات حقوقية أخرى، من بينها ارتفاع مستوى سطح البحر والتلوث البلاستيكي.
وتناولت إحدى المداخلات تأثير ارتفاع مستوى البحار وتغير المناخ على حقوق الإنسان، بما في ذلك مخاطر فقدان الأراضي والتهجير المرتبط بالمناخ، مع التأكيد على أهمية التعاون الدولي وجبر الضرر ومعالجة الآثار البيئية والقانونية لهذه الظاهرة.
وتواصل اللجنة إعداد دراسات بشأن الولايات المتبقية، على أن تقدم أربع دراسات إلى مجلس حقوق الإنسان في دورته الرابعة والستين في مارس 2027، بينما تقدم دراستا ارتفاع مستوى سطح البحر والتلوث البلاستيكي وحقوق الإنسان في الدورة السابعة والستين في سبتمبر 2027.
استمرار عمل اللجنة رغم الأزمة المالية
وأكدت اللجنة أنها تمكنت، رغم القيود المالية وتأجيل دورتها، من مواصلة أعمالها وإعداد الدراسات الموكلة إليها، من خلال العمل بين الدورات ومشاركة الدول والمجتمع المدني والجهات المعنية.
وشددت في ختام مداخلتها على استمرار التزامها بتقديم البحوث والمشورة لمجلس حقوق الإنسان بشأن القضايا الناشئة والمعقدة، مع اعتماد نهج تشاركي يتيح الاستفادة من خبرات الدول والمؤسسات الدولية والمجتمع المدني ومختلف أصحاب المصلحة.
