منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

يعملن ولا تكفيهن الأجرة.. معيلات سوريات عالقات في دائرة الهشاشة

21 سبتمبر 2026
النساء المعيلات في سوريا عالقات في دائرة الهشاشة
النساء المعيلات في سوريا عالقات في دائرة الهشاشة

لا تستطيع شام أن تمنح نفسها يوماً بلا عمل، ليس لأنها فقدت معيلها خلال سنوات الحرب، ولا لأنها وجدت في وظيفتها ما تطمح إليه، بل لأن طفلين ينتظران من أمهما في نهاية كل شهر طعاماً، وملابس، وتعليماً، وإيجاراً لا يمكن تأجيله، وأشياء أخرى.

تبلغ شام 28 عاماً، وتعمل لساعات طويلة مقابل دخلٍ تصفه بالمحدود، ينتهي عملها خارج المنزل ليبدأ عمل آخر داخله؛ حيث تتولى رعاية طفليها وإدارة شؤون الأسرة، تقول لـ”صفر”: “أعمل لأنني لا أملك خياراً آخر.. لا أستطيع أن أتوقف عن العمل حتى عندما أكون متعبة أو مريضة”.

ومع ذلك لا يكفي العمل دائماً لتخفيف القلق الاقتصادي، تقول شام إن ما تحصل عليه بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية، وإنها تعيد كل شهر توزيع دخلها على مصاريف لا تستطيع الاستغناء عنها.

قصة شام تضع وجهاً إنسانياً لمفارقة تواجه نساءً يعُلن أسرهن في سوريا، فالحاجة تدفعهن إلى سوق العمل، لكن العمل نفسه قد لا يوفر دخلاً مستقراً أو حماية اجتماعية تكفي لإخراج الأسرة من دائرة الهشاشة.

العمل لا يعني الأمان الاقتصادي

دفعت سنوات الحرب والنزوح وفقدان المعيل وتدهور الأوضاع الاقتصادية نساء سوريات إلى تحمل مسؤولية إعالة أسرهن، في حين يواجه بعضهن خيارات محدودة في سوق العمل، خصوصاً مع ضعف المهارات المهنية أو أعباء رعاية الأطفال وارتفاع كلفة المواصلات.

وتعمل نساء في الزراعة والتنظيف والخدمات المنزلية والصناعات الغذائية والحرف والمشروعات المنزلية، وهي أعمال قد تتيح دخلاً للأسرة لكنها لا توفر بالضرورة عقد عمل أو دخلاً مستقراً أو مظلة تأمين اجتماعي.

وتظهر هشاشة الأسر التي ترأسها نساء بصورة أوضح في بيانات الأمم المتحدة لعام 2024 التي تشير إلى أن هذه الأسر واجهت صعوبة في تلبية احتياجاتها الأساسية بمعدل يقارب ضعف الأسر التي يرأسها رجال، خصوصاً في شمال سوريا.

وفي الأمن الغذائي بلغت نسبة الأسر التي ترأسها نساء وتعاني انعدام الأمن الغذائي نحو 44% مقابل 21% بين الأسر التي يرأسها رجال.

ولا تثبت هذه الفجوة أن إعالة المرأة للأسرة هي سبب انعدام الأمن الغذائي، لكنها تكشف أن الأسر التي ترأسها نساء تقع ضمن الفئات الأكثر تعرضاً للهشاشة، وهو ما يطرح سؤالاً حول نوعية فرص العمل التي تستطيع النساء الوصول إليها ومدى كفاية الحماية الاجتماعية المتاحة لهن.

 

دخل غير مستقر وحماية محدودة

يقول الكاتب والباحث الحقوقي السوري عبد الرحمن ربوع لـ”صفر” إن فقدان أعداد كبيرة من الأسر لمعيلها نتيجة الحرب والاعتقال والاختفاء والنزوح والهجرة دفع نساء كثيرات إلى تحمل مسؤولية إعالة أسرهن.

ويشير ربوع إلى أن النساء المعيلات يعملن في مجالات منها التعليم والصحة والزراعة والحرف والمشروعات المنزلية، لكنه يقول إن جزءاً كبيراً من هذه الأعمال محدود الدخل وغير مستقر، وإن العمل في القطاع غير الرسمي أو الوظائف المؤقتة يحرم بعض النساء من الاستفادة من التأمينات وبرامج الحماية الاجتماعية.

ويرى ربوع أن المساعدات والحماية المتاحة لا تزال أقل من حجم الاحتياجات، في وقت أدى فيه تراجع تمويل بعض برامج العمل الإنساني إلى زيادة الضغوط على الفئات الأكثر هشاشة.

بالنسبة للكاتبة السورية المعنية بالشأن النسوي سهير أومري فإن الأسر التي تعيلها نساء لا تزال تواجه تحديات في العمل والدخل والغذاء والسكن، وترى أن المطلوب هو الانتقال من المساعدات المؤقتة إلى سياسات تضمن عملاً آمناً ودخلاً كافياً وحماية اجتماعية أكثر استدامة.

وتشير بيانات أوردتها وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن 12% فقط من الأسر التي تعيلها نساء صُنفت آمنة غذائياً خلال 2025، مقابل 18.5% من الأسر التي يعيلها رجال، ولا ينبغي قراءة هذه النسب باعتبارها امتداداً مباشراً لبيانات 2024؛ لاختلاف المصادر والمؤشرات المستخدمة، لكنها تقدم مؤشراً إضافياً إلى استمرار هشاشة هذه الأسر.

العودة لا تنهي الهشاشة

تظهر المشكلة أيضاً لدى الأسر العائدة إلى سوريا، فبحسب تقرير لمتابعة ما بعد العودة صادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، واجهت 64% من الأسر العائدة التي تعيلها نساء صعوبة في الوصول إلى الغذاء، مقابل 56% من الأسر التي يعيلها رجال، واقترضت 63% من الأسر التي تعيلها نساء لتغطية الإيجار، مقابل 58% من الأسر التي يعيلها رجال.

وتكشف هذه المؤشرات أن العودة إلى المكان الأصلي لا تعني بالضرورة استعادة القدرة الاقتصادية للأسرة، خصوصاً إذا لم يصاحبها مصدر دخل مستقر أو سكن يمكن تحمل كلفته أو شبكة حماية اجتماعية.

 

الحكومة.. من الإغاثة إلى التمكين

في المقابل، يقول معاون وزير الشؤون الاجتماعية والعمل السوري بهجت حجار في تصريحات خص بها “صفر” إن تمكين النساء المعيلات يمثل إحدى أولويات العمل الحكومي في مرحلة التعافي وإعادة البناء، وإن التوجه يقوم على الانتقال من المساعدات الإغاثية إلى برامج تنموية تعزز سبل العيش والحماية الاجتماعية.

ويشير حجار إلى أن المسوح الميدانية في مناطق النزوح والمخيمات أظهرت ارتفاع أعداد الأسر التي تعيلها نساء، ما يستدعي توسيع فرص العمل والتمكين الاقتصادي بدلاً من الاعتماد على المساعدات المالية والعينية المؤقتة.

ويرى حجار أن التدريب المهني ينبغي أن يرتبط باحتياجات سوق العمل وألا يبقى محصوراً في المهن النمطية المرتبطة بالنساء، بحيث يقود إلى فرص إنتاج ودخل واستقلال اقتصادي حقيقية، داعياً المجتمع الدولي إلى استمرار تمويل برامج الحماية الاجتماعية والانتقال تدريجياً إلى دعم تنموي طويل الأجل، بمشاركة الحكومة والمجتمعات المحلية والنساء في تصميم البرامج.

لكن نجاح هذا الانتقال لا يقاس بعدد برامج التدريب وحدها، بل بقدرتها على نقل المرأة المعيلة إلى عمل مستقر ودخل يمكنها الاعتماد عليه وحماية اجتماعية تصل إليها فعلياً.

العمل حق.. والأجر جزء منه

لا تنحصر المسألة في إيجاد أي فرصة عمل للمرأة المعيلة، فالحق في العمل يرتبط بشروط عادلة ومرضية وبالحماية الاجتماعية والقدرة على الوصول إلى مستوى معيشي لائق.

ومن هذه الزاوية، تصبح أوضاع الأسر التي تعيلها نساء مؤشراً على ما إذا كان دخول المرأة إلى سوق العمل يحقق لها استقلالاً اقتصادياً فعلياً، أم يبقيها في دائرة تعمل فيها لساعات طويلة من دون أن تتمكن من تأمين احتياجات أسرتها بصورة مستقرة.

بالنسبة إلى شام، لا يبدو التوقف عن العمل خياراً، لكنها لا تحتاج إلى مجرد وظيفة تبقيها منشغلة طوال اليوم، بقدر ما تحتاج إلى عمل يسمح لها بأن تعود إلى طفليها وهي أكثر اطمئناناً إلى الغد، فالعمل الذي لا يكفي لإطعام الأسرة أو دفع إيجارها ولا يوفر للعامل حماية من المرض أو فقدان الدخل، قد يمنع السقوط في العوز اليوم، لكنه لا يضمن الخروج منه غداً.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان