لم تعد قضية العنصرية في أنظمة مكافحة المخدرات مرتبطة فقط بطريقة تطبيق القانون، بل أصبحت، وفقاً لتقرير أممي حديث، مرتبطة بجذور تاريخية وبنى مؤسسية امتدت لعقود، أدت إلى تعرض الأفارقة والأشخاص المنحدرين من أصل إفريقي لمستويات عليا من المراقبة والاعتقال والعقوبات مقارنة بغيرهم.
ويحلل تقرير الآلية الدولية للخبراء المستقلين المعنية بالنهوض بالعدالة والمساواة العرقيتين في سياق إنفاذ القانون، المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان في دورته الثالثة والستين المنعقدة في جنيف، تحت الرقم A/HRC/63/72، كيفية تجذر العنصرية النظمية داخل سياسات المخدرات العالمية والمحلية، وتأثيراتها غير المتناسبة في الأفارقة والمنحدرين من أصل إفريقي، إضافة إلى دراسة الأسباب التاريخية ومظاهر التمييز عبر مراحل العدالة الجنائية.
ويشير التقرير إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في ممارسات فردية لبعض عناصر إنفاذ القانون، وإنما في منظومات قانونية وسياسات عامة يمكن أن تنتج نتائج تمييزية حتى عندما تبدو القواعد محايدة ظاهرياً.
ارتباط المخدرات بالهوية العرقية
يرى التقرير أن سياسات مكافحة المخدرات الحديثة لم تتشكل بمعزل عن التاريخ الاستعماري، بل تأثرت بإرث أنظمة استخدمت القانون للسيطرة على مجموعات اجتماعية وعرقية معينة.
ويشير إلى أن بعض التشريعات الاستعمارية ربطت الأفارقة والأشخاص المنحدرين من أصل إفريقي بصورة نمطية باعتبارهم تهديداً أمنياً يحتاج إلى المراقبة والضبط، وهو ما انعكس لاحقاً في أنظمة مكافحة المخدرات الحديثة.
ويوضح التقرير أن بعض المواد المخدرة ارتبطت تاريخياً بصورة نمطية بفئات عرقية محددة، مثل ربط القنب بالسكان السود والسمر في الأمريكتين ومنطقة الكاريبي، والكوكايين بالمجتمعات المنحدرة من أصل إفريقي، وهو ما أسهم في بناء سرديات تمييزية أثرت في السياسات الجنائية.
الحرب على المخدرات
ينتقد التقرير التحول الذي شهدته سياسات مكافحة المخدرات خلال العقود الأخيرة، حيث انتقلت من التعامل مع القضية باعتبارها مشكلة صحية واجتماعية إلى نموذج أمني قائم على العقوبات والتدخلات القسرية.
ويشير إلى أن نموذج “الحرب على المخدرات” أدى في بعض الدول إلى زيادة استخدام القوة، وانتشار المداهمات الأمنية، وتوسيع نطاق الاحتجاز، خصوصاً في المناطق التي تسكنها مجموعات مهمشة.
ويذكر التقرير أن عمليات مكافحة المخدرات في البرازيل، على سبيل المثال، ارتبطت باستخدام أساليب عسكرية في مجتمعات ينحدر سكانها من أصل إفريقي، ما أدى إلى ارتفاع مستويات العنف والسجن المفرط بين الشباب والنساء السود. كما أشار إلى آثار العمليات الأمنية في كولومبيا على المجتمعات الإفريقية من خلال النزوح وفقدان مصادر العيش.
ونقل التقرير عن مقررين أمميين أن “الحرب على المخدرات” عملت في بعض السياقات بوصفها آلية للسيطرة العرقية أكثر من كونها استجابة متوازنة لإنفاذ القانون أو حماية الصحة العامة.
سلسلة كاملة من التفاوت
يؤكد التقرير أن التمييز لا يظهر في مرحلة واحدة فقط، وإنما يمتد عبر مختلف مراحل العدالة الجنائية.
ويشير التقرير إلى أن بعض الدول تمنح الشرطة صلاحيات واسعة دون معايير واضحة للتمييز بين الحيازة الشخصية والاتجار، وهو ما قد يؤدي إلى تطبيق انتقائي للقانون وتأثره بالصور النمطية العرقية.
ويذكر التقرير حالات في البرازيل وكولومبيا وفرنسا والأرجنتين والمملكة المتحدة وتايلاند وإندونيسيا ونيكاراغوا، حيث وثق أنماطاً من التنميط العرقي أو الاستهداف غير المتناسب لفئات معينة.
ويحذر التقرير من أن بعض عمليات إنفاذ قوانين المخدرات قد تنتهك مبادئ الضرورة والتناسب وعدم التمييز، مشيراً إلى حالات استخدام قوة مفرطة أدت إلى وفيات، خاصة في المجتمعات المهمشة.
ويشير التقرير إلى أن الأشخاص المنحدرين من أصل إفريقي قد يواجهون اتهامات أشد، وفرصاً أقل للحصول على بدائل للعقوبة أو تسويات قضائية، إضافة إلى آثار طويلة المدى للسجل الجنائي في العمل والسكن والخدمات الاجتماعية.
النساء والأطفال.. أعباء مضاعفة
يركز التقرير على أن النساء المنحدرات من أصل إفريقي يتحملن أضراراً إضافية بسبب تقاطع العرق مع الفقر والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
ويشير إلى أن بعض النساء ينخرطن في أدوار هامشية داخل اقتصاد المخدرات نتيجة الفقر أو الإكراه، لكنهن يواجهن استجابات عقابية قاسية لا تراعي ظروفهن الاجتماعية.
ويحذر من تأثير السياسات العقابية في الأطفال والشباب، بسبب تعرضهم للتوقيف والتفتيش والعنف والاحتجاز، ما يؤدي إلى آثار نفسية وتعليمية طويلة الأمد.
نقص البيانات يزيد صعوبة المشكلة
يشير التقرير إلى أن غياب البيانات المصنفة حسب العرق والأصل الإثني يمثل أحد المعوقات الرئيسية أمام كشف حجم التفاوتات ومحاسبة الجهات المسؤولة.
ويحذر من أن استخدام التقنيات التنبؤية والخوارزميات في إنفاذ القانون قد يعيد إنتاج تحيزات تاريخية إذا اعتمدت على بيانات سابقة متأثرة بالتمييز.
ويدعو التقرير إلى مراجعة شاملة لسياسات مكافحة المخدرات، والانتقال من النهج العقابي إلى مقاربة تركز على الصحة العامة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.
توصيات لمواجهة التمييز
يوصي التقرير بإلغاء تجريم تعاطي المخدرات وحيازتها للاستخدام الشخصي ووضع معايير واضحة للتمييز بين الحيازة والاتجار ومنع التصنيف العرقي في عمل الشرطة.
كما يوصي بتوفير ضمانات للمحاكمة العادلة وتوسيع بدائل السجن في الجرائم غير العنيفة وإلغاء عقوبة الإعدام في جرائم المخدرات.
ويخلص التقرير الأممي إلى أن التمييز العنصري في سياسات المخدرات ليس مجرد ممارسات فردية، بل ظاهرة مرتبطة بعوامل تاريخية ومؤسسية، وأن نموذج “الحرب على المخدرات” تسبب في انتهاكات واسعة ضد المجتمعات المهمشة دون أن يعالج جذور المشكلة.
ويرى أن الحل لا يكمن فقط في تعديل إجراءات الشرطة أو القضاء، بل في إعادة بناء سياسات المخدرات نفسها على أساس المساواة والعدالة العرقية والصحة العامة والمشاركة المجتمعية.
