منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الضفة الغربية تحت الضغط..

احتجاز إسرائيل لناشط بريطاني يسلّط الضوء على مخاطر حماية الفلسطينيين

04 سبتمبر 2026
لحظة اعتقال الناشط البريطاني خلال مشاركته في نشاط للتواجد الوقائي بقرية أم الخير جنوب الضفة الغربية.
لحظة اعتقال الناشط البريطاني خلال مشاركته في نشاط للتواجد الوقائي بقرية أم الخير جنوب الضفة الغربية.

واجه ناشط بريطاني يبلغ من العمر 22 عاماً الاحتجاز والترحيل من إسرائيل، بعدما اقتاده مستوطنون مسلحون وسلموه إلى الشرطة الإسرائيلية، أثناء مشاركته في نشاط للتواجد الوقائي في قرية أم الخير جنوب الضفة الغربية، في واقعة أعادت تسليط الضوء على المخاطر التي يتعرض لها المدافعون عن حقوق الإنسان خلال محاولتهم حماية السكان الفلسطينيين وممتلكاتهم من هجمات المستوطنين.

وأثار مسؤولون من السفارة البريطانية في تل أبيب قضية احتجاز الناشط فين جوغين مع السلطات الإسرائيلية، وطالبوا بالحصول على مزيد من المعلومات بشأن ملابسات اعتقاله، بحسب ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” عن وزارة الخارجية البريطانية، في حين كان جوغين يواجه قراراً بالترحيل إلى المملكة المتحدة بعد احتجازه وتسليمه إلى الشرطة.

وكان جوغين قد شارك يوم السبت الماضي في دورية حماية داخل أم الخير، ضمن نشاط يُعرف باسم “التواجد الوقائي”، يشارك فيه نشطاء، معظمهم إسرائيليون وبعضهم أجانب، بهدف ردع هجمات المستوطنين من خلال الوجود في المناطق عالية الخطورة وتصوير عمليات الاقتحام، وفق ما أوردته صحيفة “تليغراف”.

وأوضحت “تايمز أوف إسرائيل” أن هذا النشاط التطوعي أصبح أكثر انتشاراً في أنحاء الضفة الغربية مع تصاعد عنف المستوطنين.

لحظة الاحتجاز

أظهرت لقطات مصورة للحادثة جوغين واقفاً إلى جوار سياج قرب لافتة عربية كُتب عليها “مرحباً بكم في خربة أم الخير”، في حين استخدم جسده لمنع طفل من المرور بينه وبين السياج، قبل أن يقتاده ثلاثة مستوطنين مسلحين على الأقل بالقوة إلى مركز استيطاني، بحسب ما أوردته “تليغراف”.

ووصفت شهادات نشطاء كانوا موجودين في المكان بداية المواجهة بصورة مختلفة عن الاتهامات التي وُجهت إلى جوغين؛ إذ قالوا إن أطفالاً فلسطينيين كانوا يلعبون كرة القدم عندما تدخل أطفال من عائلات المستوطنين، ثم ركضوا إلى منزل فلسطيني وبدؤوا في تفكيك السياج.

وأشارت “تليغراف” إلى أن استكشاف الأسوار أو محاولة إزالتها فعلياً يُعد تكتيكاً أولياً شائعاً يستخدمه المستوطنون الإسرائيليون.

واتهم المستوطنون الذين احتجزوا جوغين الناشط بالاعتداء على قاصر، في حين قالت الشرطة الإسرائيلية لاحقاً إنها احتجزته للاشتباه في ارتكابه فعلاً مخلاً بالآداب بحق قاصر، إلى جانب جرائم أخرى، قبل أن تبدأ إجراءات استجوابه وتحيل الوثائق المتعلقة بالقضية إلى سلطة السكان والهجرة للمراجعة.

اتهامات متضاربة

نفت محامية جوغين، إنبار شاكيد فاردي، الاتهامات الموجهة إلى موكلها بشكل قاطع، وقالت لـ”بي بي سي” إن الطالب اتُّهم في البداية بالاعتداء، قبل أن تضيف الشرطة لاحقاً إلى الأوراق الرسمية ادعاء ارتكاب فعل مخل بالآداب.

وأكدت المحامية أن القضية لم تُغلق رسمياً حتى ذلك الوقت، رغم أن ترحيل موكلها كان مقرراً إلى المملكة المتحدة.

وقالت شاكيد فاردي إن الفيديو الذي وثق المواجهة يظهر جوغين وهو يحاول حماية القرية، مضيفة لصحيفة “هآرتس”، بحسب ما نقلته “تايمز أوف إسرائيل”، أن موكلها وقف بجوار السياج في محاولة لمنع تفكيكه وإلحاق الضرر بممتلكات القرويين، في حين اقترب منه المستوطنون وحاولوا المرور من جانبه بالقوة.

وأضافت المحامية أن جوغين صُوّر دون موافقته، وأنه تعرض لاتهامات باللغة العبرية التي لا يتحدثها، معتبرة أن ذلك ألحق ضرراً بالغاً بحقه في الخصوصية وبسمعته.

وقالت أيضاً إنه، على حد علمها، لم تستجوب الشرطة الرجال الذين احتجزوا موكلها عند حضورها لاعتقاله.

واحتُجز جوغين داخل مبنى قبل تسليمه إلى الشرطة، وقالت شاكيد فاردي لـ”تليغراف” إنه بقي داخل سقيفة لمدة 30 دقيقة، في حين لم يُعتقد أن أي شخص آخر احتُجز للاستجواب في الواقعة نفسها.

رواية الشرطة

أوضحت الشرطة الإسرائيلية أن جوغين احتجزه رئيس فرقة الأمن التابعة لإحدى المستوطنات المجاورة لمعانون، وهي مستوطنة معترف بها جنوب الخليل، قبل أن يتم تسليمه إلى الشرطة.

وقالت الشرطة، في بيان، إن مواطناً أجنبياً “أخلّ بالنظام العام” احتُجز للاشتباه في ارتكابه فعلاً مخلاً بالآداب مع قاصر.

وأكدت أن استجواب المواطن البريطاني شمل أخذ إفادات تشير إلى الاشتباه في قضية اعتداء على قاصر، مضيفة أن المشتبه به قُبض عليه في نهاية الاستجواب وأن التحقيق في القضية لا يزال جارياً.

وقالت الشرطة، في بيان آخر، إن الإجراءات جاءت في إطار التعاون المستمر والجهود المبذولة لمنع أي نشاط استفزازي ينطوي على مواجهات واضطرابات.

في المقابل، رفض النشطاء الذين كانوا برفقة جوغين وقت الحادثة الاتهامات الموجهة إليه، ونفوا وقوع أي سلوك غير لائق.

وقال ناشط يُدعى ماثيو، رفض ذكر اسم عائلته: “في كل مرة، كان أطفال المستوطنين هم من اقتربوا من جوغين”.

الترحيل أداة لإبعاد النشطاء

واجه جوغين قرار الترحيل إلى المملكة المتحدة على متن رحلة كانت مقررة بعد ظهر الاثنين، في حين قالت محاميته إن القضية لم تكن قد أُغلقت رسمياً.

ورأت شاكيد فاردي أن الترحيل قد يؤدي عملياً إلى وقف أي ملاحقة إضافية، قائلة إن الشرطة تستخدم الترحيل لتحقيق غاياتها، وهي إخراج النشطاء من الضفة الغربية مع السماح للمستوطنين بمواصلة أنشطتهم.

وذكرت “تايمز أوف إسرائيل” أن جوغين حضر جلسة استماع لدى سلطة السكان والهجرة قبل ترحيله، وأن إسرائيل رحّلت عشرات النشطاء الذين سافروا إلى الضفة الغربية للمساعدة في حماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين.

وأشارت المصادر إلى أن واقعة أم الخير جاءت في ظل تصاعد أعمال العنف التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية، وفي وقت تواجه فيه تجمعات فلسطينية هجمات ومضايقات متكررة.

وذكرت “تليغراف” أن الأمم المتحدة أفادت في وقت سابق من العام بإخلاء 38 تجمعاً فلسطينياً من سكانها منذ عام 2023، وسط تصاعد عنف المستوطنين.

وأوضحت الصحيفة أن 2200 فلسطيني نزحوا بين يناير ويونيو من العام الحالي، بعد هجمات طالت 230 تجمعاً مختلفاً، في حين كان مئات آخرون يبحثون عن مأوى بسبب عمليات هدم أقرتها السلطات.

عنف المستوطنين

أفادت “بي بي سي” بأن جميع المستوطنات غير شرعية بموجب القانون الدولي، في حين تُعد البؤر الاستيطانية غير شرعية بموجب القانون الإسرائيلي أيضاً، رغم أنها غالباً ما تتلقى دعماً وتمويلاً من أجهزة الدولة.

ووقعت مواجهة أم الخير في بلدة تقع قرب الخليل، في وقت كانت فيه أجزاء من قصرة، قرب نابلس، لا تزال محاصرة من المستوطنين، بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من دخول القوات إليها بزعم إخلائها.

وشهدت القرية هجوماً آخر شنه مستوطنون يوم السبت، لكن لم تجرِ أي اعتقالات حتى يوم الاثنين.

وأثارت أوضاع قصرة اهتماماً إعلامياً دولياً، بعدما انتقد السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، الوضع عندما تبين أن بعض الممتلكات المتضررة مملوكة لمواطن أمريكي.

كما أشار هاكابي إلى أن نحو نصف مليون إسرائيلي يعيشون بسلام، وقال إنهم يشعرون باشمئزاز شديد من هذه المجموعة الصغيرة من البلطجية.

إدانات إسرائيلية

أدان الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أحداث العنف التي وقعت في الضفة الغربية، واصفاً الوضع بأنه تحدٍ صارخ ومباشر لقوانين وقيم دولة إسرائيل.

وقال هرتسوغ إن هذه الحوادث تمثل أيضاً حلقة أخرى في سلسلة مقلقة تلطخ صورة إسرائيل وتتطلب تحركاً حازماً وحاسماً.

ووجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتقاداً نادراً لأعمال عنف نفذها مستوطنون، بعدما تعرض مراسل تلفزيوني أمريكي لاعتداء أثناء تغطيته للأحداث في الضفة الغربية.

وأفادت “بي بي سي” بأن عشرات المستوطنين هاجموا قرية قصرة يوم السبت قبل استدعاء الجيش لإخراجهم، كما أصيب صحفيون أجانب بجروح على يد مستوطنين ملثمين خلال هجوم في بلدة جالود.

حماية المدافعين عن حقوق الإنسان

أثار احتجاز جوغين وترحيله قضية حماية المدافعين عن حقوق الإنسان في سياق شديد الخطورة، بعدما كان وجوده في أم الخير مرتبطاً بنشاط قال نشطاء إنه يستهدف حماية السكان وممتلكاتهم من هجمات المستوطنين، في حين تعاملت السلطات الإسرائيلية مع الواقعة باعتبارها قضية جنائية تتعلق باتهام ناشط أجنبي بالاعتداء على قاصر.

وتكشف الواقعة، في ظل تضارب الروايات بين النشطاء والشرطة الإسرائيلية، عن تعقيدات متزايدة تحيط بعمل النشطاء الأجانب في الضفة الغربية، خصوصاً أولئك الذين يشاركون في أنشطة “التواجد الوقائي” إلى جانب المجتمعات الفلسطينية التي تواجه هجمات أو مضايقات متكررة.

ونقلت “بي بي سي” عن وزارة الخارجية البريطانية أن مسؤولين من السفارة البريطانية في تل أبيب أثاروا القضية مع السلطات الإسرائيلية، وأنهم يسعون للحصول على مزيد من المعلومات.

وجاء التحرك البريطاني في حين كان جوغين يستعد للترحيل، دون أن تكون القضية قد أُغلقت رسمياً، وفق ما أكدته محاميته.

وتعيد هذه القضية إلى الواجهة سؤالاً حقوقياً أوسع بشأن الحدود التي ينبغي أن تحكم عمل المدافعين عن حقوق الإنسان في مناطق النزاع، ومدى قدرتهم على أداء دورهم في حماية المدنيين وتوثيق الانتهاكات دون أن يتحول وجودهم ذاته إلى سبب للاحتجاز أو الترحيل.

وفي أم الخير، لم تكن قصة جوغين منفصلة عن واقع أوسع يعيشه السكان الفلسطينيون؛ فبينما يقول النشطاء إن وجودهم يهدف إلى ردع الهجمات وحماية الممتلكات وتوثيق ما يحدث، تواجه هذه الأنشطة اتهامات من السلطات الإسرائيلية بأنها قد تتحول إلى مصدر للمواجهات والاضطرابات.

وبين الروايتين، تظل حماية المدنيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان التحقيق النزيه في أي اتهامات جنائية، من القضايا التي تكتسب أهمية متزايدة في الضفة الغربية، حيث تتقاطع مخاطر العنف مع القيود المفروضة على الحركة والعمل الميداني، وتبقى المجتمعات الفلسطينية الأكثر تعرضاً لتداعيات هذه المواجهات.