بينما يفترض أن تكون العدالة الدولية ملاذا أخيرا لضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وجدت المحكمة الجنائية الدولية نفسها في مواجهة عقوبات أمريكية تستهدف قضاة ومدعين وموظفين يعملون على التحقيق في أخطر الانتهاكات، ليتحول الضغط السياسي على المحكمة إلى رسالة للضحايا بأن العدالة لها حدود عندما تقترب من الأقوياء.
وفي عالم يفترض أن القانون فيه لا يعرف جنسية الجاني ولا مكانة الضحية، تبدو المواجهة بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمحكمة الجنائية الدولية واحدة من أكثر المعارك إثارة للقلق بشأن مستقبل العدالة الدولية، إذ أصبحت خلال السنوات الأخيرة هدفا لضغوط سياسية واقتصادية متزايدة، بعدما باشرت تحقيقات وملفات طالت أطرافا مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.
تأسيس المحكمة الدولية
تأسست المحكمة التي عام 2002 بموجب نظام روما الأساسي، لتكون ملاذا أخيرا عندما تعجز الدول أو تمتنع عن محاسبة مرتكبي أخطر الجرائم، وقع ترامب في 6 فبراير 2025، أمرا تنفيذيا بفرض عقوبات عليها، معتبرا أن تحركاتها ضد الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل تمثل إجراءات “غير مشروعة ولا تستند إلى أساس”، فيما ربط القرار بصورة خاصة بتحقيقات المحكمة وقراراتها المتعلقة بالوضع في الأراضي الفلسطينية.
وشملت الإجراءات تجميد أصول أشخاص مستهدفين وفرض قيود على دخول الولايات المتحدة، مع إمكانية توسيع نطاق العقوبات، ولم تتوقف المواجهة عند القرار الأول، فقد أعلنت المحكمة الجنائية الدولية لاحقا عن عقوبات أمريكية إضافية طالت مسؤولين فيها، مؤكدة أن هذه الإجراءات تمثل تهديدا لاستقلالها وقدرتها على أداء ولايتها القضائية، وفي أغسطس 2025، أدانت المحكمة بشدة إجراءات جديدة استهدفت قضاة ومدعين تابعين لها.
وتكشف طبيعة العقوبات عن أن المعركة لا تتعلق فقط بمؤسسة قضائية في لاهاي، وإنما تمتد إلى الأشخاص الذين يعملون داخلها وإلى شبكة العلاقات التي تحتاج إليها المحكمة لإنجاز تحقيقاتها، وهنا تكمن إحدى أخطر التداعيات الحقوقية، إذا أصبح التعاون مع المحكمة مصدرا للخوف من العقوبات، فإن التأثير لا يقع على القضاة والمدعين وحدهم، وإنما قد يمتد إلى المحامين والباحثين والمدافعين عن حقوق الإنسان والشهود ومصادر المعلومات.
قلق أممي
لم تكن الانتقادات للموقف الأمريكي صادرة عن المحكمة وحدها، فقد أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن “قلق عميق” إزاء العقوبات المفروضة على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، محذرا من أن استهداف القضاة والمدعين يقوض مكافحة الإفلات من العقاب.
وحذر خبراء أمميون من أن الإجراءات الأمريكية تمثل تحديا لاستقلال المحكمة، خاصة أن استقلال القضاة والمدعين يعد شرطًا أساسيًا لضمان حق الضحايا في الوصول إلى العدالة.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواجه فيه العدالة الدولية أزمة ثقة أوسع، إذ تتهم دول ومنظمات حقوقية المجتمع الدولي بالتعامل مع مبدأ المحاسبة بمعايير مزدوجة، حيث تشدد في ملاحقة بعض المتهمين، وتردد أو مقاومة عندما تقترب التحقيقات من حلفاء أو قوى كبرى.
وأنشئت المحكمة الجنائية الدولية أساسا لمنح ضحايا الجرائم الدولية الأكثر خطورة فرصة للوصول إلى العدالة عندما تفشل الآليات الوطنية، وتتمثل ولايتها في التحقيق والملاحقة في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان.
ولهذا فإن إضعاف قدرة المحكمة على العمل لا يعني فقط إرباك مؤسسة قضائية دولية، بل قد يعني أيضا تعطيل مسار طويل يبدأ بجمع الأدلة، ويمر بسماع شهادات الضحايا، وينتهي بإصدار قرارات قضائية يمكن أن تمنح الضحايا اعترافًا قانونيًا بما تعرضوا له.
المحكمة والقضية الفلسطينية
في القضية الفلسطينية، أصدرت المحكمة في نوفمبر 2024 مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بعد أن رفضت الطعون الإسرائيلية في اختصاصها وأعلنت وجود أساس قانوني لإصدار المذكرات.
وهنا تحديدا أصبحت المحكمة في قلب مواجهة سياسية شديدة الحساسية، إذ رفضت إسرائيل والولايات المتحدة اختصاصها، بينما اعتبرت المحكمة أن ولايتها تستند إلى القواعد القانونية التي تحكم اختصاصها.
ولا تكمن خطورة العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية في كونها خلافا دبلوماسيا بين دولة ومؤسسة دولية فحسب، وإنما في احتمال تحولها إلى سابقة تجعل العدالة نفسها عرضة للعقاب عندما تقترب من مناطق النفوذ.
رؤية أمريكية لاختصاصات المحكمة
يعتقد عضو الحزب الجمهوري والأكاديمي المقيم في واشنطن، نبيل ميخائيل، أن الإجراءات التي اتخذتها إدارة الرئيس دونالد ترامب بحق المحكمة الجنائية الدولية تأتي استمرارا لرؤية أمريكية ترى أن المحكمة تتجاوز حدود اختصاصها، وتنتهك سيادة الدول على نظمها القانونية، فضلا عن تدخلها في الشؤون الداخلية للدول.
وأضاف ميخائيل، في حديث لـ”صفر”، أن تقييم مدى تعارض هذا التوجه مع حقوق الإنسان يعتمد على طبيعة الاتهامات الموجهة والأشخاص الذين تنظر المحكمة في قضاياهم، خاصة في الحالات التي ترى فيها الولايات المتحدة أن المحكمة لا تملك اختصاصا لمحاكمتهم أو النظر في ملفاتهم، قائلا: “لا يمكن في الوقت نفسه تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان، خصوصا عندما تكون الاتهامات على درجة كبيرة من الخطورة”.
ويعكس هذا الطرح جانبا من الجدل الدائر حول المحكمة الجنائية الدولية، بين من يرى أن تحركاتها تمثل تجاوزا لمبدأ سيادة الدول واختصاص محاكمها الوطنية، ومن يعتبر أن استقلال العدالة الدولية ضرورة لمواجهة الجرائم والانتهاكات الخطيرة، خصوصا عندما تعجز السلطات الوطنية عن التحقيق فيها أو محاسبة مرتكبيها.
تهديد استقلال القضاء الدولي
في السياق نفسه، يرى أستاذ العلوم السياسية المختص بالشؤون الأمريكية، الدكتور سعيد صادق، أن استمرار العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية منذ صدور الأمر التنفيذي الأول في فبراير 2025، وتصاعدها حتى أغسطس 2026، يعكسان صراعا أعمق بين مبدأ السيادة الوطنية ومفهوم العدالة الجنائية الدولية.
وأوضح صادق، في حديث لـ”صفر”، أن الولايات المتحدة ليست طرفا في نظام روما الأساسي، وترفض منذ إنشاء المحكمة خضوع مواطنيها أو جنودها لاختصاصها، مشيرا إلى أن المواجهة تصاعدت مع تحقيقات المحكمة المتعلقة بأفغانستان، فضلا عن مذكرات التوقيف التي صدرت عام 2024 بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وفي أغسطس 2026، فرضت واشنطن عقوبات على رئيسة المحكمة توموكو أكاني والمدعي البارز عبد الله سييه، في أحدث تصعيد ضد المحكمة.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى وجود قراءتين متعارضتين للتحرك الأمريكي، الأولى التي يتبناها مؤيدو العقوبات، ترى أن المحكمة تتجاوز حدود ولايتها وتستهدف دولا غير أعضاء فيها، بما يهدد السيادة الوطنية والأمن القومي، فضلا عن ضرورة حماية المسؤولين والجنود الأمريكيين والإسرائيليين مما يعتبرونه ملاحقات سياسية أو “حربا قانونية”، ويأتي هذا الموقف امتدادا لتاريخ طويل من التحفظ الأمريكي على المحكمة، التي لم تنضم إليها واشنطن كدولة طرف.
وفي المقابل، يرى منتقدو العقوبات، بحسب صادق، أنها تمثل هجوما مباشرا على استقلال القضاء الدولي، وقد تعرقل التحقيق في الجرائم الدولية الخطيرة، بما فيها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، كما أن استهداف القضاة والمدعين بسبب عملهم القضائي، من وجهة نظر هؤلاء المنتقدين، يخلق سابقة خطيرة قد تضعف منظومة العدالة الدولية وتؤثر في قدرة المحكمة على خدمة الضحايا في مناطق النزاع المختلفة.
ولفت صادق إلى أن استمرار العقوبات وتصاعدها يفرضان تحديات عملية على المحكمة والعاملين فيها، إلى جانب الضغوط الدبلوماسية والدعاوى القضائية المضادة، ويثيران تساؤلات حول مستقبل المساءلة الدولية عندما تستخدم قوة اقتصادية كبرى أدواتها للضغط على مؤسسة قضائية دولية. وقد أعلنت أربع منظمات حقوقية أمريكية بالفعل رفع دعوى ضد إدارة ترامب، معتبرة أن نظام العقوبات يعرقل قدرتها على التعاون مع المحكمة في السعي إلى تحقيق العدالة في جرائم دولية خطيرة.
وشدد صادق على أن محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة ليست في حد ذاتها مسارًا يهدد حقوق الإنسان، بل تمثل أحد أعمدة حمايتها، موضحا أن الطريقة التي تُمارس بها المحاسبة والسياق السياسي المحيط بها يمكن أن يحولاها إلى أداة تضر بحقوق الإنسان أو تضعف آليات حمايتها.
وخلص إلى أن غياب النزاهة والاستقلال والشمولية يحول مسار العدالة إلى مصدر خطر، مؤكدا أن المحاسبة عندما تُمارس بعدالة وشفافية ودون انتقائية تعزز حقوق الإنسان، بينما تتحول، عندما تُسيس أو تُحاصر، إلى ساحة صراع سياسي يضر بالضحايا وبالنظام الدولي معا.
عرقلة سير العدالة
من جانبه، قال المحامي بالجنائية الدولية والحقوقي الدولي عبد المجيد مراري، إن “الإجراء الذي اتخذته الإدارة الأمريكية بحق رئيسة المحكمة الجنائية الدولية ومسؤول التحقيق داخل مكتب المدعي العام، وقبلهم عدد من القضاة، إجراء غير قانوني على الإطلاق”، مؤكدا أنه لا يوجد ما يبرر هذا التصرف، لا من حيث القانون ولا من حيث العرف الجاري به العمل على مستوى العدالة الدولية.
وأوضح مراري، في تصريحات لـ”صفر”، أن هذه الأفعال تندرج ضمن محاولات عرقلة سير العدالة، وهو ما نصت عليه إحدى مواد نظام روما الأساسي، الذي يعتبر أن كل من يعرقل سير العدالة يمكن متابعته ومحاسبته من قبل المحكمة الجنائية الدولية، مشددا على أن هذا الأمر يمثل ازدراء للقضاء وعرقلة لسير العدالة الدولية، كما يهدد مستقبل القضاة والمحققين.
وأشار إلى التناقض الصارخ في مواقف الولايات المتحدة ، التي طالما قدمت دروسا في استقلال القضاء، لكن إدارتها الحالية تصر على تسييس القضاء الدولي والتدخل فيه لسبب بسيط، وهو أن المحكمة استعملت قواعد القانون الدولي وعاقبت المجرمين الحقيقيين، مؤكدا أن المحكمة الآن تدفع ثمن مواقفها، خاصة المذكرات التي صدرت بحق نتنياهو وغالانت، بالإضافة إلى المذكرات السابقة.
وردا على سؤال حول مدى تهديد هذا المسار لحقوق الإنسان بشكل عام، أكد المحامي بالجنائية الدولية والحقوقي الدولي عبد المجيد مراري أن استقلال القضاء هو العمود الفقري لحقوق الإنسان، مشددا على ضرورة تمتع المتهم بمحاكمة عادلة أمام قضاء مستقل.
وحذر مراري من أنه عندما يصبح القضاة مهددين بسبب ممارستهم لمهامهم وتطبيقهم للقانون وتحليهم بالنزاهة والحياد، فإن ذلك يعد دعوة لأن يكون القاضي فاسدا ومسيسا، لافتا إلى أن الإدارة الأمريكية تريد قاضيا يراعي أن المتابعة أمامه تخص طرفا إسرائيلياً وليس إفريقياً.
ووصف مراري هذا التوجه بأنه أمر خطير يحول المتابعات القضائية إلى ملاحقات انتقائية وليست مبنية على أساس قانوني سليم، مؤكدا أن هذه الإجراءات الأمريكية تمثل رسالة مباشرة ضد القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، ومناصرة لنهج الإبادة الذي تنتهجه إسرائيل، لا سيما أن الإدارة الأمريكية تعاقب كل من له موقف ضد الإبادة الجماعية وضد الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.
