منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وقود في البحر ومحطات فارغة.. سلسلة إمداد الطاقة تختبر حماية اللبنانيين

15 أغسطس 2026
لبنان يعاني من أزمة نقص الوقود
لبنان يعاني من أزمة نقص الوقود

رغم وجود شحنات البنزين قبالة الساحل اللبناني، عادت السيارات إلى الاصطفاف أمام المحطات، هذه المفارقة تختصر جانبا أساسيا من أزمة الوقود الأخيرة: توافر السلعة داخل حدود البلد لا يعني بالضرورة قدرة السكان على الوصول إليها.

فبين الباخرة وخزان السيارة سلسلة من الفحص والتفريغ والتخزين والتوزيع والرقابة، وأي تعطل فيها يمكن أن ينتقل أثره سريعا إلى التنقل والعمل والوصول إلى المستشفيات والمدارس، خصوصا في بلد تعاني نسبة كبيرة من سكانه أصلا من ضغوط معيشية حادة.

تأتي الأزمة في سياق اقتصادي واجتماعي ضاغط، فقد قدر البنك الدولي معدل الفقر في لبنان بنحو 44% في عام 2022، مقارنة بـ12% في 2012، فيما أظهرت بيانات الأمم المتحدة أن 13% من السكان ظلوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي في مطلع 2026، رغم تراجع النسبة من ذروة بلغت 24% في أواخر 2024.

نقص الوقود في لبنان

في بيئة كهذه، لا تتوزع آثار نقص الوقود بالتساوي، فالأسرة القادرة على تحمل ارتفاع كلفة النقل أو إيجاد بدائل ليست في الموقع نفسه الذي توجد فيه أسرة محدودة الدخل تعتمد على التنقل اليومي للوصول إلى العمل أو العلاج أو التعليم.

وتشير خطة الاستجابة للبنان لعام 2026 إلى أن ارتفاع تكاليف النقل ونقص الطاقة لا يزالان من العوامل التي تعوق الوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصا في المناطق الأكثر تضررا.

لا يقرر القانون الدولي لحقوق الإنسان حقا مستقلا في الحصول على البنزين، ولذلك لا يصبح كل نقص في الوقود انتهاكا حقوقيا بمجرد حدوثه، لكن المسألة تتغير عندما يؤدي تعطل الإمدادات أو ارتفاع كلفة الوصول إليها إلى تقويض القدرة الفعلية على التمتع بحقوق أخرى.

فالمريض الذي لا يستطيع الوصول إلى منشأة صحية، والعامل الذي تتعطل قدرته على الوصول إلى عمله، والطالب الذي يصبح انتقاله إلى مدرسته أكثر صعوبة، لا يتأثرون بسلعة مفقودة فحسب، وإنما بالخدمة أو الحق الذي كان الوقود وسيلة للوصول إليه.

ومن هنا، يصبح معيار النظر إلى الأزمة هو أثرها الفعلي في السكان ومدتها والفئات الأكثر تضررا منها وكيفية إدارة السلطات للإمدادات المتاحة.

ماذا حدث بين الباخرة والمحطة؟

أفادت تقارير بأن تأخر تفريغ شحنات بنزين مستوردة ارتبط بمسألة تتعلق بمستوى الكبريت في الوقود، قبل السماح بتفريغ الشحنات وبدء معالجة النقص، لكن الأزمة كشفت نقطة تتجاوز سبب التأخير نفسه، فوجود كميات من الوقود على متن السفن لم يمنع ظهور شكاوى من نقص البنزين وإغلاق بعض المحطات، ما يسلط الضوء على سلسلة أطول من مجرد الاستيراد.

وتشمل هذه السلسلة فحص الشحنات والتأكد من مطابقتها للمواصفات، ثم السماح بالتفريغ والتخزين ونقل الكميات إلى الموزعين والمحطات، وصولا إلى بيعها للمستهلكين، ولذلك فإن معرفة موضع التعطل في كل أزمة تصبح ضرورية لتحديد المسؤولية ومنع تكرارها.

مسؤولية تبدأ قبل الوصول للمحطة

يرى القانوني اللبناني حسن الزعيتري أن مسؤولية الدولة في مثل هذه الأزمات لا تتوقف عند تأمين المخزون، وإنما تشمل ضمان الشفافية والمساواة في التوزيع، ومنع الاحتكار أو حجب الكميات إذا ثبت وجود ممارسات من هذا النوع.

ويقول الزعيتري، في حديثه لـ”صفر”، إن سرعة تدخل السلطات ووضوح معايير التعامل مع الشحنات وآليات توزيعها تكتسب أهمية حقوقية عندما يهدد نقص الوقود قدرة السكان على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

ويضيف أن المسؤولية ترتبط كذلك بكيفية إدارة السلطات للاضطراب ومدى ضمان وصول الموارد إلى السكان بصورة عادلة ومن دون تمييز.

ويرى أن استمرار النقص عندما ينعكس على التنقل والعمل والصحة والخدمات يستدعي رقابة أكثر فاعلية على سلسلة التوريد، ومساءلة أي جهة يثبت استغلالها للأزمة أو حجبها للسلع.

مسافة لا تنتهي عند المرفأ

تفريغ الشحنة ينهي انتظار الباخرة، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة بالنسبة إلى المواطن، فما يحدد نجاح إدارة الوقود هو قدرة الكمية المستوردة على عبور بقية الطريق حتى تصل إلى المحطات والمناطق المختلفة من دون احتكار أو اختناق أو تفاوت غير مبرر في التوزيع.

وفي بلد مثل لبنان يعيش جزء كبير من سكانه تحت ضغوط الفقر وكلفة المعيشة، يمكن لخلل قصير في هذه السلسلة أن يترك أثرا أكبر على من لا يملكون بدائل للنقل أو قدرة على تحمل زيادة الكلفة.

لذلك لا تقاس حماية السكان بعدد أطنان البنزين التي تدخل البلاد وحده، بل بما إذا كان نظام الإمداد قادرا على إيصالها إليهم عندما يحتاجون إليها، فالوقود الموجود في البحر لا ينقل مريضاً إلى المستشفى، ولا عاملا إلى عمله، إلى أن تنجح السلسلة كلها في إيصاله إلى الطريق.