منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

من المصنع إلى الأسواق.. توسيع حظر الشركات الصينية يفتح ملف سلاسل التوريد والعمل القسري

14 أغسطس 2026

أعادت الولايات المتحدة ملف العمل القسري في إقليم شينجيانغ الصيني إلى واجهة النقاش حول الأعمال وحقوق الإنسان، بعدما وسّعت في 31 يوليو 2026 قائمة الشركات التي يحظر دخول منتجات مرتبطة بها إلى السوق الأمريكية، مضيفة 43 شركة صينية تعمل في قطاعات تمتد من الإلكترونيات ومكونات البطاريات والطاقة إلى الأغذية والمعادن.

ولا تكمن أهمية القرار في عدد الشركات التي شملها أو في كونه إجراءً جديداً ضمن التوتر التجاري بين واشنطن وبكين فحسب، بل في التحول الذي يعكسه في طريقة التعامل مع الانتهاكات الحقوقية المحتملة: فبدلاً من حصر المسؤولية في الدولة التي تقع الانتهاكات داخل أراضيها، أصبحت الشركات والموردون والمستوردون مطالبين بصورة متزايدة بإثبات أن المواد التي تدخل في منتجاتهم لم تصل إليهم عبر سلاسل إنتاج مرتبطة بالعمل القسري.

وبموجب التحديث الجديد ارتفع عدد الكيانات المدرجة على قائمة قانون منع العمل القسري للأويغور في الولايات المتحدة من 144 إلى 187 شركة، في أكبر إضافة واحدة منذ بدء تطبيق القانون، وقالت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية إن أربعاً من الشركات الجديدة أدرجت بسبب ما قالت إنه ارتباطها ببرامج لتجنيد أو نقل أو استقبال أويغور وأفراد من مجموعات أخرى.

وأدرجت 41 شركة بسبب حصولها على مواد من شينجيانغ أو من جهات مرتبطة ببرامج عمل حكومية في الإقليم، وتشمل الشركات قطاعات ذات حضور واسع في الاقتصاد العالمي، بينها مواد البطاريات المستخدمة في المركبات الكهربائية وتخزين الطاقة، ومكونات إلكترونية، والألمنيوم، والذهب، والمواد الغذائية، ما يجعل آثار القرار تمتد إلى ما هو أبعد من الشركات المدرجة نفسها لتطول الشركات التي تشتري منها أو تستخدم مكوناتها في منتجات نهائية.

الصين والعمل القسري

لا يعني الإدراج الأمريكي أن محكمة أثبتت بصورة فردية تورط كل شركة في استخدام العمل القسري، فالقانون الأمريكي يعمل وفق آلية مختلفة تقوم على افتراض أن السلع المنتجة بصورة كلية أو جزئية في شينجيانغ، أو بواسطة جهات مدرجة على القائمة، مرتبطة بالعمل القسري، ومن ثم تمنع من دخول السوق الأمريكية ما لم يتمكن المستورد من تقديم أدلة كافية تثبت خلاف ذلك.

وهذه النقطة مهمة في تقييم التطور حقوقياً؛ فالقرار يمثل أداة تجارية وإدارية للوقاية من دخول منتجات يشتبه في ارتباطها بانتهاكات، وليس حكماً جنائياً على الشركات المشمولة به، لكنه في المقابل ينقل عبءاً كبيراً إلى المستورد والشركة التي تضع المنتج النهائي في السوق، إذ لم يعد كافياً القول إن الشركة لم تستخدم العمل القسري داخل مصانعها بصورة مباشرة، وإنما أصبح عليها أن تعرف كذلك ما يحدث في المراحل السابقة من سلسلة التوريد.

الصين رفضت الاتهامات والإجراءات الأمريكية بصورة كاملة، وقالت وزارة التجارة الصينية في الأول من أغسطس إن إضافة الشركات إلى القائمة لا تستند، بحسب موقفها، إلى أساس واقعي، ووصفت الإجراءات بأنها عقوبات أحادية تضر بالحقوق المشروعة للشركات وتؤثر في استقرار سلاسل التوريد العالمية.

وتؤكد الحكومة الصينية أن قوانينها تحظر العمل القسري وأن برامج العمل في شينجيانغ تهدف إلى توفير فرص العمل والتنمية والحد من الفقر، وترفض الاتهامات المتعلقة بإجبار الأويغور وغيرهم من الأقليات على العمل باعتبارها ادعاءات مسيسة تستخدم للضغط الاقتصادي عليها.

مراجعة للوثائق والسياسات

غير أن الجدل حول العمل في شينجيانغ لا يستند إلى الموقف الأمريكي وحده، ففي تقييم أصدرته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عام 2022 بعد مراجعة واسعة للوثائق والسياسات وشهادات الأفراد والمعلومات الحكومية، قالت المفوضية إن المعلومات المتاحة بشأن بعض برامج نقل «فائض العمالة» في شينجيانغ تشير إلى احتمال استخدام أساليب قسرية في استقدام العمال.

وتناول التقرير العمل داخل مراكز التعليم والتدريب المهني السابقة، مشيراً إلى شهادات أشخاص قالوا إنهم لم يكونوا قادرين على رفض العمل في ظل الخوف من استمرار احتجازهم، وتوصل التقييم الأوسع للمفوضية إلى أن الانتهاكات الجسيمة التي وثّقها بحق الأويغور وغيرهم من المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة قد ترقى، وفق ظروفها، إلى جرائم دولية ولا سيما جرائم ضد الإنسانية.

واستمرت القضية خلال 2026، ففي يناير أعرب خبراء حقوقيون تابعون للأمم المتحدة عن قلقهم إزاء ما وصفوه بتقارير مستمرة عن العمل القسري الذي يؤثر في الأويغور والكازاخ والقرغيز والتبتيين في مناطق مختلفة من الصين، وقالوا إن بعض العناصر القسرية المبلغ عنها شديدة إلى درجة قد تثير قضايا مرتبطة بالنقل القسري أو الاسترقاق.

وردّت الصين آنذاك بأن هذه الادعاءات ملفقة ولا تعكس الواقع، واتهمت الجهات المنتقدة لها بالاعتماد على معلومات منحازة، وبذلك تبقى الروايتان متعارضتين بصورة حادة، لكن استمرار اهتمام آليات أممية متعددة بالملف يمنع التعامل معه باعتباره خلافاً تجارياً أمريكياً–صينياً فقط.

ادعاءات العمل القسري

في أحدث مراجعات منظمة العمل الدولية، أعادت لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات خلال دورة 2026 تناول المعلومات المتعلقة ببرامج نقل العمالة في شينجيانغ والتبت في إطار اتفاقية العمل الجبري رقم 29، التي صادقت عليها الصين في عام 2022، وسجلت اللجنة الملاحظات التي قدمها الاتحاد الدولي لنقابات العمال بشأن ادعاءات العمل القسري المنظم، وطلبت من الحكومة الصينية تقديم تعليقات ومعلومات بشأنها، ولا يمثل تسجيل هذه الادعاءات بحد ذاته حكماً نهائياً من منظمة العمل الدولية بوقوع كل ما ورد فيها، لكنه يوضح أن القضية أصبحت جزءاً من الرقابة الرسمية على التزام الصين بالاتفاقية الدولية الخاصة بحظر العمل الجبري.

وهنا تبدأ الدلالة الأوسع للتطور الأمريكي الأخير، فاقتصادياً، يمكن أن تمر المادة الخام الواحدة بعدد كبير من الشركات قبل أن تصل إلى المستهلك، قد يستخرج معدن في منطقة، ثم يعالج في مصنع آخر، ويدخل بعد ذلك في مكون تصنعه شركة ثالثة، قبل أن يستخدم في بطارية أو جهاز إلكتروني أو سيارة تحمل في النهاية علامة تجارية لا علاقة ظاهرة لها بالمصنع الأول، وكلما طالت هذه السلسلة، أصبح من الصعب على المستهلك معرفة ظروف إنتاج السلعة، كما أصبح من السهل على الشركة النهائية القول إنها لا تعرف ما يحدث لدى الموردين في الطبقات البعيدة من شبكتها.

لكن هذا الدفاع أصبح أقل قبولاً ضمن المعايير الدولية الحديثة للأعمال وحقوق الإنسان، فالمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان لا تقصر مسؤولية الشركة على الانتهاكات التي ترتكبها بنفسها، وإنما تطالبها أيضاً بمحاولة منع أو تخفيف الآثار الحقوقية السلبية المرتبطة مباشرة بعملياتها أو منتجاتها أو خدماتها من خلال علاقاتها التجارية، حتى عندما لا تكون الشركة نفسها قد ارتكبت الانتهاك، ولهذا طورت المبادئ مفهوم «العناية الواجبة بحقوق الإنسان»، الذي يقتضي تحديد المخاطر الفعلية والمحتملة، واتخاذ إجراءات لمنعها أو تخفيفها، ثم متابعة فعالية هذه الإجراءات والإفصاح عن كيفية التعامل معها.

تحذيرات حقوقية متكررة

تصبح هذه المسؤولية أكثر أهمية عندما تعمل الشركة في قطاع أو منطقة توجد بشأنها تحذيرات حقوقية متكررة، فالمبادئ الأممية توضح أن الشركات التي لديها سلاسل توريد ضخمة قد لا تستطيع فحص كل علاقة تجارية بالمستوى نفسه، لكنها مطالبة بإعطاء الأولوية للمناطق والعمليات والموردين الذين تنطوي علاقتهم على أعلى مخاطر حقوقية.

وفي حالة شينجيانغ، يصعب على الشركات الكبرى اليوم الادعاء بأنها لم تكن على علم بوجود مخاطر محتملة، بالنظر إلى سنوات من التقارير الحكومية والأممية والحقوقية والتحقيقات الصحفية التي تناولت ظروف العمل وبرامج نقل العمال، وهذا لا يعني أن كل منتج مصدره الإقليم مصنوع بالعمل القسري، لكنه يعني أن مستوى التدقيق المطلوب لا يمكن أن يكون مماثلاً لسلسلة توريد لا توجد بشأنها مؤشرات خطر مماثلة.

وتظهر الصعوبة الحقيقية عندما تحاول الشركات إجراء هذا التدقيق داخل بيئة تكون فيها إمكانية الوصول المستقل محدودة، فقد أثار خبراء أمميون في مراسلات سابقة إلى شركات متعددة مخاوف من أن المؤسسات الدولية التي تشتري من مصانع داخل الصين، بما فيها مصانع مرتبطة بشينجيانغ، قد لا تكون قادرة دائماً على الوصول بحرية إلى مواقع الإنتاج أو مقابلة العمال في ظروف تسمح بتقييم ما إذا كانت مشاركتهم في برامج العمل طوعية فعلاً.

وهذا يخلق معضلة مهمة، فالشركة قد تمتلك سياسة متقدمة للعناية الواجبة على الورق، لكنها لا تستطيع تنفيذها بصورة موثوقة إذا كان التدقيق يعتمد على زيارات مراقبة ومقابلات لا يمكن إجراؤها بصورة مستقلة.

التحول العالمي للطاقة والتكنولوجيا

هذه المعضلة هي التي تجعل القطاعات التي ظهرت في قائمة يوليو أكثر حساسية، فالشركات الجديدة لا تعمل فقط في صناعات محلية محدودة، وإنما في مواد تدخل في التحول العالمي للطاقة والتكنولوجيا؛ من الليثيوم ومواد البطاريات إلى الألمنيوم والبولي سيليكون والمكونات الإلكترونية.

وأشار الإشعار الأمريكي، بحسب رويترز، إلى شركات تنتج مواد تستخدم في بطاريات المركبات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، وأخرى تنتج مكونات تدخل في الإلكترونيات والمعدات الصناعية والسيارات وأنظمة الطاقة المتجددة، كما شملت القائمة شركات أغذية ومعادن لها أسواق أو مشاريع خارج الصين.

وبذلك تظهر مفارقة حقوقية جديدة: فالتحول نحو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، الذي يقدم عالمياً باعتباره جزءاً من انتقال اقتصادي وبيئي أكثر استدامة، يمكن أن يواجه أزمة شرعية إذا كانت بعض مواده الأساسية تمر عبر سلاسل توريد لا تستطيع الشركات التأكد من خلوها من العمل القسري، وهذا لا يتعلق بالصين وحدها، بل بمبدأ أوسع مفاده أن المنتج الذي يحقق هدفاً بيئياً أو اقتصادياً لا يصبح «مسؤولاً» تلقائياً إذا كانت عملية إنتاجه مرتبطة بانتهاك حقوق العمال.

حقوق الإنسان وحماية العمال

في الوقت نفسه، ينبغي التمييز بين استخدام معايير حقوق الإنسان لحماية العمال وبين استخدام الملف ضمن المنافسة الاقتصادية بين الدول، فبكين ترى أن الولايات المتحدة تستغل قضية شينجيانغ لفرض قيود على شركات صينية منافسة، وتقول إن التوسعات المتتالية للقائمة تؤثر في التجارة وسلاسل الإمداد الدولية من دون أدلة كافية، وهذا الاعتراض يجعل الشفافية في اختيار الشركات والأدلة التي تستند إليها إجراءات الحظر مسألة ضرورية أيضاً؛ إذ إن الدفاع عن حقوق العمال لا يعفي الحكومات التي تفرض القيود من ضرورة توفير إجراءات واضحة ومعايير قابلة للمراجعة، حتى لا يتحول الملف الحقوقي إلى أداة تجارية غير خاضعة للتدقيق.

لكن حتى إذا استمر الخلاف السياسي حول الإجراءات الأمريكية، فإن القضية الأوسع التي أثارتها لن تختفي، فالمعايير الأممية للأعمال وحقوق الإنسان لا تعتمد على وجود العقوبات الأمريكية كي تطالب الشركات بتحديد آثارها الحقوقية، كما أن مسؤولية احترام حقوق الإنسان، وفق مفوضية الأمم المتحدة، تنطبق على الشركات بصرف النظر عن قدرة الحكومات أو رغبتها في تنفيذ التزاماتها، وإذا وقع انتهاك، يفترض كذلك أن تكون هناك إمكانية لوصول الضحايا إلى سبل انتصاف فعالة، وهي الحلقة التي تصبح شديدة الصعوبة عندما تمتد سلسلة الإنتاج عبر عدة دول وشركات.

ومن هنا فإن إضافة 43 شركة جديدة إلى القائمة الأمريكية لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها جولة أخرى من العقوبات بين واشنطن وبكين، فالتطور يكشف انتقالاً أوسع في التفكير الحقوقي من سؤال بسيط هو «من ارتكب العمل القسري؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً هو من استفاد اقتصادياً من سلسلة الإنتاج، ومن كان قادراً على معرفة الخطر، وماذا فعل لمنعه؟، وبين الشركة التي تستخدم العامل مباشرة، والمصنع الذي يشتري مادته الخام، والمستورد الذي يدخل المكون إلى دولة أخرى، والعلامة التجارية التي تبيع المنتج النهائي، تتشكل سلسلة طويلة يمكن أن تضيع داخلها المسؤولية إذا تعامل كل طرف مع الانتهاك باعتباره مشكلة تخص الطرف الذي يسبقه.

التجارة وحقوق الإنسان

لهذا يمثل ملف شينجيانغ اختباراً متقدماً لمستقبل العلاقة بين التجارة وحقوق الإنسان، فإما أن تصبح معرفة مصدر المنتج وظروف إنتاجه جزءاً أصيلاً من مسؤولية الشركات، أو يبقى الاقتصاد العالمي قادراً على توزيع مراحل الإنتاج بطريقة تجعل المنتج يصل إلى المستهلك بينما تبقى ظروف العامل في بداية السلسلة خارج مجال الرؤية.

والتحدي الحقيقي لن يكون في زيادة عدد الشركات المدرجة على قوائم الحظر فقط، بل في بناء منظومة تستطيع التحقق من سلاسل التوريد بصورة مستقلة، وتمييز الشركات التي تتخذ إجراءات جدية عن تلك التي تكتفي بسياسات مكتوبة، وضمان أن حماية العمال لا تصبح بدورها ذريعة لإجراءات تجارية تفتقر إلى الشفافية.

وبهذا المعنى، فإن القضية التي أعادتها إجراءات يوليو إلى الواجهة تتجاوز الأويغور والصين والولايات المتحدة معاً، لتصل إلى سؤال سيزداد حضوراً في التجارة الدولية خلال السنوات المقبلة: هل يبقى السعر والجودة هما المعياران الأساسيان لاختيار المورد، أم تصبح الطريقة التي صُنع بها المنتج جزءاً لا ينفصل عن مشروعية دخوله إلى السوق؟