منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

السجن بلا أمل أو نهاية هو تعذيب نفسي

11 أغسطس 2026
أُعلن عن مراجعة جديدة لأحكام السجن غير المحددة المدة
أُعلن عن مراجعة جديدة لأحكام السجن غير المحددة المدة

سايمون هاتنستون

دأب القادة السياسيون على تأجيل إصلاح نظام عقوبات الحماية العامة لسنوات، ما دفع سجناء فقدوا الأمل إلى إنهاء حياتهم.

في يناير 2015 أخبر تومي نيكول عائلته بأنه يعاني “تعذيباً نفسياً لشخص يقضي حكماً مدته 99 عاماً”، وكان نيكول قد حُكم عليه قبل ست سنوات بعقوبة السجن لحماية الجمهور (IPP)، بعدما سرق سيارة من مرآب وأصاب صاحبها، وكان قد أمضى بالفعل عامين إضافيين بعد انتهاء مدة عقوبته الأصلية البالغة أربع سنوات، وهي الحد الأدنى من المدة التي يمكن أن يقضيها في السجن قبل النظر في إطلاق سراحه، ثم رفض مجلس الإفراج المشروط طلبه مرة أخرى لمدة عامين، فدخل في حالة من اليأس.

وحتى إذا أُفرج عنه، كان سيخضع لترخيص مدى الحياة، وبعد ثمانية أشهر، أقدم نيكول، وكان يبلغ 37 عاماً، على شنق نفسه في سجن ذا ماونت في هيرتفوردشاير بإنجلترا.

وكانت عقوبة IPP اللاإنسانية قد أُلغيت بالفعل قبل ثلاث سنوات من إنهاء نيكول حياته، لكن المشكلة أنها لم تُطبق بأثر رجعي؛ إذ ظل الأشخاص الذين كانوا يقضون أحكام IPP خاضعين لها.

جاء ذلك رغم أن ديفيد بلانكيت الذي صمم العقوبة واستحدثها عندما كان وزيراً للداخلية عام 2005، وصفها بأنها “أكبر ندم” في مسيرته السياسية.

كما جاء رغم اتفاق المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالتعذيب أليس إدواردز مع تومي نيكول في أن هذه العقوبة تمثل “تعذيباً نفسياً”، والمثير للدهشة أن أكثر من ألفي شخص ما زالوا يقضون أحكام IPP في إنجلترا وويلز.

وأعلن رئيس الوزراء آندي بورنهام الأسبوع الماضي عن مراجعة جديدة للأحكام غير محددة المدة، في إطار خطته لخفض عدد نزلاء السجون، ويبدو أن مراجعة عقوبة أُلغيت قبل 14 عاماً أمر أقرب إلى العبث الكافكاوي، فما الذي تبقى أصلاً لمراجعته؟ فنحن نعلم جميعاً أن أحكام IPP خاطئة، فلم تعد تصدر، وينبغي إعادة إصدار أحكام جديدة بحق من لا يزالون يقضونها، وقد خلصت مراجعات متتالية إلى ذلك، أفلا يبدو من المنطقي ببساطة سن تشريع يحقق هذا الأمر؟.

كانت أحكام IPP تُفرض على أشخاص لا يستحقون أحكاماً بالسجن مدى الحياة، لكنهم كانوا يُعتبرون خطراً على المجتمع، وبموجب هذا النظام، كان يتعين على السجين، بعد انتهاء مدة العقوبة الأصلية، التقدم إلى مجلس الإفراج المشروط لطلب إطلاق سراحه، ولم يكن المجلس يمنح الإفراج إلا إذا اقتنع بأن الجاني لم يعد يشكل خطراً على الجمهور، وهذا يعني أن سجين IPP كان يمكن أن يظل محتجزاً إلى أجل غير محدد.

وكان من المتوقع أن يتلقى عدد قليل جداً من السجناء هذه الأحكام، بمتوسط تقديري يبلغ 900 شخص في أي وقت، وأن تقتصر على الجرائم الخطيرة.

لكن الواقع جاء مختلفاً تماماً، ففي الفترة بين عامي 2005 و2013 حُكم على 8711 شخصاً بعقوبة  IPP، رغم أن عدداً قليلاً منهم فقط صدر الحكم بحقه بعد الموعد النهائي في 31 ديسمبر 2012.

وبينما كانت مدد العقوبات الأصلية طويلة بالنسبة إلى بعضهم، كان معظمهم قد حُكم عليهم بمدد قصيرة بسبب جرائم بسيطة، ومع ذلك، لم يُفرج عن كثيرين منهم قط، وحتى الذين أُفرج عنهم، أُعيد كثير منهم إلى السجن بسبب أبسط خروقات شروط الترخيص، مثل التأخر عن مواعيدهم مع مسؤولي المراقبة.

وكان الأشخاص الذين سُجنوا بموجب أحكام IPP يعانون في كثير من الأحيان من أوضاع هشة أصلاً، ولذلك لم يكن مفاجئاً أن يفقد كثير من السجناء الأمل، كما حدث مع نيكول.

وحتى مارس 2025، كان 94 شخصاً قد أنهوا حياتهم داخل السجن أثناء خضوعهم لهذه العقوبة، كما عُرف أن 44 شخصاً أنهوا حياتهم أثناء وجودهم خارج السجن بموجب الترخيص، رغم أن هذه الأرقام المتعلقة بالمجتمع لم يبدأ تتبعها إلا منذ أبريل 2019، ما يعني أنها قد تكون أعلى من ذلك.

تتعدد القصص المروعة المرتبطة بأحكام IPP، ويخص كثير منها شباباً، مثل مارتن مايرز الذي قضى 18 عاماً في السجن بسبب محاولة سرقة سيجارة، رغم أن مدة عقوبته الأصلية كانت 19 شهراً و27 يوماً عندما صدر الحكم بحقه وهو في الرابعة والعشرين.

كما قضى روني سنكلير 16 عاماً في السجن بموجب حكم IPP  كانت مدته الأصلية ثلاث سنوات، بعدما سرق أصيص زهور وهو في السابعة عشرة.

وكان واين بيل يبلغ 17 عاماً عندما سُجن بموجب حكم IPP بسبب لكم صبي وسرقة دراجة عام 2007، وكانت مدة عقوبته الأصلية عاماً واحداً و350 يوماً، ولا يزال في السجن بعد 19 عاماً.

رغم إلغاء الترخيص مدى الحياة بالنسبة إلى سجناء IPP في عام 2024، لا يزال كثيرون يقضون هذه العقوبة، وحتى يونيو 2026، بلغ عدد سجناء IPP في إنجلترا وويلز 2271 سجيناً، بينهم 856 سجيناً لم يُفرج عنهم و1415 سجيناً أُعيدوا إلى السجن.

ستكون المراجعة المقترحة هي الثالثة منذ عام 2022، عندما خلص تحقيق أجرته لجنة العدل البرلمانية، بمشاركة أحزاب مختلفة، إلى أن أحكام  IPP”معيبة بصورة لا يمكن إصلاحها”، وأوصى بإعادة إصدار الأحكام، ولم يُتخذ أي إجراء، وفي العام الماضي أوصى فريق خبراء تابع لرابطة هوارد بتحديد نوافذ زمنية ثابتة للإفراج عن سجناء  IPP ولم يُتخذ أي إجراء.

كما طرح عضو مجلس اللوردات أنتوني وودلي مشروع قانون خاصاً يدعو إلى إجراء شامل بأثر رجعي لإعادة إصدار الأحكام لجميع السجناء الذين لا يزالون خاضعين لأحكام IPP، وأقر مشروع القانون قراءته الثانية في مجلس اللوردات وانتقل إلى مرحلة اللجنة، لكن الحكومة عرقلته.

وتخشى مجموعة “أنغريب” (Ungripp) التي تقود حملة لإنهاء أحكام IPP، أن تنتهي أي مراجعة جديدة إلى النتيجة نفسها التي انتهت إليها المراجعات السابقة، وقالت المجموعة: “كل مراجعة كانت تعني مزيداً من الوقت الضائع، ومزيداً من الأشخاص الخاضعين لـIPP  الذين يفقدون الأمل، وحتماً مزيداً من حالات الانتحار..كيف يمكننا أن نثق بأن هذه المرة ستكون مختلفة؟”.

يشكل الأمر صدمة؛ إذ إن جميع الأشخاص الـ2271 الذين يقضون أحكام IPP داخل السجون، باستثناء ثلاثة فقط، تجاوزوا بالفعل مدد عقوباتهم الأصلية، ومع إعادة إصدار الأحكام، سيُمنح هؤلاء السجناء الثلاثة أحكاماً محددة المدة تتناسب مع جرائمهم، في حين سيُفرج تدريجياً عن 2268 سجيناً المتبقين، مع توفير الرعاية الاجتماعية والسكن المناسبين لضمان سلامتهم داخل المجتمع، وضمان سلامة المجتمع منهم.

يمكن لمبلغ 60 ألف جنيه إسترليني سنوياً يتم توفيره من تكلفة سجن كل شخص أن يسهم بدرجة كبيرة في تمويل هذه الإجراءات.

فلماذا لم يحدث ذلك حتى الآن؟ الإجابة بسيطة: يخشى القادة السياسيون الظهور بمظهر المتساهل مع الجريمة، ولذلك ظلوا يؤجلون معالجة قضية أحكام IPP. ومع ذلك، تُعد هذه الأحكام غير عادلة على نطاق واسع، ولا يدافع أي سياسي بارز من التيار الرئيسي عن هذه العقوبة الهمجية.

قال كير ستارمر العام الماضي: “من الصواب إلغاء عقوبة  IPP”، لكنه لم يتحلَّ بالشجاعة الكافية لإعادة إصدار أحكام جديدة بحق سجناء IPP، وينبغي على آندي بورنهام أن يكون أكثر شجاعة.

وصف اللورد براون من إيتون-أندر-هايوود، القاضي السابق في المحكمة العليا، عقوبة IPP في تقرير صدر عام 2020 لمصلحة “صندوق إصلاح السجون” بأنها “أكبر وصمة منفردة في نظام العدالة الجنائية لدينا”، وإذا كان بورنهام يريد أن يثبت أنه جاد، فعليه ألا يهتم بمراجعة أخرى، بل أن يسن تشريعاً لإزالة هذه الوصمة المخزية نهائياً.

لقد فات أوان إعادة إصدار الأحكام بالنسبة إلى تومي نيكول والعديد من سجناء IPP الآخرين الذين أنهوا حياتهم، لكن الوقت لم يفت بعد بالنسبة إلى أولئك الذين ما زالوا خلف القضبان يعانون من التعذيب الناجم عن عدم معرفتهم ما إذا كان سجنهم سينتهي يوماً ما.

 ترجمة زينب مكي

نقلاً عن الجارديان