منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من ممر للتهريب إلى سوق متنامٍ.. المخدرات تعمّق أزمات ليبيا الإنسانية

12 أغسطس 2026
مخدرات مضبوطة في ليبيا
مخدرات مضبوطة في ليبيا

لم تعد تجارة المخدرات في ليبيا قضية جنائية محدودة بعمليات تهريب متفرقة، بل تحولت إلى جزء من اقتصاد إجرامي عابر للحدود يتقاطع مع الصراعات المسلحة وضعف مؤسسات الدولة وشبكات تهريب البشر والوقود والأسلحة.

وقال مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في يناير 2026 إن ليبيا أصبحت عقدة رئيسية في طرق عبور المخدرات عبر شمال إفريقيا، وإن حركة القنب والكوكايين والأدوية غير المشروعة والمخدرات الاصطناعية توسعت خلال الفترة من 2020 إلى 2024، بالتوازي مع ارتفاع تعاطي المخدرات داخل البلاد، ولا سيما المواد الاصطناعية. وأكد المكتب أن هذه التجارة باتت تحمل تداعيات مباشرة على الصحة والمجتمع والاستقرار وسيادة القانون.

الكوكايين يكشف حجم التحول

أوضح مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن السلطات الليبية ضبطت خلال 2024 كميات من الكوكايين بلغت قيمتها التقديرية في سوق الشوارع بين 3.7 مليون و7.8 مليون دولار، مع التأكيد أن هذه القيمة تعكس المضبوطات المسجلة فقط ولا تمثل القيمة الحقيقية للتجارة التي قد تكون أكبر بكثير.

وكشفت بيانات أممية أخرى أن ميناء بنغازي شهد في مارس ومايو 2024 ضبط 128 كيلوجراماً من الكوكايين و269 كيلوجراماً من الكوكايين الخام، وأن الشحنتين جاءتا من الإكوادور، وكانت ليبيا نقطة عبور لهما باتجاه أسواق في شبه الجزيرة العربية وأوروبا، ويشير ذلك إلى أن البلاد لا تعمل فقط بوصفها سوق استهلاك، وإنما تؤدي دوراً متزايداً في سلاسل التهريب الإقليمية والدولية.

ممرات تتغير ولا تختفي

قالت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود إن طرق تهريب الكوكايين في منطقة الساحل تغيرت بفعل التحولات السياسية والعسكرية في مالي والنيجر وليبيا، وإن اضطراب طريق لا يعني بالضرورة توقف التجارة، بل يدفع الشبكات إلى إعادة توزيع المخاطر والمسارات.

وأظهرت بيانات المبادرة أن مضبوطات الكوكايين في النيجر وبوركينا فاسو ومالي ارتفعت من متوسط سنوي بلغ 13 كيلوجراماً بين 2015 و2020 إلى 1,466 كيلوجراماً في 2022، وهو مؤشر إقليمي على تصاعد الضغط الذي تواجهه منطقة الساحل من تجارة الكوكايين، وإن كانت المضبوطات لا تصلح وحدها لقياس الحجم الحقيقي للتجارة.

وأوضحت المبادرة العالمية أن التغيرات الأمنية في الساحل، ومنها الانقلابات والصراعات، أدت إلى اضطراب بعض الطرق التقليدية التي كانت تمر عبر شمال النيجر وشمال مالي باتجاه ليبيا، في حين دفعت شبكات التهريب إلى البحث عن مسارات بديلة.

وأكدت المبادرة أن ليبيا ما زالت جزءاً من البيئة الإجرامية الإقليمية التي تتداخل فيها تجارة المخدرات مع تهريب البشر والوقود والأسلحة، وأن المناطق التي تعاني ضعف السيطرة المؤسسية توفر فرصاً للشبكات التي تستطيع نقل نشاطها بسرعة من طريق إلى آخر.

جنوب ليبيا في قلب المعادلة

أشار مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن موقع ليبيا الجغرافي يجعلها حلقة وصل بين أسواق غرب إفريقيا وشمال إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، في حين تؤدي الحدود البرية الواسعة والمناطق الصحراوية النائية إلى تعقيد الرقابة.

وقال المكتب إن الشبكات الإجرامية أصبحت أكثر نشاطاً واستقلالية، وربطت بين موردين في أمريكا اللاتينية وغرب إفريقيا والمشرق وأسواق متعددة حول العالم. وأضاف التقرير أن تجارة المخدرات تتشابك مع منظومة أوسع تشمل تهريب البشر والوقود والأسلحة، ما يجعل التصدي لها قضية تتجاوز عمليات الضبط التقليدية.

وأظهرت دراسات متخصصة حول طرق التهريب بين النيجر وليبيا أن المناطق الحدودية الجنوبية أصبحت جزءاً من اقتصاد غير رسمي واسع يعتمد على شبكات النقل والحماية والوساطة.

وقال المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” إن بعض المتعاملين في تهريب المهاجرين تحولوا إلى تهريب سلع أخرى، منها الوقود والأغذية والكحول والترامادول، في حين أشارت الدراسة نفسها إلى عدم وجود أدلة كافية على انتقال غالبية هؤلاء الأشخاص إلى تجارة المخدرات عالية القيمة مثل الكوكايين، والتي تحتاج إلى علاقات واتصالات وقدرات مختلفة. وتبرز هذه النقطة أهمية عدم الخلط بين كل أشكال التهريب، مع الاعتراف بوجود بيئة إجرامية متداخلة تسهل انتقال الأموال والخبرات والشبكات بين الأنشطة غير المشروعة.

المخدرات الاصطناعية تتمدد

حذر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة من أن الخطر لا يقتصر على الكوكايين، إذ أصبحت المخدرات الاصطناعية والأدوية المتداولة بصورة غير مشروعة جزءاً متزايداً من المشهد الليبي. وقال المكتب إن حجم وتنوع الأدوية التي تُصنع أو تستورد أو تتداول بصورة غير مشروعة في شمال إفريقيا، ومنها ليبيا، ارتفع بصورة حادة خلال العقد الأخير، مشيراً إلى أن المخدرات الاصطناعية تتمتع بمزايا تجذب الشبكات الإجرامية، بينها انخفاض تكاليف الإنتاج وسهولة التصنيع والنقل مقارنة ببعض المخدرات النباتية.

وأكد جهاز مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في ليبيا أن انتشار هذه المواد يظهر أيضاً في السوق المحلية. وقالت وكالة الأنباء الليبية في ديسمبر 2025 إن جهاز مكافحة المخدرات ضبط 299 قرصاً يشتبه في كونها من الترامادول ولاريكا خلال عملية في طرابلس، كما أعلن الجهاز في الشهر نفسه ضبط 100 قرص يشتبه في أنها من لاريكا في قضية أخرى. وفي ديسمبر أيضاً أعلنت السلطات ضبط عدة قضايا تضمنت أقراصاً يشتبه في كونها ترامادول ولاريكا. وتعكس هذه الوقائع تنوع المواد المتداولة في السوق الداخلية، وإن كانت المضبوطات الرسمية لا تسمح وحدها بتقدير حجم الاستهلاك الفعلي.

ضبطيات تكشف نشاط الشبكات

وقد أعلنت وكالة الأنباء الليبية في أغسطس 2025 أن جهاز مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية ضبط 59 قضية مرتبطة بتجارة وتعاطي المواد المخدرة، وألقى القبض على 89 متهماً من جنسيات مختلفة، مع ضبط كميات من أقراص الهلوسة والحشيش، إلى جانب أسلحة وذخائر في بعض القضايا.

وفي مارس 2026 أعلن الجهاز ضبط شخصين في طرابلس وبحوزتهما نحو كيلوجرامين من مادة يشتبه في أنها كوكايين، إضافة إلى 20 كيساً من المادة نفسها، في حين أعلن في مايو 2026 القبض على ثلاثة أشخاص وضبط 23 كيساً يشتبه في احتوائها على الكوكايين.

وأضافت وكالة الأنباء الليبية في أبريل 2026 أن جهاز مكافحة المخدرات ضبط شخصاً في منطقة قرجي بطرابلس وبحوزته 50 كيساً يشتبه في احتوائها على الكوكايين، وأحيلت القضية إلى نيابة مكافحة المخدرات.

وتكشف سلسلة العمليات المعلنة خلال 2025 و2026 عن نشاط متواصل في السوق الداخلية، لكنها في الوقت نفسه تؤكد الحاجة إلى تحسين البيانات الوطنية الموحدة؛ لأن اختلاف طبيعة الضبطيات وتعدد الجهات الأمنية يجعل من الصعب إنتاج سلسلة إحصائية وطنية متكاملة عن حجم التجارة أو عدد المستهلكين.

الأرباح تمول عدم الاستقرار

قال مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إن الاقتصاد غير المشروع للمخدرات يمثل أحد مصادر التمويل التي مكنت جماعات إجرامية ومسلحة ومؤثرين محليين في ليبيا من تعزيز نفوذهم، وإن الأموال الآتية من التهريب يمكن أن تستخدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة لتمويل المقاتلين وشراء ولاءات أو مكافأة أشخاص على التعاون.

وأكد المكتب أن تجارة المخدرات لا يمكن فصلها عن بنية الاقتصاد الإجرامي الأوسع؛ لأن الأرباح غير المشروعة تزيد قدرة الفاعلين المسلحين والشبكات الإجرامية على التأثير في المؤسسات والمجتمعات المحلية.

وقال مكتب الأمم المتحدة في ليبيا إن تجارة المخدرات ليست مجرد قضية عدالة جنائية، بل تمثل تهديداً مباشراً للسلام والأمن وسيادة القانون وسلطة الدولة؛ لأن الإيرادات غير المشروعة تمول الشبكات الإجرامية وتضعف المؤسسات وتطيل أمد عدم الاستقرار.

وشددت نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، إنغبورغ أولريكا أولفسدوتير ريتشاردسون، خلال إطلاق تقرير الأمم المتحدة في طرابلس، على ضرورة التعامل مع تجارة المخدرات باعتبارها اقتصاداً إجرامياً يستدعي استجابة مؤسسية وإقليمية ودولية منسقة.

سوق داخلي يهدد الصحة

أوضح مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن ارتفاع تعاطي المخدرات، خصوصاً المواد الاصطناعية، يمثل جانباً متزايداً من الأزمة الليبية، وأن تغير أنماط التعاطي بين الشباب يرتبط بتزايد الإتاحة وانخفاض الأسعار والصراع والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وأكد المكتب أن الاستجابة ينبغي ألا تقتصر على ملاحقة المهربين، بل تحتاج إلى الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل وخدمات التعافي، خصوصاً للشباب والفئات الأكثر هشاشة.

وفي هذا السياق، عمل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة مع المؤسسات الليبية على تطوير استراتيجية وطنية للاستجابة للمخدرات أقرها رئيس الوزراء، وتتضمن خفض الطلب والحد من الأضرار إلى جانب مكافحة العرض. كما قدم المكتب تدريباً للإدارة العامة لمكافحة المخدرات على جمع البيانات والتحليل الاستخباراتي ومصادر المعلومات المفتوحة، ودعم الخدمات الجنائية والأدلة الفنية، مع الدفع نحو دمج علاج اضطرابات تعاطي المواد في النظام الصحي.

القانون بين الردع والحقوق

ينص القانون الليبي رقم 7 لسنة 1990 بشأن المخدرات والمؤثرات العقلية على عقوبات شديدة في جرائم الاتجار، بينها الإعدام أو السجن المؤبد وغرامات مالية، كما يجرم الحيازة والنقل والبيع والتوسط في الاتجار. وتُظهر وزارة العدل الليبية أن المادة 34 تنص على الإعدام أو السجن المؤبد في حالات الاستيراد أو التصدير أو الإنتاج أو التصنيع غير المرخص بقصد الاتجار، في حين تنص المادة 35 على السجن المؤبد أو السجن مدة لا تقل عن عشر سنوات في بعض جرائم الحيازة والبيع والنقل بقصد الاتجار.

لكن منظمة العفو الدولية وأكثر من 60 منظمة حقوقية وإنسانية شددت في يونيو 2026 على ضرورة عدم استخدام عقوبة الإعدام في جرائم المخدرات، ودعت هيئات الأمم المتحدة والدول إلى احترام الضمانات الدولية لحقوق الإنسان والعمل باتجاه إلغاء هذه العقوبة. وأكدت منظمة العفو الدولية أن 1,257 عملية إعدام معروفة عالمياً في 2025 ارتبطت بجرائم مخدرات في خمس دول، معتبرة أن استخدام الإعدام في هذه الجرائم يتعارض مع المعايير الدولية. ولا يعني ذلك أن ليبيا نفذت إعدامات بسبب المخدرات في الفترة الأخيرة؛ إذ تؤكد منظمة العفو الدولية أن آخر إعدام مؤكد في ليبيا يعود إلى 2010.

ضعف العدالة يزيد المخاطر

قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 إن منظومة العدالة الجنائية في ليبيا تعاني مشكلات خطيرة في ضمانات المحاكمة العادلة، وإن القضاة والمدعين والمحامين يواجهون مخاطر الترهيب والاعتداء، في حين تستمر المحاكم العسكرية في محاكمة مدنيين.

وأكدت المنظمة أن 30 مادة في قانون العقوبات الليبي تنص على عقوبة الإعدام، وأن السلطات لم تنفذ إعدامات منذ 2010، رغم استمرار المحاكم المدنية والعسكرية في إصدار أحكام بالإعدام. وتكتسب هذه الملاحظات أهمية خاصة في ملف المخدرات، لأن مكافحة الشبكات المنظمة تحتاج إلى قضاء مستقل وإجراءات تحقيق ومحاكمة قادرة على تفكيك شبكات التمويل والوسطاء، لا الاقتصار على ضبط الناقلين والمروجين.

تجارة تتكيف مع الحدود

أوصى تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بتعزيز التعاون بين المؤسسات الليبية وشركائها الإقليميين والدوليين، وتحسين تبادل المعلومات وتحليل البيانات وتعزيز قدرات إنفاذ القانون والعدالة الجنائية. وقال المكتب إن مواجهة المخدرات تتطلب تعاوناً عابراً للحدود لأن ليبيا جزء من شبكة تمتد من أمريكا اللاتينية وغرب إفريقيا إلى أوروبا والشرق الأوسط. كما دعا إلى الجمع بين مكافحة العرض وخفض الطلب وتوسيع خدمات الوقاية والعلاج والتعافي، بدل التعامل مع القضية باعتبارها ملفاً أمنياً فقط.

وتشير التطورات الميدانية والبيانات الأممية والليبية إلى أن ليبيا تواجه تحولاً نوعياً في طبيعة تجارة المخدرات، من بلد يعاني عمليات تهريب متفرقة إلى عقدة في شبكة إقليمية ودولية أكثر تعقيداً. وتؤكد قيمة المضبوطات المسجلة من الكوكايين في 2024، والضبطيات المتكررة في طرابلس خلال 2025 و2026، وتنوع المواد بين الكوكايين والحشيش والأدوية والمخدرات الاصطناعية، أن السوق غير المشروع يتخذ أشكالاً متعددة. وفي المقابل، يظل الحجم الحقيقي للتجارة غير معروف؛ لأن المضبوطات لا تمثل سوى الجزء الذي تمكنت السلطات من اكتشافه.

ويبقى التحدي الأوسع أمام ليبيا مرتبطاً بقدرتها على تحويل مكافحة المخدرات من عمليات أمنية منفردة إلى سياسة دولة متكاملة تربط بين حماية الحدود، وتجفيف الأموال غير المشروعة، وتعزيز القضاء، ومكافحة الفساد، وحماية الصحة العامة، وتوفير العلاج وإعادة التأهيل وفي هذا الإطار يؤكد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن تنفيذ الاستراتيجية الوطنية الجديدة وتطوير البيانات والتنسيق بين المؤسسات يمثلان خطوات أساسية، في حين تكشف تقارير هيومن رايتس ووتش عن الحاجة إلى إصلاحات أوسع في منظومة العدالة.

وبينما تتكيف شبكات التهريب بسرعة مع تغير طرق النقل وموازين القوة، تصبح قدرة المؤسسات الليبية على بناء استجابة قانونية وصحية وأمنية متماسكة عاملاً حاسماً في منع اقتصاد المخدرات من التحول إلى مصدر إضافي لتمويل العنف وتقويض الاستقرار الاجتماعي.