منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

هيومن رايتس ووتش تتهم السلطات الليبية بتصعيد الانتهاكات ضد المهاجرين

02 يوليو 2026
احتجاجات ضد المهاجرين في ليبيا
احتجاجات ضد المهاجرين في ليبيا

شهدت ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً لافتاً في التعامل مع المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين، بعدما رافق الخطاب الرسمي الرافض لوجودهم تنفيذ حملات أمنية واسعة شملت الاعتقال والاحتجاز والترحيل، وأثارت هذه التطورات تحذيرات حقوقية من اتساع نطاق الانتهاكات، في وقت تواصل فيه البلاد التعامل مع ملف الهجرة بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً على المستويين الأمني والإنساني.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته اليوم الخميس، إن السلطات المسيطرة على شرق ليبيا وغربها استخدمت خطاباً تحريضياً ضد المهاجرين، ثم تبعته بحملات اعتقال جماعية وعمليات طرد واسعة، الأمر الذي أسهم في تأجيج الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين.

وأكدت المنظمة أن هذه الإجراءات تسببت في احتجاز آلاف الأشخاص داخل ظروف وصفتها بأنها غير إنسانية، داعية السلطات الليبية إلى إنهاء الاعتقالات التعسفية والإفراج عن المحتجزين ووقف عمليات الترحيل الجماعي المخالفة للقانون الدولي.

احتجاجات وخطاب متصاعد

اندلعت الاحتجاجات في الرابع من يونيو 2026 بعدما انتشرت شائعات تزعم وجود خطط لتوطين المهاجرين واللاجئين بصورة دائمة داخل ليبيا، وخرج مئات المحتجين إلى منطقة السراج في العاصمة طرابلس، حيث أغلقوا الطرق المؤدية إلى مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، معبرين عن رفضهم لأي خطوات تتعلق بإقامة المهاجرين بشكل دائم داخل البلاد.

وترى هيومن رايتس ووتش أن الاحتجاجات جاءت بعد أشهر من الخطاب الرسمي الذي ركز على رفض التوطين وربط وجود المهاجرين بمخاوف أمنية وديموغرافية، وهو ما خلق بيئة أكثر توتراً وأسهم في زيادة المشاعر العدائية تجاه الأجانب.

وقالت حنان صلاح، المديرة المشاركة لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المنظمة، إن السلطات المتنافسة في شرق ليبيا وغربها اجتمعت فعلياً عند تبني خطاب معادٍ للأجانب وتنفيذ حملات اعتقال جماعية واحتجاز تعسفي وعمليات طرد واسعة للمهاجرين، مؤكدة أن استمرار احتجاز آلاف الأشخاص يفرض ضرورة التحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات.

إجراءات أمنية في الشرق والغرب

كثفت السلطات الليبية خلال الأيام السابقة للاحتجاجات إجراءاتها الأمنية، وأعلنت في أكثر من مناسبة رفضها القاطع لأي حديث عن توطين المهاجرين داخل البلاد.

وعقدت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس اجتماعاً أمنياً في الثاني من يونيو، أكد خلاله وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي أن ملف الهجرة غير النظامية يمثل أولوية وطنية، مع التركيز على تأمين الحدود وتنظيم العمالة الوافدة ومكافحة الهجرة غير النظامية.

وفي مدينة زوارة فرضت السلطات المحلية حظر تجول ليلياً استهدف المقيمين الأجانب، مبررة القرار بالحفاظ على الأمن والسلامة العامة.

كما أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه أي ترتيبات تتعلق بتوطين المهاجرين، معتبراً أن مثل هذه الخطوات قد تؤثر في الهوية الوطنية والتركيبة السكانية لليبيا.

وفي شرق البلاد، أصدر صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية، تعليمات للأجهزة الأمنية بتكثيف حملات الاعتقال والترحيل بحق المهاجرين الذين وصف وجودهم بغير القانوني، في حين أعلن مجلس النواب رفضه القاطع لأي مشروع للتوطين، مشدداً على ضرورة الحفاظ على الهوية الديموغرافية للبلاد.

اعتقالات وترحيل واسع

أعلنت وزارة الداخلية التابعة لحكومة الوحدة الوطنية أن الأجهزة الأمنية تنفذ حملات ميدانية لضبط المخالفين لقوانين الإقامة واحتجازهم تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، كما أعلنت في الرابع عشر من يونيو ترحيل مجموعة من المواطنين المصريين إلى بلادهم.

وفي المقابل، أكد جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا أنه كثف عملياته بناءً على تعليمات القيادة العسكرية، موضحاً أن السلطات احتجزت أكثر من سبعة آلاف وخمسمئة شخص من جنسيات مختلفة بانتظار ترحيلهم، في حين رحلت أكثر من عشرة آلاف مهاجر خلال الأشهر الأخيرة.

كما أصدر رئيس الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب، أسامة حماد، قراراً يقضي بحظر دخول مواطني السودان وإريتريا وإثيوبيا والصومال إلى الأراضي الليبية.

مخاوف حقوقية متزايدة

أكدت هيومن رايتس ووتش أن الاعتقالات الجماعية وعمليات الترحيل الحالية تمثل امتداداً لنمط طويل من الانتهاكات التي وثقتها منظمات حقوقية ودولية خلال السنوات الماضية بحق المهاجرين والنازحين.

وأشارت المنظمة إلى أن الأمم المتحدة خلصت في تقرير صدر خلال فبراير 2026 إلى أن السلطات الليبية تعتقل المهاجرين وتنقلهم إلى مراكز احتجاز دون إجراءات قانونية، كما تنفذ عمليات ترحيل من دون دراسة فردية لأوضاع الأشخاص أو احتياجاتهم للحماية الدولية، وهو ما يعرض حياة الكثيرين للخطر، خاصة عند الحدود الجنوبية حيث يواجه المرحلون ظروفاً صحراوية قاسية تفتقر إلى المياه والغذاء والرعاية الطبية.

وأضافت المنظمة أن تقاريرها السابقة وثقت أوضاعاً صعبة داخل مراكز الاحتجاز، شملت الاكتظاظ ونقص الغذاء والرعاية الصحية وحالات الضرب والعنف الجنسي، في حين خلصت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في عام 2023 إلى أن الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون داخل تلك المرافق قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

دعوات إلى تحرك دولي

طالبت هيومن رايتس ووتش السلطات الليبية في الشرق والغرب بوقف الاعتقالات الجماعية والإفراج عن المحتجزين الذين لا يواجهون اتهامات قانونية، وإنهاء عمليات الطرد الجماعي، مع ضمان دراسة كل حالة بصورة منفصلة وتمكين الأشخاص من الحصول على المساعدة القانونية والتواصل مع المحامين.

كما دعت المنظمة السلطات الليبية إلى الاعتراف رسمياً بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والسماح لها بأداء مهامها كاملة داخل الأراضي الليبية، ومنها الوصول إلى جميع أماكن احتجاز الأجانب وتقديم الحماية الدولية لطالبي اللجوء واللاجئين.

وطالبت المنظمة الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه بإعادة النظر في آليات التعاون الأمني مع ليبيا، وربط أي دعم مستقبلي بتحقيق تقدم ملموس في ملف حقوق الإنسان، مؤكدة أن استمرار تمويل الجهات المتهمة بارتكاب الانتهاكات يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية الشركاء الدوليين في استمرار هذه الممارسات.

تمثل ليبيا منذ سنوات إحدى أهم نقاط العبور للمهاجرين وطالبي اللجوء الساعين إلى الوصول إلى أوروبا، كما تستقبل أعداداً كبيرة من العمالة الوافدة من دول إفريقيا وآسيا، وتشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وجود أكثر من 110 آلاف لاجئ وطالب لجوء مسجلين داخل ليبيا حتى أبريل 2026، إضافة إلى نحو 559 ألف سوداني فروا من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023.

 ولا تمتلك ليبيا نظاماً وطنياً متكاملاً للجوء، كما أنها ليست طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، الأمر الذي يضع آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء داخل فراغ قانوني يحد من فرص حصولهم على الحماية أو الطعن في قرارات احتجازهم أو ترحيلهم، وفي المقابل، يحظر القانون الدولي، ومنه الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، عمليات الطرد الجماعي، ويلزم السلطات بدراسة أوضاع كل شخص على حدة قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بإبعاده، خاصة إذا كان معرضاً لخطر الاضطهاد أو النزاعات المسلحة في بلده الأصلي.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print