في مشهد الرعاية الصحية المعاصر، تحوّلت البيانات الطبية إلى عملة ثمينة، وأداة حيوية لتطوير العلاجات، وصنع السياسات، وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن السؤال الجوهري الذي يلوح في الأفق لعام 2026 لم يعد “كيف نحمي هذه البيانات؟”، بل “من يملكها أساسًا، وأين حدود استخدامها؟”.
يجيب هذا التقرير اعتماداً على تجارب كل من ألمانيا، كندا، هولندا، بريطانيا، والدنمارك، ليكشف عن تحول جذري في مفهوم “الملكية” من مجرد حق قانوني إلى صراع بين سيادة الفرد، طموحات البحث العلمي، ومتطلبات الأنظمة التقنية الحديثة.
في ألمانيا، يُعرّف قانون حماية البيانات العام الأوروبي (GDPR) البيانات الصحية كـ”بيانات حساسة” (المادة 9)، ما يفرض حظرًا على معالجتها ما لم يتوفر شرطان: أساس قانوني بموجب المادة 6، وشرط استثنائي بموجب المادة 9(2)، مثل موافقة المريض الصريحة أو ضرورة تقديم الرعاية الصحية.
لكن ألمانيا تذهب أبعد من ذلك بفضل قانون استخدام البيانات الصحية (GDNG) الذي أُنشئ مركز أبحاث البيانات الصحية لتسهيل الوصول للبيانات لأغراض المنفعة العامة، مع اشتراط معايير أمنية صارمة مثل شهادة C5 للحوسبة السحابية.
تقول المحامية الألمانية المتخصصة، الدكتورة ماريا شميت، في تصريح لمكتب Schürmann Rosenthal Dreyer: “لم يعد السؤال هل يجوز معالجة البيانات، بل من يدير البنية التحتية التي تتدفق عبرها، وما هي الضمانات المطبقة؟”.
وفي المقابل، احتفظت بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي بهيكل الـGDPR عبر قانون حماية البيانات البريطاني 2018، لكن طفرة حدثت مع قانون البيانات (الاستخدام والوصول) 2025، الذي أدخل أساسًا قانونيًا جديدًا هو “المصالح المشروعة المعترف بها” لأغراض محددة، وخفف قواعد الموافقة الواسعة للبحث العلمي، مما يعكس مرونة أكبر مقارنة بالقارة الأوروبية.
أما كندا فتعتمد على قانون PIPEDA الاتحادي، مع قوانين خاصة في المقاطعات، ويُصنف القانون البيانات الصحية كبيانات حساسة تتطلب أعلى مستويات الموافقة والضمانات، لكن دون وجود إطار موحد يحدد “ملكيتها” بشكل قاطع، مما يترك المجال لتفسيرات قضائية مختلفة.
الذكاء الاصطناعي في التحليل
على صعيد الممارسة، كشفت دراسة نشرت في يونيو 2026 في مجلة JMIR، شملت 390 مريضاً بأمراض روماتيزمية في مستشفى جامعة دوسلدورف الألمانية، عن نتائج مذهلة حيث وقع 74.9% من المرضى موافقة واسعة للتبرع ببياناتهم لمنصة Data Nexus الأوروبية، وتجاوزت نسب الموافقة على البنود الفردية 86%، وشملت استخدام الذكاء الاصطناعي في التحليل، وحتى مشاركة البيانات مع أطراف ثالثة تجارية.
وعلقت الدكتورة جوتا ريختر، الباحثة الرئيسية، بالقول: “هذا دليل قوي على ثقة المرضى عندما يكون هناك إطار حوكمة واضح وشفاف. المرضى يرون الفوائد ويتقبلون المخاطر المُدارة”.
وفي هولندا، اعتمدت دراسة نشرت في مايو 2026 على بيانات من 3,709 مواطناً، وأظهرت أن الثقة المجتمعية هي المتنبئ الرئيسي لتفضيل نظام “الموافقة المسبقة” (Opt-In)، وحذر الباحثون من أن نظام “الاعتراض” (Opt-Out) المقترح في الفضاء الأوروبي للبيانات الصحية (EHDS) قد لا يعكس تفضيلات الجمهور، مما يهدد تمثيلية البيانات وجودتها.
أما دراسة من جامعة غراتس النمساوية (مايو 2026) حول إعادة الموافقة على متبرعي البنوك الحيوية، فوجدت أن ربع المرضى فقط استجابوا في مرحلة “الموافقة المسبقة” (Opt-In)، لكن من وافق، سمح الأغلبية باستخدام بياناتهم دون قيود، مما يدعم فكرة أن العائق ليس رفض المبدأ، بل تعقيد الإجراءات.
مفهوم البيانات الصحية
في مواجهة التحديات الكبرى، أكدت محكمة العدل الأوروبية في سلسلة أحكامها لعام 2026 على تفسير واسع لمفهوم “البيانات الصحية”، بحيث يشمل أي بيانات يمكن من خلالها، عبر الربط أو الاستدلال، استنتاج معلومات عن الصحة، مما يعني أن إخفاء الهوية (Anonymisation) لم يعد ضماناً مطلقاً، خاصة مع تقنيات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي التي تزيد من مخاطر إعادة التعريف.
وأشار تقرير حقوقي صادر في أبريل 2026 إلى أن استخدام الخدمات السحابية الخارجية في الرعاية الصحية، أو تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على بيانات المرضى، يثير إشكاليات قانونية معقدة، ففي ألمانيا يخضع ذلك لقواعد القانون الاجتماعي (SGB V) التي تفرض اشتراطات أمنية صارمة مثل شهادة C5، بينما يُصنف قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي معظم التطبيقات الصحية كـ”أنظمة عالية المخاطر”، ما يرفع سقف الامتثال بشكل كبير.
وقال مسؤول في وزارة الصحة الألمانية: “البيانات الصحية هي جوهر السيادة الصحية للدولة. لا يمكننا السماح بتدفقها بحرية دون ضمانات تحمي مواطنينا، ولكن لا يمكننا عزل أنفسنا عن التقدم العلمي العالمي”، مما يعكس التوتر بين اللوائح الوطنية، مثل القانون الفرنسي الذي يشترط استضافة البيانات داخل المنطقة الاقتصادية الأوروبية، والضغط نحو التعاون الدولي، كما في مشروع BRIDGE بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا والذي يقدم إطاراً من 30 خطوة للتبادل الآمن.
حقوق تواجه تحديات
يكشف الاستقراء عبر الدول الخمس أن مفهوم “ملكية” البيانات الطبية لم يعد ملائماً للوصف القانوني أو العملي، فالقوانين لا تمنح المريض “ملكية” كاملة (حقوق المالك)، بل تمنحه حقوقاً سيادية على بياناته (الموافقة، الإطلاع، التصحيح، الاعتراض)، لكن هذه الحقوق تواجه تحديات كبيرة.
وأشارت تقارير أوروبية حديثة إلى أن تنفيذ حق الإطلاع لا يزال ناقصاً في العديد من الحالات، كما يكرس الفضاء الأوروبي للبيانات الصحية (EHDS) الاستخدام الثانوي للبيانات لأغراض البحث والسياسات، وهو ما قد يتعارض مع التصور الفردي للملكية، في حين بدأت أصوات تطالب بنماذج جديدة مثل “الموافقة الثابتة عبر البلوكشين” و”هوية السيادة الذاتية” لتقديم حلول تقنية تمكن المريض من السيطرة الفعلية، وليس القانونية فقط، على بياناته، وقد أشار تقرير CIOMS لعام 2026 إلى ذلك كفرصة محورية.
وفي النهاية، تؤكد بيانات 2026 أن حماية البيانات الصحية لم تعد مجرد مسألة امتثال قانوني، بل رهان على الثقة، والجهة القادرة على بناء أنظمة حوكمة تجمع بين الشفافية والأمان والمرونة هي من ستمتلك فعلياً مفتاح المستقبل الصحي.
