بين التصفيق تحت قبة البرلمان والتحديات التي ما زالت تواجه النساء خارجها، فتحت الجزائر صفحة جديدة في تاريخها السياسي بانتخاب أول امرأة لرئاسة المجلس الشعبي الوطني، بعدما اختار أعضاء البرلمان خليدة بوفدش لتولي هذا المنصب، في خطوة أعادت طرح سؤال أوسع حول واقع مشاركة المرأة العربية في مواقع صنع القرار، وما إذا كان وصول امرأة إلى قمة السلطة التشريعية يمثل تحولاً حقيقياً في مسار المساواة السياسية أم يظل استثناءً محدوداً داخل منظومة ما زالت تواجه معوقات متعددة.
وانتخب أعضاء المجلس الشعبي الوطني الجزائري أخيراً خليدة بوفدش البالغة من العمر 44 عاماً رئيسة للمجلس، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ استقلال الجزائر عام 1962. وتعمل بوفدش طبيبة متخصصة في أمراض الحساسية والمناعة السريرية، كما تنتمي إلى حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري الذي حصل على 91 مقعداً من أصل 407 مقاعد خلال الانتخابات الأخيرة، ليصبح الكتلة الحزبية الكبرى داخل المجلس.
محطة سياسية غير مسبوقة
يمثل انتخاب خليدة بوفدش لرئاسة البرلمان محطة سياسية غير مسبوقة، إذ أصبحت أول امرأة تقود أعلى مؤسسة تشريعية في الجزائر، في خطوة اعتبرتها جهات حقوقية وسياسية مؤشراً على تطور حضور المرأة في مؤسسات الدولة.
غير أن هذا الإنجاز يأتي في وقت تواجه فيه النساء في العديد من الدول العربية فجوة بين النصوص الدستورية التي تؤكد مبدأ المساواة وعدم التمييز، وبين الواقع السياسي الذي يحد من وصولهن إلى مواقع القيادة العليا.
وترى منظمات حقوقية أن وصول امرأة إلى منصب رفيع لا يعني بالضرورة تحقيق المساواة السياسية الكاملة إذا ظل هذا الحضور حالة استثنائية ولم يتحول إلى مسار مستدام يوسع مشاركة النساء في مختلف مستويات صنع القرار.
السقف الزجاجي في السياسة العربية
أكدت دراسات متخصصة في قضايا النوع الاجتماعي أن التحدي الأكبر أمام النساء لا يرتبط فقط بغياب القوانين الداعمة للمساواة، وإنما بالحواجز غير المرئية التي تعوق وصولهن إلى المناصب العليا، رغم امتلاك كثير منهن الخبرة والكفاءة اللازمة.
وتشمل هذه المعوقات الصور النمطية المرتبطة بأدوار المرأة في المجتمع، وضعف الدعم الحزبي، وقلة فرص التمويل السياسي، وهيمنة شبكات النفوذ التقليدية على عمليات اختيار المرشحين، إضافة إلى تصاعد أشكال العنف السياسي والرقمي الذي يستهدف كثيراً من القيادات النسائية.
وشهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً نسبياً في نسبة تمثيل النساء داخل البرلمانات العربية، سواء عبر الانتخابات المباشرة أو أنظمة الحصص الانتخابية، لكن وصولهن إلى رئاسة البرلمانات أو المناصب التنفيذية العليا لا يزال محدوداً مقارنة بالرجال.
ويؤكد المدافعون عن حقوق المرأة أن التمكين السياسي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المقاعد التي تشغلها النساء، وإنما بمدى مشاركتهن الفعلية في صياغة القوانين، ورئاسة اللجان المؤثرة، والإسهام في رسم السياسات العامة.
بين النصوص القانونية والممارسة السياسية
تكفل غالبية الدساتير العربية مبدأ المساواة وعدم التمييز، كما صادقت معظم الدول العربية على اتفاقيات دولية لتعزيز حقوق المرأة، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة باسم سيداو، مع وجود تحفظات لدى بعض الدول على عدد من موادها.
لكن استمرار ضعف حضور النساء في مواقع اتخاذ القرار يعكس استمرار الفجوة بين الالتزامات القانونية والتطبيق العملي، إذ ما زالت المشاركة النسائية في كثير من الدول مرتبطة بظروف سياسية واجتماعية تختلف من دولة إلى أخرى.
تمكين يتجاوز الرمزية
أشادت الدكتورة هدى بدران، الأمين العام السابق للاتحاد النسائي العربي ورئيسة رابطة المرأة العربية، في حديث لموقع “صفر”، بانتخاب أول امرأة لرئاسة البرلمان الجزائري، معتبرة أن الخطوة تمثل محطة مهمة في تاريخ المشاركة السياسية للمرأة العربية.
وقالت بدران إن تولي امرأة هذا المنصب للمرة الأولى منذ استقلال الجزائر عام 1962 يعكس تقدماً في مسار تمكين المرأة وتراجع بعض مظاهر التمييز القائم على النوع الاجتماعي في الوصول إلى مواقع القيادة.
لكنها شددت على أن وصول امرأة إلى منصب قيادي ينبغي ألا يكون هدفاً قائماً بذاته، موضحة أن بعض التجارب قد تعتمد على مفهوم التمييز الإيجابي دون أن يرتبط دائماً بمعيار الكفاءة.
وأضافت أن وصول امرأة غير مؤهلة إلى موقع قيادي قد ينعكس سلباً على فرص النساء الأخريات؛ لأنه قد يعزز الصور النمطية التي تشكك في قدرة المرأة على إدارة المؤسسات الكبرى.
وأعربت بدران عن أملها في أن تقدم رئيسة البرلمان الجزائري نموذجاً ناجحاً في الكفاءة والنزاهة والإنجاز، ما يعزز الثقة بقدرة النساء على تولي المسؤوليات العليا ويفتح الطريق أمام مزيد من المشاركة النسائية في المستقبل.
نماذج عربية وتجارب متفاوتة
وحول إمكانية تكرار التجربة الجزائرية في دول عربية أخرى، أشارت بدران إلى وجود نماذج نسائية عربية بارزة، منها الدكتورة زينب رضوان التي شغلت منصب وكيل مجلس الشعب المصري، مؤكدة أن المنطقة العربية تضم العديد من النساء القادرات على تولي مواقع قيادية.
وأوضحت أن تجارب تمكين المرأة تختلف من دولة إلى أخرى، مشيرة إلى أن مصر كانت في مراحل سابقة نموذجاً مهماً في وصول النساء إلى مواقع صنع القرار، في حين حافظت الجزائر على نسبة مرتفعة من تمثيل النساء داخل البرلمان.
كما أشادت بالتجربة التونسية، معتبرة أنها من التجارب العربية المتقدمة في مجال حقوق المرأة، خاصة فيما يتعلق بالإصلاحات التشريعية والاقتصادية التي عززت حضور النساء في الحياة العامة.
ونوهت بالتطورات التي شهدتها كل من الأردن والمغرب في مجال تعزيز مشاركة المرأة وتوليها مواقع مسؤولية، لكنها أشارت في المقابل إلى أن الدول التي تعاني من النزاعات المسلحة والأزمات الأمنية، مثل ليبيا واليمن وسوريا، تواجه تراجعاً في قضايا تمكين المرأة بسبب تأثير الحروب في المكتسبات الاجتماعية والسياسية.
ثمرة مسار تاريخي للمرأة الجزائرية
قال المستشار السابق بالرئاسة الجزائرية والأمم المتحدة والمحلل السياسي عبد الملك سراي، في حديث لموقع “صفر”، إن وصول خليدة بوفدش إلى رئاسة المجلس الشعبي الوطني في الجزائر يمثل نتيجة لمسار طويل من النضال والعطاء الذي قدمته المرأة الجزائرية في الحياة العامة منذ الاستقلال.
وأوضح سراي أن الدور الذي لعبته المرأة الجزائرية خلال الثورة التحريرية وما قدمته من تضحيات وإسهامات وطنية أسسا لحضورها المتزايد في مؤسسات الدولة، مؤكداً أن وصولها إلى مواقع القيادة يمثل امتداداً لهذا التاريخ وليس حدثاً منفصلاً.
وأضاف أن المشاركة المتزايدة للنساء الجزائريات في المجالس المنتخبة على مستوى الولايات والمجالس المحلية ساعدت على بناء خبرات سياسية مهدت الطريق أمام وصولهن إلى المناصب العليا.
وأكد سراي أن انتخاب امرأة لرئاسة البرلمان لم يعد أمراً مفاجئاً في ظل هذا المسار المتراكم، معتبراً أن اختيار خليدة بوفدش يمثل دفعة قوية نحو توسيع مشاركة النساء والشباب في مواقع صنع القرار داخل الجزائر.
وعن إمكانية انتقال التجربة الجزائرية إلى دول عربية أخرى، قال سراي إن دولاً مثل مصر والعراق وسوريا والسعودية وتونس تمتلك كفاءات نسائية قادرة على قيادة المؤسسات العامة إذا توفرت لها الفرص المناسبة.
وشدد على أن التجربة الجزائرية قد تسهم في تعزيز حضور المرأة العربية في المواقع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، مؤكداً أن السنوات المقبلة قد تشهد توسعاً أكبر في مشاركة النساء في مواقع القيادة وصنع القرار داخل العالم العربي.
