منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في الحماية.. كيف فقد اللاجئون الكوبيون امتيازاً قانونياً استمر ستة عقود؟

03 أغسطس 2026
مهاجرون كوبيون في الولايات المتحدة
مهاجرون كوبيون في الولايات المتحدة

كشف التحول في سياسة الهجرة الأمريكية تجاه المواطنين الكوبيين عن تغير جذري في الحماية القانونية التي تمتعت بها هذه الفئة طوال عقود، بعدما أصبح آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين استفادوا من وضع استثنائي داخل الولايات المتحدة عرضة للترحيل مثل غيرهم من المهاجرين، ولم يقتصر هذا التحول على إنهاء امتياز قانوني أقره الكونغرس الأمريكي عام 1966، بل فتح نقاشاً واسعاً حول الحق في الحماية، وضمانات الإجراءات القانونية، ومصير أشخاص عاش كثير منهم داخل الولايات المتحدة لعشرات السنين قبل أن يجدوا أنفسهم ضمن حملات ترحيل جماعية.

أوضح تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي أن إنهاء المعاملة الخاصة للكوبيين لا يمثل مجرد تشديد جديد في سياسات الهجرة الأمريكية، بل يعكس تحولاً أعمق في نظرة واشنطن إلى قضايا اللجوء والهجرة مقارنة بالمرحلة التي اتسمت بصراعات الحرب الباردة.

وأكد التحليل أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنهت عملياً مساراً استثنائياً استمر قرابة ستة عقود، كان يمنح الفارين من كوبا حماية قانونية ومساراً أكثر سهولة للحصول على الإقامة الدائمة، ليصبحوا اليوم أمام إجراءات الترحيل نفسها التي يواجهها معظم غير المواطنين.

حماية استثنائية

ارتبطت المعاملة الخاصة للكوبيين بالسياق السياسي للحرب الباردة، إذ اعتبرت الولايات المتحدة استقبال الفارين من نظام فيدل كاسترو بعد الثورة الكوبية عام 1959 جزءاً من استراتيجيتها لمواجهة النفوذ الشيوعي في المنطقة.

وبعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وهافانا عام 1961، بدأت الإدارة الأمريكية برامج دعم واسعة للاجئين الكوبيين الذين وصلوا إلى الأراضي الأمريكية.

وبحلول عام 1962، استفاد نحو 250 ألف كوبي من برامج المساعدة الأمريكية، واستقر معظمهم في مدينة ميامي بولاية فلوريدا، ومع استمرار تدفق الوافدين، تحرك الكونغرس لوضع إطار قانوني ينظم أوضاعهم ويمنحهم مساراً خاصاً نحو الاستقرار القانوني.

أقر الكونغرس الأمريكي قانون تعديل أوضاع الكوبيين عام 1966 بعد جهود قادها النائب الديمقراطي جاكوب جيلبرت، بدعم من رئيس اللجنة القضائية في مجلس النواب آنذاك إيمانويل سيلر، بينما دافع وكيل وزارة الخارجية جورج بول عن القانون باعتباره يجمع بين البعد الإنساني ومواجهة الأنظمة الشمولية، ووقع الرئيس ليندون جونسون القانون في الثاني من نوفمبر عام 1966، ليصبح لعقود أحد أبرز الاستثناءات في نظام الهجرة الأمريكي.

نهاية تدريجية لامتياز تاريخي

بدأت مكانة هذا الوضع الاستثنائي تتراجع تدريجياً بعد انتهاء الحرب الباردة، مع تصاعد أصوات داخل الولايات المتحدة اعتبرت أن الأسباب السياسية التي بررت المعاملة الخاصة للكوبيين لم تعد قائمة.

وشكلت موجة قوارب مارييل عام 1980 نقطة تحول مهمة، بعدما غادر نحو 125 ألف كوبي الجزيرة متجهين إلى الولايات المتحدة، ما أثار جدلاً واسعاً حول قدرة النظام الأمريكي على استيعاب أعداد كبيرة من الوافدين.

وفي عام 1995 أقر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون سياسة القدم المبتلة، القدم الجافة، التي نظمت التعامل مع المهاجرين الكوبيين القادمين بحراً، قبل أن تواصل إدارة الرئيس باراك أوباما تقليص بعض أوجه المعاملة الخاصة، وصولاً إلى إدارة ترامب التي وسّعت عمليات الترحيل وأخضعت مزيداً من الكوبيين لإجراءات الترحيل المعجل.

من الحماية القانونية إلى واقع الترحيل

أظهرت نتائج هذا التحول على أرض الواقع أرقاماً غير مسبوقة، إذ وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش أن الولايات المتحدة رحلت بين 20 يناير 2025 و9 مارس 2026 نحو 13 ألفاً من رعايا دول ثالثة إلى المكسيك، وكان المواطنون الكوبيون أكبر مجموعة بينهم، بإجمالي 4353 شخصاً، بينما تجاوز عدد الكوبيين المرحلين إلى المكسيك قبل بداية صيف 2026 حاجز 4300 شخص.

أكدت المنظمة أن كثيراً من المهاجرين المرحلين لم يكونوا وافدين جدداً، بل عاشوا داخل الولايات المتحدة سنوات طويلة، وبعضهم لعقود، بعدما حالت مواقف الحكومة الكوبية الرافضة لاستقبال بعض المرحلين دون تنفيذ أوامر الترحيل السابقة.

وخلال تلك السنوات، أسس كثير منهم أسرهم، وعملوا، وبنوا حياة مستقرة، وكان لبعضهم أبناء وأزواج يحملون الجنسية الأمريكية، قبل أن يجدوا أنفسهم فجأة داخل حملات ترحيل واسعة.

شهادات تكشف صدمة المرحلين

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع 41 رجلاً كوبياً، إضافة إلى 12 شخصاً من فنزويلا وهايتي وهندوراس والسلفادور ونيكاراجوا وجامايكا، ووصف معظم المشاركين تجارب اتسمت بالصدمة بعد اقتلاعهم من حياتهم في الولايات المتحدة وإرسالهم إلى المكسيك، وهي دولة ليست موطنهم الأصلي.

وأوضحت المنظمة أن معظم الكوبيين الذين شملتهم المقابلات تجاوزوا الستين عاماً، وأن نصفهم وصلوا إلى الولايات المتحدة خلال موجة مارييل أو عبر برنامج إل بومبو في تسعينيات القرن الماضي.

وأكد جميع الأشخاص الذين قابلتهم المنظمة، باستثناء شخص واحد، أنهم كانوا يحملون صفة المقيم الدائم القانوني في الولايات المتحدة، كما أوضح 35 شخصاً من أصل 41 أنهم فقدوا بطاقات الإقامة الدائمة بعد إدانات جنائية، كانت معظمها مرتبطة بقضايا غير عنيفة، مثل القيادة تحت تأثير الكحول أو تزوير مستندات أو مخالفات بسيطة مرتبطة بالمخدرات، بينما أُدين ستة أشخاص على الأقل في جرائم أكثر خطورة.

ظروف احتجاز وانتقادات حقوقية

وثّقت هيومن رايتس ووتش اعتقال عدد من الكوبيين خلال عام 2025 أثناء مراجعاتهم الدورية لدى وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية، أو داخل منازلهم، أو أثناء توجههم إلى العمل، أو بعد انتهاء العقوبات الجنائية.

وأضافت المنظمة أن بعض المحتجزين واجهوا ظروفاً صعبة داخل مراكز احتجاز المهاجرين، شملت الاكتظاظ، وضعف الرعاية الطبية، وسوء الطعام، والتعرض لدرجات حرارة قاسية، ونقص المعلومات المتعلقة بالإجراءات القانونية، إلى جانب حالات من العنف الجسدي واللفظي.

وأشارت المنظمة إلى أن ثلاثة أشخاص فقط وافقوا على الترحيل إلى المكسيك، بينما أبلغ ثلاثة آخرون السلطات الأمريكية قبل ترحيلهم عن مخاوف تتعلق بسلامتهم، بينهم شخصان قالا إن أفراداً من عائلتيهما تعرضوا للخطف أو القتل في المكسيك.

ورغم ذلك، لم يحصل أي منهم على جلسة استماع أو مقابلة لتقييم طلبات الحماية أو الاعتراض على الترحيل إلى دولة ليست بلدهم الأصلي.

أزمة قانونية بعد الوصول إلى المكسيك

وجد المرحلون أنفسهم بعد وصولهم إلى المكسيك في وضع قانوني غير واضح، مع صعوبات كبيرة في الوصول إلى نظام اللجوء أو الحصول على إقامة مستقرة. وقالت هيومن رايتس ووتش إن بعضهم اضطر إلى النوم في الشوارع أو أمام المستشفيات والحدائق العامة، بينما عانى 22 كوبياً من أصل المشاركين في المقابلات، معظمهم من كبار السن، من أمراض مزمنة دون القدرة على الحصول على العلاج والأدوية بسبب ارتفاع التكلفة وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية.

وأوضحت المنظمة أن السلطات المكسيكية منحت المرحلين في معظم الحالات مهلة تصل إلى 10 أيام للبقاء داخل البلاد، مع توجيههم إلى تقديم طلبات لجوء لدى اللجنة المكسيكية لمساعدة اللاجئين. إلا أن بطء الإجراءات، وصعوبة استكمال المستندات، وعدم امتلاك بعض الأشخاص وسائل اتصال، شكلت عوائق كبيرة أمام الوصول إلى الحماية القانونية.

تراجع الدعم الدولي للحماية

أرجعت هيومن رايتس ووتش تراجع قدرة اللجنة المكسيكية لمساعدة اللاجئين على التعامل مع الأعداد المتزايدة إلى انخفاض التمويل الأمريكي المقدم لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، إذ انخفض التمويل من 46 مليون دولار عام 2023 و50 مليون دولار عام 2024 إلى 8 ملايين دولار فقط عام 2025، ما أدى إلى تقليص تمويل المفوضية للجنة بنسبة 20 بالمئة خلال العام نفسه.

وانتهى تقرير المنظمة إلى أن استمرار ترحيل رعايا دول ثالثة إلى المكسيك دون توفير مسارات فعالة للحماية أو أوضاع قانونية مستقرة يترك كثيراً من الأشخاص في حالة فراغ قانوني طويل الأمد.

ودعت هيومن رايتس ووتش إلى تنفيذ أي عمليات ترحيل مستقبلية ضمن اتفاقات واضحة وشفافة تضمن إجراءات عادلة للنظر في طلبات الحماية، وتوفر حلولاً قانونية للأشخاص الذين ترفض بلدانهم الأصلية إعادتهم، مع احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يحظر إعادة أي شخص إلى مكان قد يواجه فيه خطر الاضطهاد أو التعذيب.