حوّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أزمة تدفق المهاجرين إلى مدينة سبتة الإسبانية إلى مادة سياسية جديدة في معركته حول ملف الهجرة، مستغلاً المشاهد التي وثقت عبور عشرات الآلاف من المهاجرين من المغرب نحو الجيب الإسباني لتأكيد ضرورة تشديد سياسات الحدود الأمريكية.
وربط ترامب بين ما حدث في سبتة وبين ما وصفه بمخاطر الهجرة غير النظامية، داعياً الناخبين إلى جعل الملف محوراً أساسياً في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
ونقلت وكالة فرانس برس تصريحات ترامب خلال حديثه مع الصحفيين في كامب ديفيد، حيث قال إن تدفق المهاجرين إلى سبتة يمثل نموذجاً لما قد تواجهه الولايات المتحدة إذا لم يفز الجمهوريون في الانتخابات المقبلة.
واعتبر ترامب أن ما حدث في المدينة الإسبانية نتيجة لقوانين وصفها بالضعيفة وسياسات اعتبرها متساهلة مع الهجرة، في محاولة لربط الأزمة الأوروبية بالنقاش السياسي الداخلي في الولايات المتحدة.
الهجرة ورقة انتخابية متجددة
استند ترامب إلى صور المهاجرين، وبينهم أطفال وقاصرون، لتأكيد موقفه الداعي إلى تشديد الرقابة الحدودية، مؤكداً أن الولايات المتحدة قد تواجه ظروفاً مشابهة إذا تبنت سياسات أكثر انفتاحاً تجاه الهجرة.
ونقلت شبكة فوكس نيوز عن ترامب قوله إن المشاهد القادمة من سبتة كانت مروعة، محذراً أنصار الحزب الجمهوري من أن تغيير التوجه السياسي في واشنطن قد يؤدي إلى تكرار مثل هذه الأزمات.
وتأتي تصريحات الرئيس ترامب في إطار خطاب سياسي اعتمد عليه منذ حملته الانتخابية الأولى، حيث جعل مكافحة الهجرة غير النظامية وتعزيز أمن الحدود من أبرز محاور برنامجه السياسي، ويرى خبراء السياسة الأمريكية أن ملف الهجرة يمثل قضية انتخابية مؤثرة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026 التي ستحدد مستقبل السيطرة على مجلس النواب وعدداً من المناصب التشريعية.
اتهامات متبادلة حول سياسات الهجرة
أوضح نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أن أزمة سبتة تعكس، بحسب رؤيته، نتائج سياسات الهجرة الجماعية، وربط بين الأحداث في إسبانيا والجدل الأمريكي حول أمن الحدود. وقال فانس في منشور عبر منصة إكس إن الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب في ملف الحدود حالت دون وقوع سيناريو مشابه داخل الولايات المتحدة.
كما دخلت وزارة الخارجية الأمريكية على خط الجدل، بعدما أصدرت بياناً اعتبرت فيه أن تدفق نحو 60 ألف مهاجر إلى سبتة يمثل نتيجة لما وصفته بتساهل الحكومة الإسبانية مع الهجرة غير النظامية.
وأثارت هذه التصريحات انتقادات من جهات أوروبية اعتبرت أن الأزمة مرتبطة بعوامل إنسانية واقتصادية وأمنية معقدة لا يمكن اختزالها في سياسات حكومية واحدة.
أزمة إنسانية على حدود أوروبا
شهدت مدينة سبتة خلال الأيام الماضية واحدة من كبريات موجات العبور الجماعي للمهاجرين، بعدما وصل عشرات الآلاف من الأشخاص من الأراضي المغربية إلى الجيب الإسباني الواقع على الساحل الشمالي لإفريقيا، وأعلن رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس وصول عدد الوافدين إلى نحو 60 ألف شخص، في حين تحدثت السلطات عن سقوط عشرات الضحايا خلال محاولات العبور.
وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن ما حدث يمثل انتهاكاً لسلامة الأراضي الإسبانية، مؤكداً أن الحكومة نشرت وحدات من الجيش وقوات إضافية من الشرطة للتعامل مع الأزمة، كما أقامت مراكز استقبال مؤقتة لتنظيم أوضاع الوافدين وتسريع عمليات العودة إلى المغرب.
وأشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن آلاف المهاجرين عادوا إلى المغرب بعد ساعات من وصولهم، بعدما واجهوا ظروفاً صعبة خلال محاولة العبور، تضمنت السباحة لمسافات طويلة ومواجهة إجراءات أمنية على الحدود.
أوروبا تعيد فتح ملف الحدود
أثارت أزمة سبتة نقاشاً واسعاً داخل الاتحاد الأوروبي حول مستقبل سياسة الهجرة وحماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن. وأعلنت إيطاليا استعدادها لاتخاذ إجراءات استثنائية مرتبطة بالحدود مع إسبانيا، في حين طالبت أطراف سياسية أوروبية بمراجعة طريقة إدارة مدريد للحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وقالت وزيرة الداخلية الفنلندية ماري رانتان إن الدول التي لا تستطيع حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن تواجه تساؤلات حول قدرتها على الالتزام بقواعد الاتفاقية، في حين دعت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن إلى بحث جميع الخيارات الأوروبية للتعامل مع الأزمة.
وفي فرنسا، طرحت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان مواقف تدعو إلى إعادة النظر في حرية التنقل داخل منطقة شنغن، معتبرة أن الأولوية يجب أن تكون لحماية الحدود الوطنية، وهو ما يعكس تصاعد حضور ملف الهجرة في النقاش السياسي الأوروبي.
سبتة بوابة الهجرة إلى أوروبا
تمثل مدينتا سبتة ومليلية الخاضعتان للإدارة الإسبانية في شمال المغرب الحدود البرية الوحيدة بين القارة الإفريقية والاتحاد الأوروبي، ولذلك أصبحتا خلال العقود الماضية نقطة رئيسية لمحاولات المهاجرين الوصول إلى أوروبا بحثاً عن فرص اقتصادية وحياة أكثر استقراراً.
وتواجه إسبانيا منذ سنوات ضغوطاً متزايدة لإدارة تدفقات الهجرة عبر البحر المتوسط والمحيط الأطلسي والحدود البرية، في وقت تحاول فيه التوفيق بين التزاماتها الإنسانية والقانونية تجاه طالبي اللجوء، وبين مطالب سياسية داخلية وأوروبية بتشديد الرقابة على الحدود.
وقد ارتبط ملف الهجرة في الولايات المتحدة وأوروبا خلال السنوات الأخيرة بتصاعد الجدل السياسي حول الأمن والهوية والاقتصاد، وفي الولايات المتحدة جعل ترامب من تشديد الحدود وبناء سياسات أكثر صرامة تجاه الهجرة غير النظامية محوراً رئيساً في خطاباته الانتخابية منذ عام 2016.
أما في أوروبا، فقد شهدت دول عدة صعود تيارات سياسية تطالب بتقليل أعداد المهاجرين وتشديد إجراءات اللجوء، في مقابل دعوات من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان إلى احترام القانون الدولي وحقوق المهاجرين واللاجئين، خصوصاً مبدأ عدم الإعادة القسرية وضمان معاملة إنسانية للأشخاص الفارين من الأزمات.
