منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من التشهير إلى القضاء.. معركة النفوذ بين ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية تتصاعد

01 أغسطس 2026
الرئيس ترامب وسط مندوبي الصحافة والإعلام
الرئيس ترامب وسط مندوبي الصحافة والإعلام

كشفت التطورات القضائية الأخيرة في الولايات المتحدة عن تراجع نسبي في حدة الهجوم الذي يشنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وسائل الإعلام، بعد أن واجهت مؤسسات صحفية كبرى دعاواه القضائية باستراتيجيات دفاعية أكثر صرامة داخل المحاكم، ورغم نجاح ترامب في انتزاع تسويات مالية كبيرة من بعض المؤسسات الإعلامية، فإن عدداً من القضايا الأخرى اصطدم بمقاومة قانونية قوية وتمسك واضح من المحاكم بمبادئ حماية حرية الصحافة.

وأفادت وكالة فرانس برس بأن المؤسسات الإعلامية الأمريكية بدأت تتعامل مع الدعاوى التي يرفعها ترامب باعتبارها معركة دفاعية طويلة الأمد لحماية الصحفيين وحرية النشر، بعدما دفعت شبكات مثل “إيه بي سي” و”سي بي إس” مبالغ مالية كبيرة لإنهاء نزاعات قضائية، في حين استمرت قضايا أخرى ضد مؤسسات مثل “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” دون حسم نهائي.

 وقال كين بولسون، مدير مركز حرية التعبير في جامعة تينيسي الوسطى، إن وسائل الإعلام أدركت أن المواجهة القانونية والدفاع عن الصحفيين أصبحا الخيار الأكثر فاعلية في مواجهة هذه الدعاوى.

المحاكم تختبر حدود المواجهة

أوضح خبراء قانونيون أن عدداً من القضايا التي رفعتها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد وسائل الإعلام يواجه صعوبات قانونية؛ بسبب المعايير الصارمة التي يفرضها القانون الأمريكي في قضايا التشهير ضد الشخصيات العامة.

 وأكد دان كينيدي، الأستاذ المحاضر في الصحافة بجامعة نورث إيسترن في بوسطن، أن المؤسسات الإعلامية التي تختار مواجهة ترامب أمام القضاء تمتلك فرصاً فضلى نسبياً؛ لأن العديد من الدعاوى تحتاج إلى إثباتات قانونية قوية لإثبات الضرر أو وجود نية متعمدة للتضليل.

وأضاف كينيدي أن المواجهة الحالية لا تتعلق فقط بالقضايا المالية، بل ترتبط أيضاً بالصراع حول دور الإعلام في مراقبة السلطة السياسية، خصوصاً في ظل استمرار ترامب في انتقاد المؤسسات الصحفية واتهامها بنشر أخبار زائفة عندما تتعارض تغطيتها مع مواقفه السياسية.

تسويات مالية بملايين الدولارات

أظهرت القضايا الأخيرة أن بعض المؤسسات الإعلامية فضل إنهاء النزاعات عبر اتفاقات مالية بدلاً من خوض معارك قضائية طويلة. فقد دفعت شبكة “إيه بي سي” نحو 15 مليون دولار في تسوية مرتبطة باتهامات بالتشهير بشأن تغطية قضية مدنية ضد ترامب، في حين توصلت شبكة “سي بي إس” إلى اتفاق بقيمة 16 مليون دولار بعد اتهامها بالتلاعب في عرض مقابلة مع المرشحة الديمقراطية السابقة كامالا هاريس.

وأشار دان كينيدي إلى أن هذه التسويات لم تعكس بالضرورة اعتراف المؤسسات الإعلامية بصحة الاتهامات، بل ارتبطت في بعض الحالات بحسابات تجارية وقانونية، وأوضح أن شركة “باراماونت غلوبال”، المالكة لشبكة “سي بي إس”، كانت تسعى إلى الحصول على موافقات تنظيمية لصفقة اندماج مع شركة “سكاي دانس”، في حين ترتبط شبكة “إيه بي سي” بمجموعة “ديزني”، ما جعل إنهاء النزاع خياراً عملياً بالنسبة للشركتين.

ضغط سياسي على المؤسسات الإعلامية

بيّن خبراء الإعلام أن الهدف الأساسي من تحركات إدارة ترامب القانونية قد لا يتمثل فقط في الحصول على تعويضات مالية، وإنما في ممارسة ضغط سياسي وإعلامي على المؤسسات التي تنتقده، وقال دان كينيدي إن ترامب استخدم منذ بداية مسيرته السياسية استراتيجية تقوم على التشكيك في مصداقية وسائل الإعلام، وتقديم نفسه أمام أنصاره باعتباره المصدر الأكثر موثوقية للمعلومات.

وأشار كينيدي إلى أن وصف ترامب المتكرر لوسائل الإعلام بأنها “زائفة” أو معادية له أصبح جزءاً من خطابه السياسي، إلى جانب استخدام الدعاوى القضائية بوصفها أداة لإشغال المؤسسات الصحفية وإجبارها على خوض معارك قانونية مكلفة.

قضايا جديدة أمام الإعلام

واجهت صحيفة “نيويورك تايمز” دعاوى قضائية مرتبطة بمقالات تناولت ثروة ترامب وكتاباً عن حياته المالية، في حين واجهت صحيفة “وول ستريت جورنال” دعوى تتعلق برسالة ذات طابع جنسي مرتبطة بجيفري إبستين، كما واجهت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” مطالبة مالية ضخمة من ترامب بسبب طريقة عرض تسجيل لأحد خطاباته، حيث اتهم الشبكة بالتلاعب بالمحتوى.

وأوضح كين بولسون أن استراتيجية “بي بي سي” القائمة على مطالبة الجهات المدعية بتقديم أدلة مالية دقيقة حول حجم الضرر تمثل أسلوباً قانونياً فعالاً؛ لأن إثبات الخسائر المادية يشكل تحدياً كبيراً في مثل هذه القضايا.

حرية الصحافة أمام اختبار دستوري

أكد خبراء القانون أن المعركة الكبرى خلف هذه القضايا ترتبط بالحماية الدستورية التي يوفرها القانون الأمريكي للصحافة، خصوصاً القرار التاريخي للمحكمة العليا الأمريكية الذي وضع معيار “سوء النية الفعلية” لإدانة وسائل الإعلام في قضايا التشهير المتعلقة بالشخصيات العامة.

وأوضح دان كينيدي أن هناك مخاوف من إمكانية محاولة تغيير هذا المعيار القانوني مستقبلاً، لكنه أشار إلى عدم وجود مؤشرات حالياً على استعداد المحكمة العليا لإعادة النظر في هذه الحماية الأساسية لحرية الصحافة.

منذ بداية صعوده السياسي دخل ترامب في صدامات متكررة مع وسائل الإعلام الأمريكية، حيث جعل انتقاد الصحافة جزءاً ثابتاً من خطابه السياسي، خصوصاً خلال حملاته الانتخابية وبعد وصوله إلى البيت الأبيض، ويمنح التعديل الأول للدستور الأمريكي حماية واسعة لحرية التعبير والصحافة، في حين تضع المحكمة العليا قيوداً صارمة على قدرة المسؤولين العموميين على الفوز بدعاوى التشهير ضد وسائل الإعلام. ويرى خبراء الإعلام والقانون أن المواجهة الحالية تمثل اختباراً جديداً للعلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات الصحفية، في وقت تتزايد فيه عالمياً النقاشات حول حماية الصحفيين واستقلال الإعلام وقدرته على مراقبة أصحاب النفوذ.