أصدرت أعلى محكمة في إيطاليا حكماً تاريخياً أعاد رسم قواعد الاحتفاظ بالجنسية الإيطالية، بعدما أكدت أن الطفل الذي يولد حاملاً للجنسية الإيطالية إلى جانب جنسية دولة أخرى لا يفقد جنسيته الإيطالية تلقائياً إذا حصل أحد والديه لاحقاً على جنسية أجنبية، ويفتح هذا الحكم الباب أمام آلاف العائلات التي تنتظر حسم طلبات استعادة الجنسية الإيطالية استناداً إلى حق النسب، كما يضع حداً لتفسيرات قانونية متضاربة استمرت لسنوات.
وأوضح تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس أن القرار الذي أصدرته اللجنة العليا بمحكمة النقض الإيطالية، وهي الجهة المختصة بحسم الخلافات المتعلقة بتفسير القوانين، يمثل نقطة تحول في ملفات الجنسية التي ترتبط بأحفاد المهاجرين الإيطاليين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، خاصة أولئك الذين تعود جذورهم إلى موجات الهجرة الكبيرة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
نزاع طويل
أنهت المحكمة من خلال حكمها نزاعاً قانونياً عرف باسم القضية البسيطة، وهو خلاف أثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط القانونية والإدارية، بعدما اختلفت المحاكم في تفسير أثر تجنس أحد الوالدين بجنسية أجنبية في وضع أبنائه القصر الذين كانوا يحملون الجنسية الإيطالية منذ ولادتهم.
وأكدت المحكمة أن القوانين التاريخية المنظمة للجنسية الإيطالية تقوم على مبدأ انتقال الجنسية عن طريق الدم، ولذلك فإن الطفل الذي اكتسب الجنسية الإيطالية عند الميلاد لا يفقدها بصورة تلقائية بسبب حصول أحد والديه في وقت لاحق على جنسية دولة أخرى، ورأت أن هذا الحق يبقى قائماً ما دام الطفل اكتسب الجنسية الإيطالية بصورة صحيحة منذ البداية.
تغيير في التفسير
ألغى الحكم عملياً التفسير المقيد الذي تبنته سلسلة من الأحكام القضائية الصادرة في إيطاليا منذ عام 2023، عندما اعتبرت بعض المحاكم أن انتقال الجنسية الإيطالية عبر الأجيال يتوقف إذا حصل أحد الوالدين على جنسية أجنبية في حين كان الأبناء لا يزالون قاصرين، وهو ما أدى إلى رفض عدد كبير من طلبات استعادة الجنسية المقدمة من أحفاد المهاجرين الإيطاليين.
ويمثل القرار الجديد تصحيحاً لهذا الاتجاه، إذ أكد أن انتقال الجنسية لا ينقطع في مثل هذه الحالات، الأمر الذي يعيد الاعتبار لحقوق آلاف المتقدمين الذين استندوا إلى أصولهم الإيطالية في طلب الحصول على الجنسية.
تأثير عالمي
يحمل الحكم أهمية خاصة للعائلات الإيطالية التي استقرت في دول تعتمد مبدأ منح الجنسية تلقائياً لكل من يولد على أراضيها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. وأوضحت المحكمة أن الأطفال الذين ولدوا في هذه الدول وامتلكوا جنسيتها عند الميلاد، احتفظوا في الوقت نفسه بجنسيتهم الإيطالية حتى بعد حصول آبائهم لاحقاً على الجنسية الأجنبية.
وأضافت المحكمة أن استمرار احتفاظ هؤلاء الأبناء بالجنسية الإيطالية يمنحهم الحق القانوني في نقلها إلى أبنائهم وأحفادهم، وهو ما يعزز فرص الأجيال اللاحقة في المطالبة بالجنسية الإيطالية وفقاً للقانون.
انعكاسات قانونية
يتوقع خبراء قانونيون أن يؤدي الحكم إلى إعادة النظر في عدد كبير من الملفات التي رفضتها السلطات خلال السنوات الماضية استناداً إلى التفسير السابق، كما يرجح أن يشهد القضاء الإيطالي والقنصليات الإيطالية حول العالم زيادة في طلبات إعادة فتح ملفات الجنسية أو التقدم بطلبات جديدة تعتمد على الحكم الأخير باعتباره مرجعية قانونية ملزمة.
ويرى متخصصون أن القرار يحقق قدراً أكبر من الاستقرار القانوني، بعدما أنهى تضارب التفسيرات بين المحاكم المختلفة، ووفر قاعدة واضحة للتعامل مع قضايا الجنسية القائمة على النسب.
تعتمد إيطاليا بصورة أساسية على مبدأ حق الدم في منح الجنسية، وهو النظام الذي يسمح بانتقال الجنسية من الآباء إلى الأبناء بغض النظر عن مكان الميلاد، بخلاف بعض الدول التي تعتمد مبدأ حق الأرض، وقد دفعت موجات الهجرة الإيطالية الكبرى إلى الأمريكتين وأستراليا وأجزاء واسعة من أوروبا خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ملايين الأشخاص إلى الاحتفاظ بروابط قانونية مع وطنهم الأصلي عبر الأجيال، الأمر الذي جعل قضايا استعادة الجنسية الإيطالية واحدة من أكثر ملفات الهجرة والجنسية تعقيداً أمام المحاكم والسلطات الإدارية في السنوات الأخيرة.
