نفذت السلطات الإيطالية، خلال الأيام الماضية، عملية أمنية واسعة استهدفت شبكة إجرامية عابرة للحدود متهمة باستغلال برامج الهجرة القانونية وبيع تصاريح الإقامة لمهاجرين مقابل مبالغ مالية باهظة، في قضية أعادت تسليط الضوء على المخاطر الحقوقية التي تواجه آلاف المهاجرين الباحثين عن فرصة للحياة والعمل داخل أوروبا.
وأسفرت العملية التي قادها جهاز الكارابينيري والشرطة المالية بإشراف مديرية مكافحة المافيا في ساليرنو، عن اتخاذ 22 إجراءً قضائياً بحق مشتبه بهم في عشر مقاطعات إيطالية، بينهم 18 شخصاً وُضعوا قيد الإقامة الجبرية.
وأوضحت السلطات الإيطالية أن الشبكة استغلت نظام مرسوم تدفقات العمالة (Decreto Flussi) الذي ينظم دخول العمال الأجانب بصورة قانونية، عبر تقديم طلبات عمل مزورة وإعداد عقود وهمية بمساعدة وسطاء وأصحاب عمل ومهنيين، مقابل مبالغ كبيرة دفعها مهاجرون من خارج الاتحاد الأوروبي، معظمهم من المغرب وبنغلاديش والهند؛ أملاً في الحصول على إقامة قانونية داخل إيطاليا. وتشير التحقيقات إلى أن حجم الأموال التي حققتها الشبكة بلغ عدة ملايين من اليورو.
استغلال الحاجة إلى الحماية
تكشف هذه القضية عن جانب أكثر خطورة من الهجرة غير النظامية، إذ لا يقتصر الأمر على تزوير الوثائق أو مخالفة قوانين الهجرة، وإنما يمتد إلى استغلال حاجة الأشخاص الباحثين عن الأمن والعمل والحماية، وتحويل أوضاعهم الهشة إلى مصدر أرباح لشبكات الجريمة المنظمة.
يجد كثير من المهاجرين أنفسهم أمام خيارات محدودة، خاصة مع تشديد سياسات الهجرة الأوروبية وارتفاع صعوبة الوصول إلى قنوات الهجرة النظامية، وهو ما يدفع بعضهم إلى اللجوء إلى سماسرة يعدونهم بالحصول على تصاريح إقامة أو عقود عمل مقابل مبالغ قد تستنزف مدخراتهم أو تدفعهم إلى الاستدانة.
بوابة إلى الاستغلال
تحذر المنظمة الدولية للهجرة من أن القيود المفروضة على الهجرة النظامية تدفع العديد من المهاجرين إلى الاعتماد على شبكات التهريب والوسطاء غير الشرعيين، ما يزيد احتمالات تعرضهم للاستغلال الاقتصادي والعمل القسري والاتجار بالبشر، ويجعلهم أكثر عرضة للابتزاز طوال رحلة الهجرة وحتى بعد وصولهم إلى دول المقصد.
ويؤكد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن شبكات تهريب المهاجرين أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على استغلال الثغرات القانونية والأنظمة الإدارية، ومنها استخدام شركات وهمية وعقود عمل مزورة ووثائق مزيفة، لتحقيق أرباح مالية ضخمة على حساب الفئات الأكثر هشاشة.
انتهاكات تتجاوز القانون
لا تتوقف مخاطر بيع تصاريح الإقامة عند خسارة الأموال، بل تمتد إلى انتهاك عدد من الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في العمل اللائق، والحق في الحماية من الاستغلال، والحق في الوصول إلى العدالة.
يواجه المهاجر الذي يحصل على وثائق مزورة أو يدخل في ترتيبات غير قانونية خطر فقدان وضعه القانوني في أي لحظة، كما يصبح أكثر عرضة للابتزاز من أصحاب العمل أو الوسطاء، وقد يتردد في الإبلاغ عن الانتهاكات خوفاً من الترحيل أو الملاحقة القانونية.
ترى منظمة العمل الدولية أن العمال المهاجرين غير النظاميين يمثلون إحدى أكثر الفئات تعرضاً للاستغلال، بسبب اعتمادهم على وسطاء غير قانونيين، وضعف قدرتهم على المطالبة بحقوقهم، وهو ما يخلق بيئة تسمح بانتهاكات تشمل الأجور المتدنية، وساعات العمل الطويلة، والحرمان من الحماية الاجتماعية.
بين التهريب والاتجار بالبشر
يفرق القانون الدولي بين تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، إلا أن المنظمتين قد تتداخلان في كثير من الحالات. فبينما يقوم التهريب على تسهيل الدخول غير المشروع مقابل منفعة مالية، قد يتحول الأمر لاحقاً إلى استغلال الأشخاص في العمل القسري أو الابتزاز أو الاسترقاق الحديث، خاصة عندما يصبح المهاجر مديناً للشبكات التي سهلت انتقاله.
وتشدد الأمم المتحدة على أن مكافحة هذه الجرائم لا تتحقق عبر ملاحقة الشبكات الإجرامية فقط، بل تتطلب أيضاً توسيع مسارات الهجرة النظامية، وتعزيز الرقابة على إجراءات استقدام العمال، وضمان عدم استغلال أنظمة الهجرة القانونية لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
مسؤولية مشتركة
تؤكد التجربة الإيطالية أن حماية المهاجرين تبدأ من بناء منظومة هجرة شفافة وآمنة تقلص فرص تدخل الوسطاء غير القانونيين، وتمنح طالبي العمل والهجرة معلومات واضحة وإجراءات يسهل الوصول إليها.
يبقى نجاح جهود مكافحة الاتجار بتصاريح الإقامة مرهوناً بقدرة الحكومات على الجمع بين ملاحقة الشبكات الإجرامية، وتعزيز التعاون القضائي الدولي، وتوفير مسارات قانونية للهجرة والعمل، ما يحمي كرامة المهاجرين ويحول دون تحول حلم الإقامة القانونية إلى سلعة تباع وتشترى في أسواق الجريمة المنظمة.
