تواصل ليبيا ترسيخ موقعها بوصفها إحدى أبرز دول العبور نحو أوروبا، في وقت تكشف فيه أحدث البيانات الدولية عن ارتفاع أعداد المهاجرين واللاجئين داخل البلاد إلى أكثر من 936 ألف شخص، معظمهم فروا من النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية في بلدانهم.
ويأتي هذا الارتفاع بالتزامن مع تشديد السلطات الليبية إجراءاتها الأمنية، واستمرار التعاون مع شركاء إقليميين وأوروبيين لإدارة ملف الهجرة، بينما تحذر المنظمات الدولية من تصاعد المخاطر الإنسانية التي تواجه المهاجرين على طرق العبور.
وقال مركز الهجرة المختلطة التابع لمجلس اللاجئين الدنماركي إن ليبيا ما زالت تمثل نقطة الانطلاق الرئيسية للمهاجرين وطالبي اللجوء الساعين للوصول إلى أوروبا عبر طريق وسط البحر المتوسط، رغم انخفاض أعداد المغادرين مقارنة بالعام الماضي.
وأوضح المركز أن السودانيين يشكلون أكبر جنسية بين المهاجرين الموجودين داخل ليبيا، في انعكاس مباشر لتداعيات الحرب المستمرة في السودان.
ارتفاع أعداد المهاجرين داخل ليبيا
أكدت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد المهاجرين واللاجئين في ليبيا بلغ 936 ألفاً و134 شخصاً حتى فبراير 2026، بزيادة بلغت 9 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، مع استقرار نسبي مقارنة بإحصاءات ديسمبر الماضي.
وأظهرت بيانات المنظمة أن أكثر من نصف المهاجرين، بنسبة 53 بالمئة، يقيمون في المنطقة الغربية، بينما يستضيف الشرق 36 بالمئة، ويعيش 11 بالمئة في الجنوب. كما تصدر السودانيون قائمة الجنسيات بنسبة تقارب 36 بالمئة، يليهم النيجريون بنسبة 20 بالمئة، ثم المصريون بنسبة 19 بالمئة، والتشاديون بنسبة 9 بالمئة، فيما بلغت نسبة النيجيريين نحو 4 بالمئة.
وأضافت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لديها في ليبيا ارتفع إلى 113 ألفاً و26 شخصاً حتى الأول من يونيو 2026، بزيادة بلغت 22 بالمئة مقارنة بالعام السابق، بينما شكل السودانيون نحو 83 بالمئة من إجمالي المسجلين، بعد ارتفاع أعدادهم بنسبة 41 بالمئة نتيجة استمرار الحرب في السودان.
ليبيا تبقى بوابة رئيسية إلى أوروبا
أكد مركز الهجرة المختلطة أن 83 بالمئة من إجمالي عدد المهاجرين الذين وصلوا إلى إيطاليا عبر طريق وسط البحر المتوسط قدموا من ليبيا خلال الفترة محل الرصد، بإجمالي بلغ 11 ألفاً و848 شخصاً، رغم انخفاض العدد بنسبة 56 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
ويشير هذا التراجع إلى تشديد إجراءات الرقابة البحرية والبرية، لكنه لا يعكس انخفاضاً في حجم المخاطر، إذ تؤكد المنظمات الدولية أن كثيراً من المهاجرين ما زالوا يحاولون الوصول إلى السواحل الأوروبية عبر طرق أكثر خطورة.
ارتفاع الوفيات رغم انخفاض العبور
أظهر مشروع “المهاجرون المفقودون” التابع للمنظمة الدولية للهجرة أن طريق وسط البحر المتوسط سجل حتى نهاية يونيو 865 حالة وفاة أو فقدان، بزيادة بلغت 57 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، رغم انخفاض أعداد الوافدين إلى إيطاليا بنسبة 52 بالمئة.
وسجلت منظمة كاميناندو فرونتيراس أكثر من 507 حالات وفاة قبالة السواحل الجزائرية على طريق غرب البحر المتوسط، بزيادة وصلت إلى 54 بالمئة، بينما وثق مرصد “منبه الهاتف الصحراوي” ترحيل 14 ألفاً و602 شخص من الجزائر إلى النيجر خلال الفترة بين 18 يناير و17 مايو 2026.
كما أعلنت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان توثيق وفاة 26 مهاجراً ولاجئاً في المناطق الحدودية شرق المغرب خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، في مؤشر يعكس اتساع المخاطر على مختلف مسارات الهجرة في شمال إفريقيا.
تشديد الإجراءات داخل ليبيا
رصد تقرير مركز الهجرة المختلطة تصعيداً في الإجراءات الأمنية داخل غرب ليبيا، حيث نفذت الأجهزة الأمنية عمليات استهدفت المهاجرين غير النظاميين في مدينة صبراتة، وشملت نقل عدد من النساء إلى مراكز احتجاز في طرابلس تمهيداً لترحيلهن.
كما أصدر المجلس المحلي في منطقة الظهرة تعليمات بإخلاء العقارات من الأجانب غير الحاصلين على إقامة قانونية، بينما فرضت بلدية زوارة حظراً مؤقتاً للتجول الليلي على الأجانب.
وأكد مسؤولون ليبيون، خلال اجتماعات ضمت وزير الداخلية وعدداً من القيادات الأمنية، رفضهم أي خطط لتوطين المهاجرين داخل ليبيا، معتبرين أن البلاد تمثل دولة عبور وليست دولة استقرار، فيما شددت السلطات في بنغازي على ترحيل كل من يدخل الأراضي الليبية من دون وثائق قانونية.
وفي السياق نفسه، عززت ليبيا تعاونها مع الصومال لتنفيذ عمليات إعادة المهاجرين، مع الإعلان عن خطط لإعادة نحو 400 مواطن صومالي، في ظل ارتفاع أعداد الصوماليين العابرين عبر ليبيا نحو إيطاليا بنسبة 181 بالمئة.
تعاون أوروبي يثير انتقادات حقوقية
واصل الاتحاد الأوروبي تعاونه مع السلطات الليبية في إدارة ملف الهجرة، حيث استضافت العاصمة الإيطالية روما اجتماعاً ضم ممثلين عن ليبيا وتركيا وقطر لبحث التعاون الأمني وإدارة الهجرة.
كما وسّع الاتحاد الأوروبي نطاق التعاون مع سلطات شرق ليبيا عبر بعثة إيريني البحرية، التي تعمل على دعم مؤسسات إنفاذ القانون الليبية، بما يشمل إنشاء مركز مقترح لتنسيق عمليات البحث والإنقاذ البحري في مدينة بنغازي.
وفي المقابل، انتقدت منظمة ستيت ووتش هذا التوسع في التعاون، معتبرة أن أي شراكة أمنية يجب أن تقترن بضمانات واضحة لاحترام حقوق الإنسان، في ظل استمرار التقارير التي توثق انتهاكات يتعرض لها بعض المهاجرين داخل مراكز الاحتجاز وفي أثناء عمليات الاعتراض والإعادة.
تمثل ليبيا منذ عام 2011 إحدى أهم دول العبور على طريق وسط البحر المتوسط، نتيجة موقعها الجغرافي واتساع حدودها البرية مع ست دول إفريقية. وأدى تدهور الأوضاع الأمنية والانقسام السياسي إلى ازدهار شبكات تهريب البشر، بينما دفعت النزاعات المسلحة، خصوصاً في السودان ومنطقة الساحل، أعداداً متزايدة من الأشخاص إلى التوجه نحو ليبيا أملاً في الوصول إلى أوروبا. وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أن القانون الدولي يلزم جميع الدول بحماية المهاجرين واللاجئين من الإعادة القسرية، وضمان حصولهم على المعاملة الإنسانية والرعاية الأساسية، مع مكافحة شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
