منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الهجرة غير النظامية في عصر الخوارزميات.. كيف تحولت المنصات الرقمية إلى بوابة للانتهاكات؟

26 يوليو 2026
مواقع التواصل تتحول لبيئة للهجرة غير الشرعية
مواقع التواصل تتحول لبيئة للهجرة غير الشرعية

لم تعد الهجرة غير النظامية ترتبط فقط بالحدود البرية والبحرية أو بشبكات التهريب التقليدية، بل أصبحت تبدأ في كثير من الأحيان من الفضاء الرقمي، حيث تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً متزايداً في تشكيل تصورات الراغبين في الهجرة، ونقل المعلومات حول طرق العبور، وربط الأفراد بشبكات قد تستغل حاجتهم إلى مستقبل أفضل.

وبينما يمكن للمنصات الرقمية أن توفر معلومات تساعد المهاجرين على معرفة الإجراءات القانونية وحقوقهم، فإنها أصبحت أيضاً بيئة تستغلها شبكات التهريب لنشر وعود مضللة حول فرص العمل والإقامة والحياة في أوروبا، ما يعرض آلاف الأشخاص لخطر الاستغلال والاتجار بالبشر والرحلات غير الآمنة.

وأسهم انتشار المحتوى المرتبط بالهجرة على منصات التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل طريقة اتخاذ القرار لدى كثير من الأشخاص الراغبين في مغادرة بلدانهم.

الهجرة ومواقع التواصل

وتشير دراسات أوروبية، منها ورقة السياسات الصادرة ضمن مشروع PERCEPTIONS، إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دوراً مهماً في تداول السرديات المتعلقة بأوروبا والهجرة، وأن المحتوى الرقمي يسهم في تشكيل تصورات الأفراد عن فرص الوصول والاستقرار داخل القارة الأوروبية.

وتوضح الدراسة أن الصور والقصص المتداولة عبر المنصات الرقمية قد تقدم أحياناً رؤية غير مكتملة عن واقع الهجرة، إذ تركز بعض المحتويات على فرص النجاح والاستقرار، في حين تتجاهل المخاطر المرتبطة بالرحلة، مثل الاستغلال والعنف والديون ومخاطر الموت أثناء محاولات العبور غير النظامي.

وأدى التطور التكنولوجي إلى تغيير أساليب عمل شبكات تهريب المهاجرين، فلم تعد تعتمد فقط على التواصل المباشر أو الوسطاء المحليين، بل أصبحت تستخدم تطبيقات ومنصات رقمية للوصول إلى الراغبين في الهجرة، وتقديم خدمات غير قانونية، وتبادل المعلومات حول طرق العبور.

وسائل التواصل بيئة للهجرة

يشير مركز المستقبل للأبحاث المتقدمة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة جديدة لأنشطة الهجرة غير النظامية، حيث توفر قنوات منخفضة التكلفة وسريعة للتواصل بين المهربين والمهاجرين، وهو ما أسهم في ظهور مفهوم “التهريب الرقمي”.

ولا يقتصر الخطر على تسهيل الوصول إلى المهربين، بل يمتد إلى صعوبة التمييز بين المعلومات الحقيقية والمحتوى الدعائي الذي يهدف إلى جذب مزيد من الضحايا.

وتنظر المنظمات الدولية إلى تهريب المهاجرين باعتباره جريمة قد ترتبط بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، خاصة عندما يتعرض الأشخاص للاستغلال أو العنف أو المعاملة غير الإنسانية أثناء الرحلة.

شبكات تهريب المهاجرين

أكد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) أن شبكات تهريب المهاجرين تستغل نقاط ضعف الأشخاص الباحثين عن فرص فضلى، وأن التطور التكنولوجي أصبح أحد الأدوات التي تستخدمها هذه الشبكات للتواصل والترويج لخدماتها غير القانونية.

وتحذر المنظمة الدولية للهجرة (IOM) من أن المهاجرين في المسارات غير النظامية يواجهون مخاطر متعددة، تشمل العنف والاستغلال والاتجار بالبشر، داعية إلى توفير معلومات موثوقة ومسارات هجرة آمنة ومنتظمة للحد من اعتماد الأشخاص على شبكات التهريب.

وتثير ظاهرة “التهريب الرقمي” تساؤلات حول مسؤولية شركات التكنولوجيا والمنصات الاجتماعية في الحد من انتشار المحتوى الذي يروج لعمليات تهريب البشر أو يقدم معلومات مضللة تعرض حياة المستخدمين للخطر.

وتدعو المؤسسات الحقوقية إلى تعزيز الرقابة على المحتوى الإجرامي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير وحق الأفراد في الوصول إلى المعلومات، بحيث لا تتحول إجراءات مكافحة التهريب إلى قيود غير مبررة على الاستخدام المشروع للإنترنت.

الحاجة إلى حماية رقمية

لا تقتصر مواجهة الهجرة غير النظامية على تشديد الرقابة الحدودية، بل تتطلب أيضاً معالجة البيئة الرقمية التي تؤثر في قرارات المهاجرين قبل بدء الرحلة.

وتؤكد المقاربات الحقوقية الدولية أن الحلول الأكثر فاعلية تشمل نشر معلومات دقيقة حول مخاطر الهجرة غير النظامية، وتوفير قنوات قانونية وآمنة للهجرة، ومكافحة شبكات التهريب التي تستغل التكنولوجيا، مع ضمان حماية حقوق المهاجرين وعدم التعامل معهم باعتبارهم مجرد أرقام أو مخالفين للقانون.

ففي عصر الخوارزميات أصبحت حماية الإنسان تبدأ قبل وصوله إلى الحدود؛ تبدأ من اللحظة التي يتخذ فيها قرار الرحيل بناءً على صورة قد تكون حقيقية، وقد تكون وهماً صنعته شاشة هاتف.