تغادر أعداد متزايدة من الشباب أوطانها كل عام؛ بحثا عن فرصة عمل أو دخل أفضل، لكن الهجرة في كثير من الأحيان لا تبدأ عند الحدود، بل في اللحظة التي يفقد فيها الشاب ثقته بقدرة بلده على منحه فرصة عادلة لبناء مستقبله.
وعندما تتحول البطالة والعمل غير المستقر إلى واقع دائم، تصبح الهجرة انعكاسا لاختلال حقوق اقتصادية واجتماعية يفترض أن تكفلها الدول لمواطنيها، وفي مقدمتها الحق في العمل والعيش الكريم وتكافؤ الفرص.
وتكشف المقارنة بين جنوب إفريقيا وإسبانيا أن اختلاف الأداء الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج مختلفة بالنسبة للشباب، ففي الأولى، تدفع البطالة المرتفعة آلاف الشباب إلى البحث عن مستقبل خارج البلاد، بينما يجد كثير من الشباب الإسباني أنفسهم أمام اقتصاد يتعافى، لكنه لا يوفر دائما وظائف مستقرة تسمح لهم بالاستقلال الاقتصادي وبناء حياتهم.
البطالة والحق في العمل
تواجه جنوب إفريقيا واحدة من أعلى معدلات بطالة الشباب في العالم، وتشير تقديرات البنك الدولي، استنادا إلى بيانات منظمة العمل الدولية، إلى أن معدل البطالة بين الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاما بلغ نحو 59.9% خلال عام 2025، فيما تجاوز معدل البطالة العام 32%، مع وجود أكثر من ثمانية ملايين شخص خارج سوق العمل.
ورغم امتلاك البلاد ثاني أكبر اقتصاد في إفريقيا، يعيش ما يقارب 60% من السكان تحت خط الفقر الخاص بالشريحة العليا من الدخل المتوسط، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين الإمكانات الاقتصادية والواقع الاجتماعي.
ولا يقتصر أثر البطالة على فقدان الدخل، بل يمتد إلى تراجع فرص الحصول على السكن الملائم، والتعليم المستمر، والرعاية الصحية، والعمل اللائق، وهي حقوق يكفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما يزيد استمرار البطالة من احتمالات الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي والهجرة واتساع مظاهر التهميش الاجتماعي.
التعافي لا يبدد قلق الشباب
في المقابل، حققت إسبانيا خلال السنوات الأخيرة معدلات نمو وتحسنا في سوق العمل، إلا أن هذا التحسن لم ينعكس بالقدر نفسه على الشباب، فلا تزال العقود المؤقتة، وصعوبة الحصول على وظائف مستقرة، وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، تؤخر الاستقلال الاقتصادي لشريحة واسعة منهم.
استمرار هذه التحديات يجعل كثيرا من الشباب ينظرون إلى الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي باعتبارها فرصة للحصول على وظائف أكثر استقرارا وأجور أعلى، وهو ما يكشف أن التعافي الاقتصادي لا يحقق بالضرورة العدالة في توزيع فرص العمل.
وتنص المادة (23) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل فرد في العمل وفي شروط عمل عادلة ومرضية، فيما تكفل المادة (13) حقه في مغادرة أي بلد والعودة إليه.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الهجرة الاقتصادية باعتبارها قرارا فرديا فقط، بل باعتبارها مؤشرا على قدرة الدول على توفير بيئة اقتصادية تتيح لشبابها ممارسة حقوقهم داخل أوطانهم. فكلما تقلصت فرص العمل اللائق، اتسعت الهجرة بوصفها وسيلة للبحث عن الاستقرار والكرامة.
خسارة الكفاءات تهدد التنمية
يرى المحلل الاقتصادي مازن أرشيد، أن بطالة الشباب أصبحت من أبرز العوامل التي تدفع الكفاءات إلى الهجرة، وإن اختلفت أسبابها بين جنوب إفريقيا وإسبانيا.
ويقول أرشيد، في حديثه لـ”صفر”، إن جنوب إفريقيا تعاني تباطؤ النمو، وضعف الاستثمار، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، وهي عوامل تحد من قدرة الاقتصاد على خلق وظائف جديدة، وتدفع أصحاب المهارات إلى البحث عن فرص خارج البلاد.
أما في إسبانيا، فيرى أن المشكلة ترتبط أكثر بجودة الوظائف واستقرارها، إذ لا يجد كثير من الشباب فرصا تتناسب مع مؤهلاتهم أو توفر لهم الاستقرار المهني، ما يجعل أسواق العمل الأوروبية الأخرى أكثر جاذبية.
ويحذر أرشيد من أن استمرار هجرة الكفاءات يضعف القدرة الإنتاجية والابتكارية للاقتصادات الوطنية، ويحد من فرص النمو المستدام، فضلا عن خسارة استثمارات كبيرة أُنفقت على تعليم وتأهيل الشباب.
العمل اللائق أساس الاستقرار
تكشف تجربتا جنوب إفريقيا وإسبانيا أن البطالة ليست مجرد خلل في سوق العمل، بل قضية ترتبط بجوهر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فالقدرة على الحصول على وظيفة مستقرة لا توفر دخلا فحسب، وإنما تتيح للفرد الاستقلال الاقتصادي، والوصول إلى السكن، وتكوين الأسرة، والمشاركة الكاملة في الحياة العامة.
وفي هذا السياق، يصبح نجاح السياسات الاقتصادية مرهونا بقدرتها على توسيع فرص العمل اللائق أمام الشباب، وتقليص الفجوة بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
وحين تتحول الهجرة إلى الخيار الأكثر واقعية أمام أعداد متزايدة من الشباب، فإن ذلك يشير إلى أن الحق في العمل لا يزال يواجه تحديا حقيقيا، مهما بدت المؤشرات الاقتصادية الكلية إيجابية.

