منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تصاعد دور تركيا داخل حلف الناتو يختبر التوازن بين الأمن والالتزامات الحقوقية

29 يوليو 2026
عضوية تركيا في الناتو ترتبط بمنظومة قيم
عضوية تركيا في الناتو ترتبط بمنظومة قيم

لم تعد أدوار الدول داخل التحالفات العسكرية تُقاس بحجم ترسانتها أو إنفاقها الدفاعي فقط، بل بقدرتها على المواءمة بين متطلبات الأمن واحترام حقوق الإنسان، ومع تطور مفهوم الأمن في القانون الدولي، لم يعد استقرار الدول مرتبطاً بحماية الحدود وحدها، وإنما أيضاً بصون الحريات، وسيادة القانون، وحماية المدنيين، باعتبارها ركائز للأمن المستدام.

وفي هذا السياق، يسلط تنامي الدور التركي داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) الضوء على إشكالية متجددة تتمثل في العلاقة بين المكانة الأمنية للدول وسجلها الحقوقي.

وتؤدي تركيا دوراً محورياً في منظومة الأمن الإقليمي، لكنها تواجه في الوقت ذاته انتقادات حقوقية متواصلة بشأن الحريات العامة واستقلال القضاء وحرية التعبير، وهو ما يجعل تجربتها نموذجاً للنقاش حول مدى إمكانية الفصل بين النفوذ العسكري والالتزام بالمعايير الحقوقية.

حماية من العنف والانتهاكات

أعاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تعريف مفهوم الأمن منذ سنوات باعتباره حماية للإنسان من الخوف والعنف والانتهاكات، وليس مجرد حماية للدولة من التهديدات الخارجية.

وانطلاقاً من هذا المفهوم، أصبحت فعالية التحالفات الأمنية تقاس أيضاً بقدرتها على تعزيز الاستقرار القائم على احترام الحقوق وسيادة القانون، إلى جانب دورها في الردع العسكري.

ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة داخل حلف الناتو الذي يؤكد في وثائقه التأسيسية أن الديمقراطية والحريات الفردية وسيادة القانون تمثل قيماً مشتركة بين أعضائه، وليست مجرد مبادئ سياسية منفصلة عن المنظومة الأمنية.

وتمثل تركيا أحد أهم أعضاء الحلف بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط البحر الأسود والشرق الأوسط والقوقاز وشرق المتوسط، وهو ما منحها دوراً متنامياً في ملفات الأمن الإقليمي، وأمن الطاقة، والهجرة، ومكافحة الإرهاب.

ويرى مراقبون أن هذا الموقع جعل أنقرة لاعباً رئيسياً في معادلات الأمن الأوروبية والإقليمية، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

السجل الحقوقي تحت المجهر

في المقابل، لا تزال منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية تسجل ملاحظات متكررة بشأن أوضاع الحقوق والحريات في تركيا.

وتشير بيانات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى أن تركيا جاءت خلال السنوات الأخيرة بين الدول الأكثر صدوراً للأحكام المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، في قضايا شملت حرية التعبير والمحاكمة العادلة والاحتجاز التعسفي.

ووثقت كل من منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش استمرار ملاحقات قضائية بحق صحفيين ونشطاء ومعارضين سياسيين، معتبرتين أن القيود المفروضة على الحريات المدنية ما تزال تمثل أحد أبرز التحديات الحقوقية في البلاد.

وتظهر بيانات منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2025 أن تركيا احتلت المرتبة 159 من أصل 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة العالمي، في حين صنفتها منظمة فريدوم هاوس ضمن الدول “غير الحرة” بعد حصولها على 33 نقطة من أصل 100 في مؤشر الحريات لعام 2025.

وتعكس هذه المؤشرات استمرار الجدل حول العلاقة بين المتطلبات الأمنية وضمان الحقوق المدنية والسياسية، خاصة أن حرية الإعلام واستقلال القضاء يشكلان من منظور القانون الدولي جزءاً أساسياً من منظومة الأمن المجتمعي.

الردع لا يعفي من الالتزامات

يرى المحلل السياسي التركي علي الأسمر أن تصاعد الدور التركي داخل الناتو يرتبط بالموقع الجيوسياسي لتركيا، وما تواجهه من تحديات أمنية في البحر الأسود والشرق الأوسط والقوقاز وشرق المتوسط.

ويؤكد الأسمر، في حديثه لـ”صفر” أن امتلاك قدرات دفاعية فعالة يسهم في منع الفراغ الأمني الذي قد يقود إلى انتشار العنف والتنظيمات المسلحة، ما ينعكس على أمن المدنيين واستقرار المجتمعات.

ويضيف أن القانون الدولي يعترف بحق الدول في الدفاع عن نفسها، إلا أن هذا الحق يظل مقيداً بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ولا ينفصل عن الالتزام بحماية حقوق الإنسان واحترام سيادة القانون.

ويشير إلى أن عضوية تركيا في الناتو ترتبط بمنظومة قيم تقوم على الديمقراطية والحريات الأساسية، الأمر الذي يجعل الالتزام بهذه المبادئ جزءاً من شرعية أي دور أمني تمارسه الدولة.

الأمن يحتاج لحقوق ومؤسسات

تكشف التجربة التركية أن تنامي الدور الأمني للدول داخل التحالفات الدولية يضاعف مسؤوليتها في الالتزام بالمعايير الحقوقية التي تشكل أساس شرعية تلك التحالفات، فتعزيز القدرات الدفاعية قد يسهم في حماية الاستقرار الإقليمي، لكنه لا يغني عن بناء مؤسسات مستقلة، وضمان حرية التعبير، وترسيخ سيادة القانون، باعتبارها عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية في تحقيق الأمن.

وفي ظل التحديات الأمنية المتصاعدة، تؤكد التجارب الدولية أن الأمن المستدام لا يقوم على موازين القوة وحدها، بل على قدرة الدول على تحقيق توازن دائم بين مقتضيات الدفاع واحترام الحقوق والحريات الأساسية؛ لأن حماية الإنسان تظل المعيار الأهم لنجاح أي منظومة أمنية، وطنية كانت أم دولية.