سلط تقرير جديد أعده خبراء مستقلون بتكليف من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا الضوء على أوضاع الأطفال الأوكرانيين في المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية، محذراً من تعرضهم لسياسات منظمة تستهدف إعادة تشكيل هويتهم الوطنية من خلال برامج للتلقين العقائدي والتدريب العسكري، ورأى معدو التقرير أن طبيعة هذه الممارسات واتساع نطاقها قد يرقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية، في ظل استمرار الحرب وما تفرضه من تداعيات إنسانية متفاقمة على المدنيين، وخاصة الأطفال.
وعرض الخبراء نتائج التقرير خلال اجتماع عقد في العاصمة النمساوية فيينا، ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية تفاصيل الوثيقة التي أعدت في إطار آلية موسكو التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وهي الآلية المخصصة للتحقيق في أوضاع حقوق الإنسان داخل الدول المشاركة.
وأكد التقرير أن نحو 1.6 مليون طفل أوكراني يقيمون في شبه جزيرة القرم والمناطق الأوكرانية الواقعة تحت سيطرة روسيا يواجهون منظومة متكاملة من التلقين العسكري والفكري، في حين يتعرض الأطفال وأسرهم لضغوط متواصلة عندما يتمسكون بهويتهم الوطنية الأوكرانية.
وأوضح التقرير أن الخبراء رصدوا إجراءات منظمة تستهدف إدماج الأطفال واليافعين في بيئة تعليمية وتربوية تعتمد على مفاهيم عسكرية وقومية، ما يؤدي إلى تغيير نظرتهم إلى هويتهم الأصلية وإعادة تشكيل قناعاتهم لتتوافق مع الرواية الرسمية الروسية. واعتبر معدو التقرير أن هذه الممارسات لا تقتصر على المناهج الدراسية، بل تمتد إلى الأنشطة اليومية والبرامج الشبابية والمعسكرات التدريبية.
تلقين عسكري منظم
قال الخبير الفرنسي إرفيه أسانسيو، أحد أعضاء فريق التحقيق، إن الخبراء توصلوا إلى قناعة بأن السلطات الروسية أقامت نظاماً مؤسسياً يستهدف تلقين الأطفال الأوكرانيين عقائد سياسية وعسكرية بصورة منهجية، مؤكداً أن هذا النظام قد يرقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية وفقاً للمعايير القانونية الدولية إذا أثبتت التحقيقات جميع عناصرها.
وأضاف أن الأطفال وأفراد أسرهم يواجهون أشكالاً متعددة من الضغوط عندما يحاولون الحفاظ على هويتهم الأوكرانية، الأمر الذي يعمق المخاوف بشأن مستقبل جيل كامل ينشأ في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب الممتدة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
تجنيد الشباب والهروب من الخدمة
من جانبها، أوضحت الخبيرة اللاتفية إيلينا شتاينيرته أن فريق التحقيق وثق حالات أرسلت فيها السلطات الروسية استدعاءات الخدمة العسكرية إلى الشباب في الأراضي الأوكرانية الخاضعة لسيطرتها بوتيرة أسرع مقارنة بمناطق أخرى داخل روسيا.
وأكدت أن عدداً من الشبان الذين التقى بهم فريق الخبراء غادروا تلك المناطق دون إبلاغ عائلاتهم، بعدما قرروا الفرار خشية التجنيد الإجباري وإرسالهم إلى جبهات القتال، وأشارت إلى أن هذه الوقائع تعكس حجم الضغوط التي يعيشها الشباب في المناطق المحتلة، في ظل محدودية الخيارات المتاحة أمامهم.
معسكرات تدريب ومشاركة في القتال
ووثق التقرير وجود برامج تدريب عسكري تستهدف الأطفال واليافعين، إلى جانب حصص تعليمية تتناول استخدام الأسلحة والتدريب على المهارات العسكرية داخل معسكرات مخصصة لهذا الغرض، كما سجل التقرير حالات اندمج فيها بعض الشباب داخل القوات المسلحة قبل إرسالهم للمشاركة في العمليات العسكرية على خطوط المواجهة.
ورأى الخبراء أن هذه الممارسات تستوجب اهتماماً دولياً عاجلاً؛ لأنها تمس حقوق الأطفال التي تكفلها المواثيق والاتفاقيات الدولية، كما تهدد مستقبلهم الاجتماعي والنفسي وتزيد من تعقيد جهود إعادة تأهيلهم بعد انتهاء النزاع.
دعوات لإدراج الأطفال في مفاوضات السلام
وأكد التقرير أن أي مفاوضات مستقبلية لوقف إطلاق النار أو التوصل إلى اتفاق سلام يجب أن تمنح ملف الأطفال أولوية واضحة، مع ضرورة الاتفاق على إجراءات تضمن حمايتهم وإبعادهم عن أي استغلال سياسي أو عسكري.
كما أوصى الخبراء بفتح ممرات إنسانية آمنة تسمح بلم شمل الأطفال مع أسرهم، وتسهيل عودة من نقلوا بعيداً عن مناطقهم الأصلية، إلى جانب توفير الدعم النفسي والتعليمي والاجتماعي للأطفال الذين تأثروا بالحرب.
تحديات إعادة الدمج
وأشارت إيلينا شتاينيرته إلى أن السلطات الأوكرانية بدأت تنفيذ برامج لإعادة دمج الأطفال العائدين إلى مجتمعاتهم، إلا أنها شددت على أن حجم المهمة يفوق الإمكانات الحالية؛ نظراً للأعداد الكبيرة للأطفال المتضررين وما تعرضوا له من تجارب معقدة خلال سنوات الحرب.
وأضافت أن إعادة دمج هؤلاء الأطفال تحتاج جهوداً طويلة الأمد تشمل الدعم النفسي والتعليم وإعادة بناء الروابط الأسرية والاجتماعية، حتى يتمكنوا من تجاوز آثار الصراع واستعادة حياتهم الطبيعية.
وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن الانتهاكات الموثقة تشمل نحو 1.6 مليون طفل يعيشون في شبه جزيرة القرم والمناطق الأوكرانية الخاضعة للسيطرة الروسية، كما تؤكد السلطات الأوكرانية أن 20610 أطفال نقلوا إلى الأراضي الروسية منذ اندلاع الحرب، في حين يواصل المجتمع الدولي متابعة هذا الملف في إطار الجهود الرامية إلى حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات محتملة للقانون الدولي الإنساني.
تشكل آلية موسكو إحدى أهم أدوات منظمة الأمن والتعاون في أوروبا للتحقيق في أوضاع حقوق الإنسان داخل الدول المشاركة، حيث تسمح بتكليف خبراء مستقلين بإعداد تقارير ميدانية عندما تثير دولة أو مجموعة من الدول مخاوف تتعلق بانتهاكات جسيمة، وفعلت 41 دولة هذه الآلية في 14 مايو من أجل التحقيق في أوضاع الأطفال داخل الأراضي الأوكرانية الخاضعة للسيطرة الروسية.
ويأتي التقرير في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في فبراير 2022، في حين يواصل المجتمع الدولي توثيق الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات جنيف، مع تأكيد أن تحديد المسؤولية الجنائية عن أي جرائم يبقى من اختصاص الهيئات القضائية الدولية المختصة بعد استكمال التحقيقات والإجراءات القانونية.
