منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد ثلاثة عقود من المجزرة

الأمم المتحدة تستحضر مأساة سريبرينيتسا وتدعو إلى مواجهة خطاب الكراهية قبل فوات الأوان

10 يوليو 2026
تشالوكا بياني، المستشار الخاص للأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية
تشالوكا بياني، المستشار الخاص للأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية

تحيي الأمم المتحدة الذكرى السنوية للإبادة الجماعية التي شهدتها مدينة سريبرينيتسا في البوسنة والهرسك، مستذكرة أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى من مسلمي البوسنة الذين فقدوا حياتهم خلال أيام قليلة من شهر يوليو عام 1995، في واحدة من أكثر الجرائم دموية في التاريخ الأوروبي الحديث.

كما كرمت المنظمة الدولية النساء والناجين الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية استكمال الحياة بعد المأساة، وسط تأكيدات بأن حماية الذاكرة الجماعية تمثل خطوة أساسية لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.

ونشر الموقع الرسمي للأمم المتحدة تفاصيل مراسم إحياء ذكرى مجزرة سريبرينيتسا التي أقيمت في مقر المنظمة الدولية، حيث شدد المسؤولون والمتحدثون على أن العالم لا يستطيع الاكتفاء باستذكار الضحايا، بل يجب أن يواجه بجدية تصاعد خطاب الكراهية والتمييز، باعتبارهما من أبرز المؤشرات التي تمهد لوقوع الجرائم الجماعية. كما أكد المشاركون أن العدالة الدولية أرست حقائق قانونية لا يجوز التشكيك فيها أو إخضاعها للاعتبارات السياسية.

وشهدت المناسبة كلمات مؤثرة من ناجين فقدوا أفراداً من أسرهم خلال المجزرة، إلى جانب رسائل من كبار مسؤولي الأمم المتحدة ورؤساء مؤسسات دولية، ركزت جميعها على ضرورة حماية الحقيقة التاريخية، ومواجهة محاولات إنكار الإبادة الجماعية أو التقليل من حجمها، لما يمثله ذلك من خطر على السلم والاستقرار وحقوق الإنسان.

ذكريات لا تغيب

استعاد حسن حسنوفتيش، رئيس برنامج التاريخ الشفهي في مركز سريبرينيتسا التذكاري، تفاصيل الأيام التي عاشها وهو في التاسعة عشرة من عمره عندما سيطرت قوات صرب البوسنة على المدينة في الحادي عشر من يوليو عام 1995.

وروى أنه فر برفقة والده وشقيقه التوأم حسين ضمن قافلة من الرجال والفتيان الذين حاولوا الوصول إلى مناطق آمنة عبر الغابات، إلا أن الفوضى والكمائن والقصف فرقت بينهم خلال الساعات الأولى، ليجد نفسه وحيداً وهو يواصل السير لأيام طويلة وسط الجوع والخوف والإرهاق.

وأكد أن الخوف كان الدافع الوحيد الذي منحه القدرة على الاستمرار حتى نجا من الموت، قبل أن يعيش لاحقاً أصعب لحظات حياته عندما عثر على رفات والده وشقيقه في مقابر جماعية وشارك بنفسه في دفنهما بعد سنوات من البحث، مشيراً إلى أن تلك اللحظات تركت جرحاً لا يمكن أن يندمل.

رسالة تحمل مسؤولية العالم

وأكد تشالوكا بياني، المستشار الخاص للأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية، أن ما جرى في سريبرينيتسا سيظل عبئاً ثقيلاً على ضمير المجتمع الدولي والأمم المتحدة والتاريخ الحديث، داعياً إلى تحمل المسؤولية الجماعية في حماية الشعوب من الجرائم الجماعية.

كما دعا الحضور إلى الوقوف دقيقة صمت تكريماً للضحايا، وإحياء ذكرى النساء والفتيات اللواتي تعرضن للتهجير القسري والانتهاكات الجسيمة بعد سقوط المدينة، مؤكداً أن العدالة لا تكتمل إلا بالحفاظ على ذاكرة الضحايا واحترام معاناتهم.

تحذير من مؤشرات الخطر

وجّه الأمين العام للأمم المتحدة رسالة إلى المشاركين أكد فيها أن العالم تعهد بعد مجزرة سريبرينيتسا بألا تتكرر مثل هذه الجرائم، إلا أن الواقع الحالي يفرض تحديات خطيرة مع تنامي خطاب الكراهية وتصاعد مظاهر التمييز والتطرف والانقسام في عدد من مناطق العالم.

وأشار إلى أن تمجيد مجرمي الحرب المدانين وإنكار الجرائم التاريخية يمثلان إشارات إنذار تستوجب التحرك المبكر، مؤكداً أن الوقاية من الإبادة الجماعية مسؤولية مشتركة تتطلب تحركاً جماعياً قبل تحول الكراهية إلى أعمال عنف منظمة.

رفض إنكار الإبادة

من جانبه، شدد دينيس بيتشيروفيتش، رئيس هيئة رئاسة البوسنة والهرسك، على أهمية الدفاع عن القانون الدولي وصون مكانة المؤسسات القضائية الدولية، مؤكداً أن الأحكام القضائية التي أثبتت وقوع الإبادة الجماعية لا يجوز تحويلها إلى مادة للخلافات السياسية.

وأوضح أن إنكار الإبادة الجماعية بحق البوسنيين لا يقتصر على تشويه الحقيقة التاريخية، بل يشكل تهديداً مباشراً للمجتمعات ويهين ذكرى الضحايا، مشدداً على أن احترام العدالة يمثل الضمانة الأساسية لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.

الكراهية بداية المأساة

وأكدت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أنالينا بيربوك أن الإبادة الجماعية لا تبدأ بعمليات القتل أو المقابر الجماعية، وإنما تنطلق من نشر الكراهية وترسيخ التمييز وتقسيم المجتمعات إلى فئات متناحرة، ثم تتطور تدريجياً إلى سياسات تنزع عن الإنسان كرامته وحقوقه الأساسية.

ودعت المجتمع الدولي إلى تحويل عبارة “لن يتكرر ذلك أبداً” إلى التزام عملي وسياسات حقيقية تعزز قيم العدالة والمساواة وتحارب خطابات التحريض قبل أن تتحول إلى جرائم واسعة النطاق.

شهادات تؤكد استمرار الألم

وحملت شهادة أمينة سينانوفيتش بعداً إنسانياً عميقاً خلال مراسم إحياء الذكرى، إذ أكدت أنها كانت في الخامسة من عمرها عندما فقدت والدها وجدها وعمها في المجزرة، وأن سريبرينيتسا بالنسبة إليها ليست مجرد محطة في كتب التاريخ، وإنما واقع يرافقها في كل يوم من حياتها.

وقالت إن والدها الذي كان يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً قُتل داخل مستودع في كرافيتسا، حيث فقد آلاف الأشخاص حياتهم خلال عمليات الإعدام الجماعي، موضحة أنها لا تمتلك سوى ذكريات محدودة عنه، في حين تحتفظ بعلبة سجائر صغيرة عثر عليها إلى جوار رفاته في إحدى المقابر الجماعية، باعتبارها الأثر الوحيد الذي بقي لها منه.

وأكدت أن آثار الإبادة الجماعية لا تنتهي مع توقف عمليات القتل، بل تستمر في حياة العائلات والأبناء والأجيال التي تكبر وهي تحمل فقدان أحبائها وآثار الصدمة النفسية والاجتماعية.

شهدت مدينة سريبرينيتسا الواقعة شرقي البوسنة والهرسك في يوليو عام 1995 واحدة من أبشع الجرائم خلال حرب البوسنة، بعدما سيطرت قوات صرب البوسنة على المدينة التي أعلنها مجلس الأمن الدولي منطقة آمنة بموجب القرار رقم 819 الصادر عام 1993، وبعد دخول القوات إلى المدينة فصلت الرجال والفتيان عن النساء والأطفال، ثم نفذت عمليات إعدام جماعية ودفنت الضحايا في مقابر جماعية بهدف إخفاء معالم الجريمة.

وأقرت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة ومحكمة العدل الدولية بأن ما جرى في سريبرينيتسا يرقى إلى جريمة إبادة جماعية.

واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2024 يوم الحادي عشر من يوليو يوماً دولياً للتفكر في الإبادة الجماعية التي وقعت في سريبرينيتسا وإحياء ذكراها، بهدف ترسيخ الوعي بخطورة خطاب الكراهية والتمييز وتعزيز الجهود الدولية لمنع تكرار الجرائم الجماعية.

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print