منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

خدعة احتجاز الكربون الكبرى.. مليارات مهدرة يمكن استردادها

09 يوليو 2026
رسم توضيحي: إليانور شكسبير/صحيفة الغارديان
رسم توضيحي: إليانور شكسبير/صحيفة الغارديان

هل يبحث رئيس الوزراء الجديد عن أموال؟ حسنًا، هناك 21.7 مليار جنيه إسترليني ملقاة أمامه. يمكن للحكومة أن تلغي برنامجها المربك والمدمر لاحتجاز وتخزين الكربون (CCS) من دون أي تكلفة على رفاهية المواطنين، بل على العكس، فإن إلغاءه سيقلل بشكل كبير من الأضرار التي سنعاني منها مستقبلًا.
عذرًا، هل قلت 21.7 مليار جنيه؟ هذا هو الرقم الذي تضعه الحكومة في بياناتها الصحفية باعتباره حجم الإنفاق على هذا البرنامج حتى عام 2050. لكن هذا الرقم لا يشمل سوى المرحلة الأولى من المشروع. فقد قام خبراء المناخ الدكتور أندرو بوزويل وسايمون أولدريدج بمراجعة البيانات التي أعدتها لجنة تغير المناخ الحكومية، والتي كانت موزعة بين جداول مختلفة، واكتشفا أن التكلفة المتوقعة للبرنامج الكامل لاحتجاز الكربون حتى عام 2050 تصل إلى 264 مليار جنيه إسترليني.
نعم، 264 مليار جنيه. أكثر من ربع تريليون جنيه. وستتقاسم هذه التكلفة الحكومة والقطاع الخاص، لكن بالنظر إلى سجل برامج احتجاز الكربون السابقة، يمكننا أن نتوقع أن يتحمل المواطنون الجزء الأكبر منها.
وقد كشف تحقيق أجرته لجنة الحسابات العامة في مجلس العموم أن نحو 25% من التكلفة العامة للبرنامج ستتحملها الحكومة بشكل مباشر، بينما سيأتي الجزء الأكبر من خلال رسوم إضافية تُفرض على فواتير الطاقة. على الحكومة أن تشرح للناخبين أنها تخطط لتحميلهم ما يصل إلى 198 مليار جنيه عبر فواتيرهم، ثم ترى كيف سيكون رد فعلهم.
وحتى هذا الرقم قد لا يكون النهاية؛ ففي وثيقة جانبية غامضة، هناك التزام حكومي بدفع “علاوة” على الهيدروجين المنتج ضمن برنامج احتجاز الكربون لمدة 15 عامًا. هذا الالتزام لم يتم تحديد تكلفته بعد، لكنه قد يضيف عشرات المليارات الأخرى.
لكن أليس احتجاز الكربون ضروريًا لخفض الانبعاثات؟ هكذا قدمت الحكومة المشروع. لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا؛ فهذا البرنامج قد يؤدي إلى زيادة ضخمة في الانبعاثات.
تقول لجنة تغير المناخ إن دور احتجاز الكربون “يقتصر على القطاعات التي لا توجد لها بدائل أو توجد لها بدائل محدودة”، لكن هذا الكلام غير صحيح، فبيانات اللجنة نفسها تشير إلى أن ما بين 5% و6% فقط من تطبيقات احتجاز الكربون في بريطانيا ستُستخدم لمعالجة انبعاثات قطاعات صناعية مثل الكيماويات والإسمنت، وهي قطاعات يصعب خفض انبعاثاتها، رغم وجود بعض البدائل الجزئية.
أما الجزء الأكبر من مشاريع احتجاز الكربون فسيُستخدم مع محطات كهرباء جديدة تعمل بالوقود الأحفوري، ومحطات حرق الأخشاب، وإنتاج الهيدروجين من الغاز الطبيعي. وفي الواقع، معظم المشاريع المدرجة في المرحلة الأولى من خطة الحكومة تعتمد على الوقود الأحفوري.
لكن البدائل موجودة وبوفرة، فمع التطور السريع في تكنولوجيا البطاريات، أصبح من الممكن توفير نظام كهرباء مستقر ومتوازن من دون الاعتماد على الوقود الأحفوري، لذلك فإن الادعاء بأن احتجاز الكربون ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها هو ادعاء لا يستند إلى أساس قوي.
كما أن إصرار الحكومة على إنتاج الهيدروجين من الغاز الطبيعي مع احتجاز الكربون يفتقر إلى المبرر، فبياناتها نفسها تظهر أن إنتاج الهيدروجين بهذه الطريقة سيكون بحلول عام 2050 أكثر تكلفة بمرتين من إنتاجه عبر تحليل المياه باستخدام الكهرباء المتجددة.
محطات احتجاز الكربون الجديدة ستؤدي إلى زيادة استخدام الغاز بشكل كبير مقارنة بما كانت بريطانيا ستحتاج إليه في الظروف الطبيعية.
وفي النهاية، يعني ذلك زيادة الاعتماد على واردات الغاز الطبيعي المسال، ونحن نعلم الآن أن تسرب غاز الميثان خلال مراحل الإنتاج والنقل يجعل الغاز الطبيعي المسال أكثر تسببًا في الانبعاثات من الفحم، فثلثا تأثيره المناخي يحدث قبل وصول الغاز إلى بريطانيا.. لكن لا بأس، فهذا لا يُحتسب ضمن الأرقام الوطنية للانبعاثات.
لو كان الهدف الحقيقي هو خفض الانبعاثات، لكان الطريق الواضح هو التخلص من استخدام الوقود الأحفوري في قطاع الكهرباء، والتوسع بدلًا من ذلك في الطاقة المتجددة وتخزين الطاقة بالبطاريات.. النتيجة ستكون تأثيرًا مناخيًا أقل وفواتير كهرباء أقل، لكن البرنامج الحالي سيفعل العكس تمامًا: سيزيد الانبعاثات والتكاليف. والسؤال هنا: لماذا؟
الإجابة أن المشروع بُني بطريقة خاطئة من البداية، ويبدو أنه جاء نتيجة ضغط هائل من شركات الوقود الأحفوري.. ففي عام 2023 وحده، ومع اقتراب اتخاذ القرار النهائي بشأن تنفيذ البرنامج، عقدت شركات النفط إكوينور وبي بي وإكسون موبيل 24 اجتماعًا مع وزراء في الحكومة المحافظة لمناقشة احتجاز الكربون.
والسبب واضح: هذه الشركات تعرف أن احتجاز الكربون هو الطريقة الوحيدة التي قد تسمح لها بمواصلة حرق الغاز.. لقد حاولت الحكومات إيجاد حل يرضي مطالب هذه الشركات وفي الوقت نفسه يلتزم بأهداف المناخ، وكانت النتيجة ولادة مشروع ضخم بتكلفة 264 مليار جنيه.
وكما تقول لجنة تغير المناخ نفسها، فإن الغاز المصحوب باحتجاز الكربون سيمثل نحو نصف الطلب المتبقي على الوقود الأحفوري في بريطانيا عام 2050. بمعنى آخر، هذا المشروع هو طوق النجاة لصناعة الوقود الأحفوري.
والآن نعرف شيئًا آخر: أن المصداقية العلمية لاحتجاز الكربون كحل لأزمة المناخ تأثرت بدور شركة بي بي. فقد كشفت تحقيقات استقصائية أجرتها مؤسستا “بروبابليكا” و”دريلِد” أن شركة بي بي مولت وساهمت في توجيه واحدة من أشهر الدراسات المناخية على الإطلاق.
الدراسة المعروفة باسم “الشرائح” (Wedges)، والتي نُشرت عام 2004، أصبحت أساسًا للعديد من السياسات المناخية حول العالم، وكانت تهدف إلى إثبات إمكانية تحقيق استقرار المناخ مع استمرار استخدام الوقود الأحفوري، وكان احتجاز وتخزين الكربون أحد الحلول الرئيسية التي اعتمدت عليها.
الرئيس التنفيذي لشركة بي بي هو من اقترح فكرة “الشرائح”، كما شارك أحد المسؤولين التنفيذيين بالشركة بشكل كبير في إعداد الدراسة لدرجة أن العلماء اقترحوا إدراج اسمه كمؤلف مشارك، لكنه رفض، فصناعة النفط لا تحب عادة ترك بصماتها واضحة.
لقد بالغت الدراسة بشكل كبير في قدرات احتجاز الكربون، وقدمت التقنية وكأنها “مطبقة بالفعل على نطاق صناعي”، بينما كانت في الحقيقة لا تزال في مراحل اختبار محدودة، ومع ذلك، أصبحت أساسًا لثلاثة من أصل 15 إجراءً اقترحته الدراسة لمواجهة تغير المناخ.
ومنذ ذلك الوقت، شهدنا سلسلة طويلة من الوعود البراقة التي انتهت إلى إخفاقات جزئية أو كاملة، ففي بريطانيا وحدها، تم التخلي عن ثلاث محاولات لإنشاء مشاريع لاحتجاز الكربون بسبب ارتفاع التكاليف وعدم إمكانية التنفيذ.
وكما قالت لجنة الحسابات العامة، فإن الحكومة “تتخذ نهجًا عالي المخاطر من خلال دعم تقنيات جديدة وغير مثبتة بمبالغ ضخمة من أموال دافعي الضرائب والمستهلكين”.
لكن النجاح ليس هو الهدف الحقيقي. الهدف هو توفير مبرر ممول من المال العام يسمح لصناعة الوقود الأحفوري بمواصلة العمل. ومن هو المشغل الرئيسي لأول تجمع لمشروعات احتجاز الكربون في خطة الحكومة؟ إنها شركة بي بي.
وهكذا نعود إلى نقطة البداية. فمن البداية وحتى النهاية، يخدم هذا البرنامج قطاعًا يُعد من أكثر القطاعات ضررًا بالمجتمع والبيئة.
الأموال المهدرة، والسنوات الضائعة، والأرواح التي ستتأثر.. إلى متى سيستمر هذا العبث؟ وكم عدد التحذيرات الأخرى التي ستتجاهلها الحكومة قبل أن تعيد النظر؟

*نقلا عن الغارديان

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print