منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مجلس حقوق الإنسان يجدد ولاية الخبير المستقل المعني بحقوق الإنسان والتضامن الدولي

07 يوليو 2026
التضامن الدولي في قلب نقاشات مجلس حقوق الإنسان
التضامن الدولي في قلب نقاشات مجلس حقوق الإنسان

صوّت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لمصلحة تجديد ولاية الخبير المستقل المعني بحقوق الإنسان والتضامن الدولي، بعد نقاشات واسعة عكست تبايناً واضحاً في مواقف الدول بشأن مفهوم “التضامن الدولي” وما إذا كان يشكل حقاً مستقلاً من حقوق الإنسان أم مجرد مبدأ سياسي وأخلاقي يحكم العلاقات بين الدول.

وانتهى التصويت باعتماد مشروع القرار L.8 بأغلبية 29 صوتاً مؤيداً مقابل 14 صوتاً معارضاً، مع امتناع دولة واحدة عن التصويت، ليواصل المجلس بذلك إحدى ولاياته التي تركز على تعزيز التعاون الدولي باعتباره أداة لدعم حقوق الإنسان والتنمية.

جاء اعتماد القرار ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في مدينة جنيف السويسرية، حيث ناقش المجلس خلال اجتماعه الثالث والثلاثين عدداً من مشاريع القرارات المتعلقة بآليات الأمم المتحدة الخاصة.

وبرز مشروع القرار الخاص بتجديد ولاية الخبير المستقل المعني بحقوق الإنسان والتضامن الدولي باعتباره من أكثر الملفات التي أثارت نقاشاً قانونياً وسياسياً، في ظل تباين مواقف الدول بشأن الطبيعة القانونية لمفهوم التضامن الدولي وحدود اختصاص مجلس حقوق الإنسان في هذا المجال.

التضامن الدولي يعزز حقوق الإنسان

قدمت كوبا مشروع القرار أمام المجلس، مؤكدة أن ولاية الخبير المستقل تستند إلى أحد المبادئ الأساسية التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، والمتمثل في التعاون والتضامن بين الدول باعتباره شرطاً أساسياً لتعزيز احترام حقوق الإنسان، ولا سيما الحق في التنمية.

وأوضحت أن العمل على إعداد إعلان بشأن الحق في التضامن الدولي شهد زخماً متزايداً بين سبتمبر 2025 وأبريل 2026، مشيرة إلى وجود العديد من النماذج التي أثبتت كيف يسهم التضامن الدولي في مواجهة التحديات العالمية وتعزيز حقوق الإنسان.

وأكدت أن تجديد الولاية يهدف إلى مواصلة هذا المسار، داعية أعضاء المجلس إلى دعم مشروع القرار والتصويت له.

العالم بحاجة إلى التعاون

أعلنت الصين دعمها الكامل لتجديد الولاية، معتبرة أن المجتمع الدولي يواجه تحديات متشابكة تستدعي تعزيز التعاون والتضامن بدلاً من الانقسام.

وقالت إن العالم يحتاج اليوم إلى المساواة والعدالة والسلام والتعاون الدولي أكثر من أي وقت مضى، مشددة على ضرورة رفض تسييس قضايا حقوق الإنسان واستغلالها، والعمل بدلاً من ذلك على اتخاذ إجراءات عملية تعزز التنمية المستدامة وتحمي الحقوق الأساسية.

ودعت جميع الدول إلى التعاون على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

ومن جانبها، أشادت إثيوبيا بالدور الذي تضطلع به كوبا في قيادة هذا الملف، مؤكدة أن التضامن الدولي يمثل ركيزة أساسية لتنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

وأوضحت أن العالم يواجه تحديات متزايدة تشمل الأزمات الاقتصادية والنزاعات والتغيرات المناخية، وهو ما يجعل التعاون الدولي ضرورة وليس خياراً.

وأكدت أن استمرار ولاية الخبير المستقل يوفر منصة مهمة لتعزيز الحوار وبناء التفاهم بين الدول، ويساعد على تجاوز العقبات التي تعترض التعاون الدولي، معلنة دعمها الكامل للقرار.

التضامن والشراكات العملية

من جانبها، رأت كينيا أن أهمية التضامن الدولي تكمن في قدرته على معالجة الأزمات العابرة للحدود، مثل تغير المناخ، وانعدام الأمن الغذائي، والطوارئ الصحية، والأزمات الإنسانية، واتساع فجوات التنمية.

وأكدت أن التضامن الحقيقي ينبغي أن يترجم إلى تعاون عملي يقوم على بناء القدرات، ونقل المعرفة، وتقديم المساعدة التقنية، ما يمكن الدول النامية من مواجهة التحديات العالمية وتعزيز الحق في التنمية.

وأكدت مصر، بصفتها إحدى الدول المشاركة في تقديم مشروع القرار، أن النص يدعو إلى العمل المشترك والدعم المتبادل من أجل تعزيز حقوق الإنسان.

وأوضحت أن انخراط الدول بصورة بناءة مع ولاية الخبير المستقل لا يمثل مجرد التزام نظري، بل يشكل أداة مهمة لتعزيز التعاون الدولي وتجاوز الخلافات.

وأضافت أن مفهوم التضامن الدولي لا يقتصر على كونه قيمة إنسانية وأخلاقية مشتركة، بل يمثل وسيلة لتعزيز التعاون والعمل الجماعي من أجل حماية الكرامة الإنسانية، داعية جميع الدول إلى دعم مشروع القرار.

اعتراضات على الأساس القانوني

في المقابل، برزت اعتراضات عدد من الدول الغربية التي أكدت أهمية التضامن الدولي من الناحية الأخلاقية والسياسية، لكنها رفضت اعتباره حقاً مستقلاً من حقوق الإنسان.

وأكدت المملكة المتحدة أنها تقدر القيمة الأخلاقية للتضامن الدولي، خاصة في ظل النزاعات الدولية وتراجع الثقة بين الدول، لكنها ترى أن هذا المفهوم لا يتمتع بأساس قانوني واضح في القانون الدولي.

وأضافت أن تحويل المبادئ السياسية إلى حقوق قانونية مستقلة قد يؤدي إلى إضعاف الإطار القانوني الدولي لحقوق الإنسان الذي يقوم أساساً على حقوق الأفراد والتزامات الدول تجاههم.

وأعلنت لندن أنها ستطلب إجراء تصويت رسمي وستصوت ضد مشروع القرار.

وأعربت اليابان عن موقف مماثل، مؤكدة أنها لا تعارض أهمية التضامن الدولي بوصفه مبدأً أخلاقياً وسياسياً، لكنها ترى أن تعريفه الوارد في القرار يفتقر إلى الوضوح.

وشددت على أن أصحاب حقوق الإنسان هم الأفراد، وأن المسؤولية الأساسية عن حمايتها تقع على عاتق الدول، معتبرة أن القضايا التي تعالجها هذه الولاية تتجاوز اختصاص مجلس حقوق الإنسان، ولهذا أعلنت رفضها لمشروع القرار.

المكسيك.. دعم مشروط

أما المكسيك، فأكدت أن التعاون والتضامن الدولي يمثلان أدوات فعالة لمعالجة الأسباب الهيكلية للتحديات العالمية، وأعلنت دعمها لتجديد ولاية الخبير المستقل لمدة ثلاث سنوات.

وأوضحت في الوقت نفسه أن التضامن الدولي لم يرقَ بعد إلى مستوى المبدأ القانوني المستقر في القانون الدولي أو قانون حقوق الإنسان، مؤكدة أن العلاقات الدولية يجب أن تستند إلى الاحترام المتبادل والسيادة الوطنية.

وتحدثت إستونيا باسم الاتحاد الأوروبي، مؤكدة أن دول الاتحاد تعد أكبر مانح للمساعدات الإنمائية الرسمية في العالم، وتواصل دعم التنمية المستدامة والشراكات الدولية.

ورغم ذلك، أوضح الاتحاد الأوروبي أنه يتحفظ على اعتبار التضامن الدولي حقاً مستقلاً من حقوق الإنسان، محذراً من أن ذلك قد يضعف منظومة الحقوق الفردية الراسخة وينقل المسؤولية بعيداً عن التزامات الدول تجاه مواطنيها.

وأشار إلى أن العديد من القضايا التي تتناولها الولاية تعالجها بالفعل وكالات الأمم المتحدة المتخصصة وآليات أخرى، داعياً إلى تجنب الازدواجية، خاصة في ظل القيود المالية الحالية.

الحاجة لمزيد من النقاش

وفي مداخلة لاحقة، أكدت كينيا أنها تدعم استقلالية ولايات الإجراءات الخاصة، لكنها ترى أن غياب التوافق حول الأساس المعياري لمفهوم التضامن الدولي يستوجب مزيداً من الحوار داخل المجلس.

وأوضحت أن مشروع الإعلان بشأن التضامن الدولي يحتاج إلى مزيد من الدراسة، مؤكدة استعدادها للمشاركة في المناقشات المستقبلية، ما يسهم في بناء فهم مشترك لهذا المفهوم.

وبعد انتهاء المداخلات، أعلن رئيس المجلس الانتقال إلى التصويت المسجل على مشروع القرار، حيث أظهرت النتائج وجود انقسام واضح بين الدول المؤيدة والمعارضة.

فقد أيد القرار 29 عضواً، مقابل 14 دولة عارضته، في حين امتنعت دولة واحدة عن التصويت، ليتم اعتماد مشروع القرار وتجديد ولاية الخبير المستقل المعني بحقوق الإنسان والتضامن الدولي.

ويعكس هذا التصويت استمرار الجدل داخل مجلس حقوق الإنسان بشأن العلاقة بين حقوق الإنسان التقليدية ومفاهيم التعاون الدولي والتنمية، إذ ترى مجموعة واسعة من الدول النامية أن التضامن الدولي يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية والتمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في حين تعده دول أخرى مبدأً سياسياً وأخلاقياً مهماً، لكنه لا يرقى إلى مرتبة حق قانوني مستقل ضمن منظومة القانون الدولي لحقوق الإنسان.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print