من أكثر التحولات أهمية في الفكر الحقوقي الحديث الانتقال من النظر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم متلقين للرعاية، إلى الاعتراف بأنهم أصحاب حقوق كاملة، هذا التحول ليس لغوياً فقط، إنه يغير كل شيء: السياسات، الخدمات، القوانين، التعليم، العمل، المشاركة، وحتى الطريقة التي يفهم بها المجتمع مفهوم المساواة.
خلال مناقشات مجلس حقوق الإنسان، حظي مشروع القرار المتعلق بتجديد ولاية المقرر الخاص المعني بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بدعم واسع، فالمكسيك، باسم المكسيك ونيوزيلندا، أوضحت أن الهدف هو تمديد الولاية لثلاث سنوات، مؤكدة أن هذه الولاية، منذ إنشائها عام 2014، لعبت دوراً أساسياً في ترسيخ عدم التمييز والنهوض بتنفيذ اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
أهمية هذه الولاية أنها الوحيدة في منظومة الأمم المتحدة التي تركز تحديداً على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وهذا يعني أنها ليست مجرد آلية إضافية، بل مساحة ضرورية لإبقاء هذا الملف في قلب النقاش الدولي، فبعد عشرين عاماً تقريباً على اعتماد الاتفاقية، لا يزال التحدي الأكبر هو التنفيذ: كيف تتحول الالتزامات القانونية إلى مدارس دامجة، ومبانٍ قابلة للوصول، وفرص عمل عادلة، وخدمات صحية مناسبة، ومشاركة سياسية حقيقية؟
الأشخاص ذوو الإعاقة
التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة لا يظهر دائماً بشكل مباشر، أحياناً يكون في درج أمام مؤسسة عامة، أو موقع إلكتروني غير قابل للاستخدام، أو مدرسة ترفض التهيئة، أو صاحب عمل يفترض العجز قبل أن يرى القدرة، أو نظام قضائي لا يوفر تسهيلات إجرائية، هذه الحواجز قد تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة انتهاكات يومية للمساواة.
إستونيا، باسم الاتحاد الأوروبي، قدمت مداخلة مهمة ركزت على العقبات المستمرة أمام الأشخاص ذوي الإعاقة في الوصول، والاستقلالية، والعيش المستقل، والمشاركة العامة والسياسية، والتعليم، والعمل، والصحة، والحماية الاجتماعية.
وشددت على التمييز المتقاطع، خصوصاً الذي تواجهه النساء والفتيات ذوات الإعاقة، هذه النقطة بالغة الأهمية؛ لأن الإعاقة لا تُعاش بمعزل عن النوع الاجتماعي أو الفقر أو المكان أو العمر، فتاة ذات إعاقة في منطقة فقيرة قد تواجه طبقات متعددة من الإقصاء لا تشبه تجربة رجل بالغ في مدينة تتوفر فيها خدمات فضلى.
غامبيا ركزت أيضاً على التمييز والتهميش والوصم الاجتماعي، وعلى ضرورة ضمان الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والعمل والعدالة والخدمات العامة والحماية الاجتماعية، وهذا يؤكد أن الإدماج لا يعني وجود قانون فقط، بل وجود سلسلة متكاملة من السياسات التي تجعل الإنسان قادراً على ممارسة حياته باستقلال وكرامة.
حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
الصين أشارت إلى زاوية حديثة تتعلق بالذكاء الاصطناعي وإمكانية الوصول، فالتكنولوجيا هنا يمكن أن تكون أداة تمكين إذا صُممت بشكل شامل: ترجمة فورية، قراءة نصوص، مساعدات صوتية، أدوات تنقل، تعليم رقمي ميسر، لكنها قد تتحول إلى حاجز جديد إذا صُممت لمن يُفترض أنهم “مستخدمون طبيعيون” فقط، لذلك فإن مستقبل حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة سيتحدد أيضاً داخل عالم التكنولوجيا، لا في المباني والسياسات التقليدية فقط.
مصر وكوريا واليابان وإثيوبيا شددت على أهمية بناء القدرات، والتعاون، وتبادل الخبرات، وتنفيذ الاتفاقية، ودور المقرر الخاص في تقديم التوصيات والمساعدة الفنية، هذا البعد مهم لأن كثيراً من الدول لا يحتاج إلى خطاب حقوقي فقط، بل إلى أدوات تطبيق.. كيف نصمم سياسة دامجة؟ كيف نعدل المناهج؟ كيف نضمن الوصول في المرافق العامة؟ كيف نقيس أثر السياسات في الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم؟
لكن لا يمكن الحديث عن الأشخاص ذوي الإعاقة من دونهم، المشاركة الكاملة والفاعلة وذات المغزى ليست مجاملة، بل مبدأ حقوقي، والسياسات التي تُصمم دون إشراك من يعيشون التجربة غالباً تفشل في فهم الحواجز الحقيقية، لذلك يجب أن تكون منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة جزءاً من التشريع، التخطيط، التنفيذ، والرقابة.
الإعاقة ليست مشكلة في الجسد
المجلس نفسه طُلب منه أن يحافظ على إمكانية الوصول في أعماله، ومنها لغة الإشارة الدولية والتدوين النصي التلقائي، هذه نقطة رمزية وعملية في الوقت ذاته.. لا يمكن لمنصة دولية أن تناقش الإدماج وهي غير دامجة في ممارستها.
الإعاقة ليست مشكلة في الجسد أو الفرد، بل في البيئة التي لا تتسع للاختلاف، حين يُحرم شخص من العمل لأنه لا توجد تهيئة، أو من التعليم لأن المدرسة غير دامجة، أو من العدالة لأن الإجراءات غير ميسرة، فالمشكلة ليست في الشخص، بل في النظام.
لذلك ليست القضية رعاية، إنها حقوق وكرامة ومشاركة ومساواة، والاختبار الحقيقي لأي مجتمع ليس في شعاراته عن الإدماج، بل في قدرة كل شخص على أن يصل، يختار، يتعلم، يعمل، يشارك، ويعيش باستقلال.
