لم يعد التضليل الإعلامي مجرد شائعة عابرة أو خبر كاذب ينتشر في لحظة توتر ثم يتلاشى، في زمن الذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، ووسائط الإعلام الاصطناعية، صار التضليل قادراً على صناعة واقع كامل: صورة تبدو حقيقية، صوت لا يمكن تمييزه بسهولة، مقطع فيديو يربك الجمهور، وسردية منظمة تُضخ بسرعة تفوق قدرة الناس على التحقق، هنا لا تعود المشكلة إعلامية فقط، بل تصبح مسألة حقوق إنسان تمس الحق في المعرفة، وحرية الرأي، والمشاركة العامة، والثقة بالمؤسسات.
هذا التحول كان حاضراً بوضوح خلال مناقشات مجلس حقوق الإنسان بشأن مشروع القرار المتعلق بدور الدول في مكافحة الأثر السلبي للتضليل الإعلامي على التمتع بحقوق الإنسان وإعمالها، فقد قدمت أوكرانيا، باسم المجموعة الرئيسية، مشروع القرار باعتباره امتداداً لمبادرة بدأت عام 2022، حين جرى التأكيد على أن التضليل ليس خطراً على الإعلام وحده، بل تحدياً يمس منظومة الحقوق والحريات، الجديد هذه المرة أن النقاش انتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً: الذكاء الاصطناعي، المحتوى الاصطناعي، التدخلات الرقمية، والشفافية في الفضاء المعلوماتي.
الحق في المعلومات الدقيقة ليس رفاهية، فالإنسان لا يستطيع أن يمارس حقه في المشاركة السياسية، أو اتخاذ موقف عام، أو حماية نفسه من الخطر، إذا كان محاطاً بمعلومات مضللة، وعندما يصبح الكذب منظماً وممولاً وسريع الانتشار، فإن الضحية لا تكون الحقيقة وحدها، بل الجمهور نفسه، فالمعلومة المضللة قد تؤثر على الانتخابات، أو تحرض ضد فئة اجتماعية، أو تشوه عمل المدافعين عن حقوق الإنسان، أو تضرب الثقة بالصحافة والمؤسسات العامة.
التضليل يقوّض الثقة في المؤسسات
المملكة المتحدة ربطت هذا الخطر بالمشاركة الديمقراطية، معتبرة أن التضليل يقوض الثقة في المؤسسات ويشوه الحوار العام، هذا الربط مهم لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على وجود صناديق اقتراع، بل على قدرة المواطنين على الوصول إلى معلومات موثوقة تسمح لهم بتكوين رأي حر، عندما تغرق المساحة العامة بالمعلومات الكاذبة، يصبح القرار العام مشوهاً، وتصبح المشاركة قائمة على الخوف أو الغضب أو الخداع.
أما أيسلندا فقد وسعت زاوية النقاش، مركزة على أثر التضليل على الحيز المدني والفئات المستهدفة، بما في ذلك النساء والفتيات، وقضايا الهوية الجندرية والتوجه الجنسي، هذه النقطة تكشف أن التضليل لا ينتشر بشكل محايد، فغالباً ما يضرب الفئات الأكثر عرضة للهشاشة، ويغذي خطاب الكراهية، ويزيد من العنف الرقمي، والتحرش، والاستهداف المنظم، في هذه الحالات، لا يكون التضليل مجرد رأي خاطئ، بل بيئة عدائية تمنع فئات كاملة من المشاركة الآمنة في المجال العام.
البرازيل دعمت الهدف العام للقرار، لكنها حذرت من إدراج مفاهيم مثل “التدخل الخارجي” و”التضليل الإعلامي الخارجي” من دون توافق دولي واضح، هذا التحفظ لا يقل أهمية عن دعم مكافحة التضليل، لأنه يذكّر بأن المصطلحات الفضفاضة قد تتحول إلى أدوات سياسية، فبعض الحكومات قد تستخدم شعار مكافحة التضليل لتقييد الصحافة، أو ملاحقة المعارضة، أو إسكات المدافعين عن حقوق الإنسان، ولذلك يجب أن تظل أي مقاربة للتضليل قائمة على حقوق الإنسان، لا على الرقابة المفتوحة.
النظام المعلوماتي العالمي
كوبا، من جانبها، قدمت زاوية مختلفة تركز على عدم العدالة في النظام المعلوماتي العالمي، فقد اعتبرت أن شركات كبرى في دول الشمال تهيمن على منظومة الإعلام والاتصال، وأن المعلومات يجب أن تكون سلعة عامة ومورداً مشتركاً للبشرية، كما تحدثت عن حملات تضليل موجهة ضدها، مؤكدة أن الدول يجب أن تمتنع عن رعاية حملات تضليل لأهداف سياسية، وبغض النظر عن الموقف السياسي من هذه الرواية، فإنها تفتح سؤالاً مهماً: من يملك البنية التحتية للحقيقة في العالم الرقمي؟ الحكومات؟ الشركات؟ الخوارزميات؟ أم الجمهور؟
الخطر الأكبر في زمن الذكاء الاصطناعي هو أن الحقيقة نفسها قد تصبح موضع شك دائم، عندما يستطيع أي طرف إنتاج محتوى مزيف عالي الجودة، يصبح الناس أقل ثقة بكل شيء: الإعلام، القضاء، الانتخابات، الشهادات، والصور القادمة من مناطق النزاع، هذه الحالة لا تخدم الحقيقة، بل تخدم الفوضى، فالاستبداد لا يحتاج دائماً إلى إخفاء الحقيقة؛ يكفي أحياناً أن يجعل كل شيء قابلاً للتشكيك.
لكن مواجهة التضليل لا تعني خنق حرية التعبير، فحرية التعبير هي أحد أهم الحقوق التي يجب حمايتها في هذا السياق، المطلوب ليس أن تحتكر الدولة تعريف الحقيقة، بل أن تضمن بيئة معلوماتية صحية: إعلام مستقل، شفافية من المنصات، تعليم إعلامي ورقمي، آليات تحقق، حماية للصحفيين، ومساءلة واضحة للحملات المنظمة التي تنشر الكراهية أو الخداع.
الذكاء الاصطناعي والمعرفة
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة لتمكين الناس من الوصول إلى المعرفة، لكنه يمكن أيضاً أن يكون أداة لتضخيم التضليل، الفرق لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، بل القواعد التي تحكم استخدامها، والشفافية التي تفرض على مطوريها، والوعي الذي يمتلكه الجمهور، والضمانات الحقوقية التي تمنع تحويل مكافحة التضليل إلى رقابة سياسية.
في نهاية المطاف، المعركة ليست بين الحقيقة والكذب فقط، بل بين مجتمع قادر على التفكير الحر، ومجتمع يُدفع إلى الخوف والانقسام والتشكيك الدائم، وفي زمن صار فيه الكذب أسرع من الحقيقة، تصبح حماية الحق في المعلومات شرطاً لحماية باقي الحقوق
