لم تعد الشركات مجرد كيانات اقتصادية تبيع وتشتري وتستثمر، في عالم العولمة وسلاسل التوريد العابرة للحدود، أصبحت الشركات تؤثر في حياة ملايين الناس: العمال، المستهلكين، المجتمعات المحلية، السكان الأصليين، النساء، الأطفال، والبيئة، لذلك لم يعد سؤال حقوق الإنسان موجهاً إلى الحكومات وحدها، فالشركات أيضاً باتت تحت المجهر.
خلال مناقشات مجلس حقوق الإنسان، جاء مشروع القرار المتعلق بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان ليجدد ولاية الفريق العامل المعني بهذا الملف لمدة ثلاث سنوات، الأرجنتين، مقدمة القرار، أكدت أن المبادرة تأتي استمراراً لقرار سابق، وأنها تهدف إلى ضمان استمرار الآليات القائمة ودعم المفوضية، لكن الأهمية الحقيقية لهذا الملف تتجاوز التجديد الإجرائي؛ إنها تتعلق بسؤال جوهري: من يحاسب الشركات عندما تؤثر أنشطتها في الحقوق؟
المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان التي اعتمدت عام 2011، وضعت إطاراً ثلاثياً واضحاً: واجب الدولة في الحماية، مسؤولية الشركات في احترام حقوق الإنسان، وحق الضحايا في الانتصاف، هذا الإطار لا يجعل الشركات بديلاً عن الدولة، لكنه يرفض أن تكون خارج المساءلة، فالدولة تنظم وتراقب، والشركة تمنع الضرر وتحترم الحقوق، والضحايا يجب أن يجدوا طريقاً للعدالة.
حقوق الإنسان أولوية
اليابان أكدت أن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان أولوية، وأشارت إلى تحديث خطة العمل الوطنية، كينيا ربطت المبادئ التوجيهية بالنمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات المسؤولة وضمان الانتصاف للأشخاص المتضررين، المكسيك تحدثت عن مشاورات وطنية لاعتماد سياسة خاصة بهذا المجال، إسبانيا ركزت على واجب العناية الواجبة، وعلى أن سلوك الشركات بدأ يتغير من منطق الربح وحده إلى مسؤوليات أوسع، هذه المداخلات تعكس اتجاهاً عالمياً متزايداً: الاستثمار لم يعد مسؤولاً إذا تجاهل الإنسان.
واجب العناية الواجبة هو قلب هذا النقاش، معناه أن الشركة يجب أن تفحص أثر أنشطتها قبل وقوع الضرر لا بعده، يجب أن تسأل: هل تؤثر عملياتنا في العمال؟ هل توجد مخاطر تمييز؟ هل يتضرر المجتمع المحلي؟ هل سلسلة التوريد مرتبطة باستغلال أو عمل قسري أو تلوث أو انتهاك لحقوق السكان؟ وهل توجد آلية تتيح للمتضررين الشكوى والحصول على تعويض؟
الخطر في عالم الأعمال أن المسؤولية قد تضيع بين الحدود، شركة مسجلة في دولة، ومصنع في دولة أخرى، ومورد في دولة ثالثة، ومستهلك في دولة رابعة، في هذه الشبكة المعقدة، قد يصبح الضحية عاجزاً عن معرفة من يحاسب، ولهذا تزداد أهمية القواعد الدولية والتشريعات الوطنية التي تلزم الشركات بالنظر إلى كامل سلسلة القيمة، لا إلى صورتها المباشرة فقط.
الشركات وحقوق الإنسان
أثارت كوبا زاوية مهمة عندما دعت إلى استكمال المبادئ التوجيهية بصك دولي ملزم قانوناً بشأن أثر الشركات عبر الوطنية في حقوق الإنسان، هذه الدعوة تعكس قلقاً قائماً منذ سنوات: هل تكفي المبادئ الطوعية؟ أم إن الشركات الكبرى، مع ما تمتلكه من نفوذ وموارد، تحتاج إلى قواعد إلزامية أكثر وضوحاً؟ بالنسبة لكثير من الضحايا، الفارق بين المبدأ الطوعي والقانون الملزم هو الفارق بين الوعد والإنصاف.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن التقليل من أهمية المبادئ التوجيهية بوصفها إطاراً عملياً، فقد دفعت دولاً إلى اعتماد خطط وطنية، وشجعت شركات على تطوير سياسات حقوقية، وخلقت لغة مشتركة بين الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص، المشكلة ليست في وجود المبادئ، بل في ضعف تطبيقها أحياناً.
المساءلة في مجال الأعمال لا تعني معاداة الاستثمار، بل على العكس، الاستثمار المسؤول يحمي الشركات والمجتمعات معاً، فالشركة التي تحترم الحقوق تقلل المخاطر القانونية والسمعة السيئة والصراعات مع المجتمعات، والاقتصاد الذي يحترم الإنسان يكون أكثر استدامة وعدالة.
سياسات واضحة وشفافية
لكن احترام الحقوق لا يكون بإعلانات العلاقات العامة، لا يكفي أن تضع الشركة عبارة “نحترم حقوق الإنسان” في تقريرها السنوي، المطلوب سياسات واضحة، شفافية، تقييم مخاطر، مشاركة للمجتمعات المتأثرة، حماية للعمال، مساواة في الفرص، وعدم تمييز، وآليات انتصاف فعالة.
الربح لا يعفي من المسؤولية لأن الاقتصاد لا يعمل في فراغ، فكل قرار تجاري له أثر إنساني محتمل، وحين تبني الشركات أرباحها على الاستغلال أو الصمت أو التهرب من المساءلة، تصبح جزءاً من المشكلة، أما حين تضع الحقوق في قلب نموذج عملها، فإنها تتحول إلى جزء من الحل.
حقوق الإنسان دخلت غرف مجالس الإدارة ولن تخرج منها، والسؤال القادم لم يعد: هل على الشركات احترام الحقوق؟ بل: ماذا يحدث عندما لا تفعل؟
