منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

انخفاض أعداد المهاجرين عبر المانش يعزز جهود بريطانيا لمواجهة الهجرة غير النظامية

02 يوليو 2026
الهجرة عبر المانش
الهجرة عبر المانش

سجلت المملكة المتحدة انخفاضا لافتا في أعداد المهاجرين الذين وصلوا إلى سواحلها بعد عبور قناة المانش خلال النصف الأول من عام 2026، في تطور يعكس تأثير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة البريطانية للحد من الهجرة غير النظامية، ويأتي هذا التراجع في وقت يواصل فيه ملف الهجرة فرض حضوره بقوة على الساحة السياسية البريطانية، مع تصاعد المنافسة بين الأحزاب واقتراب مرحلة جديدة من قيادة الحكومة.

وأظهرت بيانات وزارة الداخلية البريطانية، الصادرة الأربعاء، انخفاض عدد المهاجرين الذين وصلوا إلى المملكة المتحدة على متن زوارق صغيرة عبر قناة المانش بنسبة 41 في المئة خلال الفترة الممتدة من الأول من يناير حتى الثلاثين من يونيو 2026، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

وسجلت الوزارة وصول 11884 مهاجرا خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، مقابل 19982 مهاجرا خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.

أثر سياسي

يحمل هذا التراجع أهمية سياسية بالنسبة إلى حزب العمال، الذي تولى السلطة قبل عامين وجعل مكافحة الهجرة غير النظامية أحد أبرز أولوياته، ويأتي الإعلان عن هذه الأرقام في وقت يواجه فيه الحزب تحديات سياسية متزايدة، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي خلال الأشهر الماضية تقدما لحزب ريفورم يو كيه المناهض للهجرة بقيادة نايجل فاراج.

ورغم هذا الانخفاض، ما زال ملف الهجرة يشكل أحد أكثر القضايا تأثيرا في النقاش السياسي داخل بريطانيا، إذ يطالب قطاع واسع من الناخبين الحكومة بمواصلة تشديد الرقابة على الحدود والحد من أنشطة شبكات تهريب المهاجرين التي تنظم رحلات العبور عبر القنال الإنجليزي.

تغيرات في قيادة الحكومة

شهد المشهد السياسي البريطاني تطورا جديدا بعدما أعلن رئيس الوزراء كير ستارمر استقالته قبل عشرة أيام، في خطوة فتحت الباب أمام انتقال قيادة الحكومة إلى شخصية جديدة من حزب العمال.

ويتوقع أن يتولى آندي بيرنهام، رئيس بلدية مانشستر الكبرى السابق، رئاسة الحكومة خلال الفترة المقبلة، وهو ما يضع ملف الهجرة ضمن أبرز الملفات التي ستواجه القيادة الجديدة، خاصة مع استمرار الضغوط السياسية والشعبية المرتبطة بأمن الحدود وإدارة طلبات اللجوء.

إصلاحات تشريعية

واصلت الحكومة البريطانية تحركاتها الرامية إلى إعادة تنظيم سياسة الهجرة، وقدمت إلى البرلمان مشروع قانون جديد لإصلاح نظام اللجوء والهجرة عبر وزيرة الداخلية شبانة محمود.

ويستهدف مشروع القانون تشديد الإجراءات الخاصة بالهجرة غير النظامية، إلى جانب تسريع عمليات ترحيل الأشخاص الذين لا يملكون حق البقاء في المملكة المتحدة، في إطار خطة حكومية أوسع لتعزيز كفاءة نظام اللجوء وتقليص فترات انتظار البت في الملفات.

تعاون مع دول الشركاء

عززت الحكومة البريطانية تعاونها مع عدد من الدول الأوروبية والإقليمية في إطار جهودها لمكافحة شبكات تهريب البشر والحد من رحلات العبور غير النظامية.

وأبرمت لندن اتفاقات مع ألمانيا والعراق لدعم هذه الجهود. وتعهدت السلطات الألمانية بتشديد الرقابة على المستودعات التي تخزن فيها قطع غيار الزوارق المستخدمة في عمليات التهريب، بينما يهدف التعاون مع العراق إلى تسهيل إعادة المهاجرين غير النظاميين إلى بلادهم وفقا للإجراءات القانونية المعمول بها.

كما وقعت الحكومة البريطانية في أبريل اتفاقا يمتد ثلاث سنوات مع السلطات الفرنسية، تخصص بموجبه 662 مليون جنيه إسترليني لتمويل الدوريات الأمنية على السواحل الفرنسية التي تنطلق منها غالبية الزوارق المتجهة إلى بريطانيا، في خطوة تعكس استمرار التنسيق الأمني بين البلدين لمواجهة نشاط شبكات التهريب.

مقارنة بالأعوام السابقة

تكشف بيانات وزارة الداخلية البريطانية أن عدد الوافدين خلال النصف الأول من عام 2026 لم ينخفض مقارنة بعام 2025 فقط، بل جاء أيضا أقل بنسبة 12 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، عندما كان حزب المحافظين يتولى إدارة الحكومة، إذ بلغ عدد الوافدين آنذاك 13489 مهاجرا.

وتوضح هذه الأرقام أن معدل العبور عبر قناة المانش سجل تراجعا خلال العام الجاري، رغم استمرار محاولات المهاجرين الوصول إلى السواحل البريطانية باستخدام زوارق صغيرة تنطلق من السواحل الشمالية لفرنسا.

تحديات مستمرة

رغم المؤشرات الإيجابية التي تعكسها الأرقام الرسمية، لا تزال الحكومة البريطانية تواجه تحديات كبيرة في التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية، خاصة أن عام 2025 سجل ثاني أعلى عدد من المهاجرين الذين عبروا قناة المانش منذ عام 2018، وهو العام الذي بدأت فيه هذه الرحلات تشهد ارتفاعا ملحوظا.

وكان كير ستارمر قد تعهد خلال فترة رئاسته للحكومة بتفكيك شبكات تهريب البشر وحرمانها من الاستفادة المالية من عمليات نقل المهاجرين عبر القنال الإنجليزي، وهو التعهد الذي شكل أحد المحاور الرئيسية لسياسة حكومته في إدارة ملف الهجرة.

تحولت قناة المانش منذ عام 2018 إلى أحد أبرز مسارات الهجرة غير النظامية نحو المملكة المتحدة، بعدما لجأت شبكات تهريب البشر إلى استخدام زوارق صغيرة لعبور القنال انطلاقا من السواحل الفرنسية، وأصبح هذا الملف من أكثر القضايا حضورا في الحياة السياسية البريطانية، إذ تبنت الحكومات المتعاقبة إجراءات متشددة شملت تعزيز التعاون الأمني مع فرنسا، وتوقيع اتفاقات مع عدد من الدول لتسهيل إعادة المهاجرين غير النظاميين، إلى جانب طرح مشروعات قوانين لإصلاح نظام اللجوء وتسريع إجراءات الترحيل.

وتعتبر الحكومات البريطانية الحد من الهجرة غير النظامية جزءا أساسيا من استراتيجية حماية الحدود، بينما تؤكد المنظمات الحقوقية أهمية الالتزام بالقانون الدولي وضمان حق طالبي اللجوء في الحصول على إجراءات عادلة قبل البت في طلباتهم.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print