دخلت سياسة الهجرة في الولايات المتحدة مرحلة جديدة من التصعيد بعدما كثفت إدارة الرئيس دونالد ترامب حملات إنفاذ قوانين الهجرة، ونفذت عمليات اعتقال واسعة شملت أكثر من عشرة آلاف مهاجر غير شرعي خلال خمسة أيام فقط، وجاء هذا التحرك في ظل استمرار الجدل السياسي والقانوني حول ملف الهجرة، وبعد أيام من صدور حكم مهم عن المحكمة العليا الأمريكية يتعلق بحق المواطنة بالولادة، الأمر الذي أعاد هذا الملف إلى صدارة المشهد السياسي في البلاد.
ووسعت إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية نطاق عملياتها الأمنية في مختلف الولايات، مستفيدة من التمويل الإضافي الذي وفره الكونجرس بموجب قانون الكبير والجميل، وأظهرت بيانات نشرتها وزارة الأمن الداخلي في الأول من يوليو أن الإدارة عززت قدراتها التشغيلية ورفعت وتيرة تنفيذ حملات الاعتقال والترحيل بحق المهاجرين غير النظاميين في إطار استراتيجية جديدة تستهدف تشديد تطبيق قوانين الهجرة.
تمويل يعزز العمليات
اعتمدت وزارة الأمن الداخلي على الموارد المالية الجديدة التي وفرها الكونجرس لتوسيع انتشار فرق إدارة الهجرة والجمارك وزيادة عدد العمليات الميدانية، وهو ما انعكس مباشرة على أعداد المعتقلين خلال الأيام الأخيرة.
وأكد مسؤول في وزارة الأمن الداخلي أن الوزارة تستهدف تسريع تنفيذ خططها الرامية إلى ضبط المهاجرين غير الشرعيين وترحيلهم، مع منح أولوية للأشخاص الذين يحملون سجلات جنائية أو صدرت بحقهم أحكام قضائية داخل الولايات المتحدة، وأوضح أن الوزارة تعد هذه الإجراءات جزءاً من جهودها لتعزيز الأمن الداخلي وحماية المجتمع من الجرائم الخطيرة.
حكم المحكمة العليا
جاء التصعيد الأمني بعد أيام من إصدار المحكمة العليا الأمريكية حكماً بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة، رفضت فيه الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب لإنهاء حق المواطنة بالولادة.
وأكدت المحكمة أن التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي ما زال يضمن الجنسية لمعظم الأطفال الذين يولدون داخل الولايات المتحدة، ومنهم أبناء المهاجرين غير الشرعيين أو المقيمين بصورة مؤقتة، وهو ما مثل انتكاسة قانونية لجهود الإدارة الرامية إلى تعديل هذا الحق عبر الأوامر التنفيذية.
وعقب صدور الحكم، دعا الرئيس ترامب أعضاء الكونجرس إلى التحرك من أجل إقرار تشريع جديد ينهي العمل بسياسة منح الجنسية بالولادة، معتبراً أن السلطة التشريعية تملك الوسيلة القانونية المناسبة لإجراء هذا التعديل.
تركيز على أصحاب السوابق
كشفت لورين بيس، مساعدة وزير الأمن الداخلي، أن السلطات ركزت خلال حملاتها الأخيرة على الأشخاص الذين يمتلكون سوابق جنائية، مؤكدة أن نحو سبعين في المئة من الذين ألقت إدارة الهجرة والجمارك القبض عليهم خضعوا سابقاً للمحاكمة أو صدرت بحقهم إدانات في قضايا جنائية داخل الولايات المتحدة.
وأضافت أن هذه القضايا شملت جرائم قتل واغتصاب وإساءة معاملة الأطفال والاتجار بالمخدرات والانخراط في نشاط العصابات، مؤكدة أن الوزارة ستواصل اعتقال وترحيل المهاجرين غير الشرعيين الذين يشكلون تهديداً للأمن العام، انطلاقاً من مسؤوليتها في حماية المجتمع وتطبيق القانون.
احتجاجات مستمرة
تزامنت الحملات الأمنية مع استمرار الاحتجاجات في عدد من الولايات الأمريكية، حيث نظمت منظمات مدنية وجماعات مدافعة عن حقوق المهاجرين فعاليات طالبت الحكومة بمراجعة سياسات الهجرة وتحسين أوضاع المحتجزين داخل مراكز الاحتجاز التابعة لإدارة الهجرة والجمارك.
وركز المحتجون على ضرورة توفير ضمانات قانونية وإنسانية كبرى للمهاجرين، كما طالبوا بإعادة النظر في آليات الاعتقال والترحيل، إلا أن وزارة الأمن الداخلي أكدت تمسكها بمواصلة تنفيذ عمليات إنفاذ القانون وعدم التراجع عن خططها الحالية.
تحول في الاستراتيجية
تعكس الحملات الأمنية المكثفة التي أطلقتها إدارة الرئيس دونالد ترامب بعد حكم المحكمة العليا اتجاهاً واضحاً نحو توسيع إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة، مع الاعتماد بصورة كبرى على الصلاحيات التنفيذية المتاحة للحكومة الاتحادية، في وقت يستمر فيه الجدل القانوني والسياسي بشأن ملف الهجرة داخل الولايات المتحدة.
وتشير الإجراءات التي أعلنتها وزارة الأمن الداخلي، إلى جانب تصريحات مسؤولي الإدارة، إلى استمرار التوسع في حملات الاعتقال والترحيل، مع التركيز على تشديد تطبيق قوانين الهجرة، بالتوازي مع دعوة الرئيس ترامب الكونجرس إلى إقرار تشريع ينهي العمل بحق المواطنة بالولادة.
وتؤكد التحركات الأخيرة أن ملف الهجرة سيظل حاضراً بقوة على أجندة الإدارة الأمريكية خلال المرحلة المقبلة، مع استمرار تنفيذ الإجراءات التنفيذية التي تتيحها القوانين الحالية، بالتزامن مع سعي البيت الأبيض إلى إقرار تعديلات تشريعية تتوافق مع توجهاته في هذا الملف.
تحديات قانونية وسياسية
تواجه سياسات الهجرة التي تنفذها الإدارة الأمريكية معارضة متواصلة من منظمات حقوق المهاجرين، كما تستمر الخلافات السياسية مع عدد من الولايات التي تعارض تشديد إجراءات الاعتقال والترحيل، ومن المرجح أن تستمر الطعون القضائية المرتبطة ببعض القرارات التنفيذية، في ظل استمرار الجدل القانوني والسياسي بشأن حدود صلاحيات السلطة التنفيذية في إدارة ملف الهجرة.
وفي المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية أنها ستواصل تنفيذ خططها وفقاً للقوانين النافذة، مع التركيز على الأشخاص الذين تعدهم خطراً على الأمن العام، في حين يستمر الجدل السياسي داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل سياسات الهجرة وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية في هذا الملف.
يشكل ملف الهجرة أحد أكثر القضايا إثارة للجدل في الولايات المتحدة منذ سنوات، إذ تتباين مواقف الحزبين الجمهوري والديمقراطي بشأن آليات ضبط الحدود والتعامل مع المهاجرين غير الشرعيين.
ويعد حق المواطنة بالولادة من المبادئ الدستورية التي يستند إليها التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي، والذي يمنح الجنسية لمعظم الأطفال المولودين داخل الأراضي الأمريكية بغض النظر عن الوضع القانوني لوالديهم. وخلال السنوات الأخيرة، جعل الرئيس دونالد ترامب تشديد سياسات الهجرة أحد أبرز محاور برنامجه السياسي، مع التركيز على توسيع عمليات الترحيل وتعزيز الرقابة على الحدود الجنوبية وإجراء تعديلات تشريعية تحد من الهجرة غير الشرعية، في حين تواصل منظمات حقوق الإنسان والجماعات المدافعة عن المهاجرين معارضة هذه السياسات والدعوة إلى إصلاح شامل لمنظومة الهجرة يوازن بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق القانونية والإنسانية للمهاجرين.
