في بيلاروس، لا يبدو ملف السجناء السياسيين مجرد نتيجة جانبية لأزمة سياسية ممتدة، بل أحد أعمدة منظومة القمع ذاتها، فالأرقام التي تكررت أمام مجلس حقوق الإنسان تكشف عن واقع شديد القسوة: نحو 850 شخصاً ما زالوا محرومين من حريتهم لأسباب سياسية، في وقت تحاول فيه السلطات تقديم بعض الإفراجات المحدودة كإشارة على الانفتاح أو التهدئة، غير أن ما عُرض في الجلسة الأممية أظهر أن هذه الإفراجات لا تعكس تحولاً منهجياً، بل تكشف عن أسلوب جديد في إدارة الأزمة: الإفراج المشروط، أو الترحيل، أو إبقاء المفرج عنهم تحت الرقابة والضغط والحرمان من الحقوق الأساسية.
خلال الحوار التفاعلي بشأن حالة حقوق الإنسان في بيلاروس، شدد المقرر الخاص نيلسميزنيكس على أن البلاد لم تشهد تغييراً حقيقياً في بنيتها القمعية، وقد وافقته على ذلك دول عديدة، من بينها سويسرا وأوكرانيا والمملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، التي رأت أن الإفراج عن عدد من السجناء السياسيين لا ينبغي أن يحجب استمرار الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة وإساءة استخدام القوانين الأمنية ضد المعارضين والصحفيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وتكمن خطورة هذا الملف في أن السجن السياسي في بيلاروس لم يعد مرتبطاً فقط بقيادات المعارضة أو النشطاء البارزين، بل بات يشمل فئات واسعة من المجتمع: صحفيين، ومحامين، ونقابيين، وكتاباً، وناشطين ثقافيين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، ومواطنين عاديين عوقبوا بسبب التعبير عن الرأي أو نشر محتوى أو دعم مطالب ديمقراطية، وقد أشارت عدة مداخلات إلى أن القضايا ذات الدوافع السياسية لا تزال في ارتفاع، ما يعني أن الإفراجات لا تُنهي الدورة القمعية، لأن الاعتقالات الجديدة تستمر في ملء الفراغ.
هذا النمط يخلق ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الخوف السياسي”، حيث يصبح السجن احتمالاً قائماً لكل من يعبّر، أو يوثّق، أو يدافع، أو يعارض، فالاعتقال لا يستهدف حرية الشخص وحده، بل يبعث برسالة إلى المجتمع بأكمله: الصمت هو الطريق الوحيد للأمان، لذلك، فإن وجود مئات السجناء السياسيين ليس مجرد رقم، بل مؤشر على حجم الخوف المفروض داخل الحياة العامة.
تحت المراقبة والضغط
ركزت مداخلات دولية وحقوقية على أن الإفراجات التي جرت في بعض الحالات لم تكن إفراجاً كاملاً بالمعنى الحقوقي، فبعض المفرج عنهم تعرضوا للإبعاد أو أُجبروا على مغادرة البلاد، فيما بقي آخرون داخل بيلاروس تحت المراقبة والضغط، مع قيود على العمل والتنقل والتواصل والوثائق، وهذا يعني أن السجن قد ينتهي جسدياً، لكنه يستمر سياسياً واجتماعياً عبر أدوات أخرى.
وقد عبّرت سويسرا عن هذه الإشكالية بوضوح، مشيرة إلى أن عدداً من الذين أُطلق سراحهم ما زالوا يواجهون المراقبة أو الإبعاد القسري، وفي كثير من الحالات حُرموا من وثائق هوية أو وثائق سفر صالحة، وهذا يحوّل الإفراج إلى مرحلة جديدة من السيطرة، لا إلى استعادة فعلية للحرية، فالإنسان الذي يغادر السجن من دون وثائق، أو من دون قدرة على العمل، أو تحت التهديد الدائم بإعادة الاعتقال، لا يكون قد استعاد حقوقه كاملة.
وتشير هذه الوقائع إلى أن السلطات تستخدم الإفراجات كأداة سياسية مزدوجة: من جهة، تحاول تخفيف الضغط الدولي وإظهار قدر من المرونة؛ ومن جهة أخرى، تبقي الشخص المفرج عنه داخل دائرة العقاب والابتزاز، وهنا تصبح الحرية مشروطة، ومهددة، وقابلة للسحب في أي لحظة.
كما أن أوضاع الاحتجاز نفسها شكّلت محوراً رئيسياً في النقاش، فقد تحدثت مداخلات عديدة عن تقارير تفيد بسوء المعاملة، والحرمان من الرعاية الطبية، والاحتجاز في ظروف قاسية، والحبس الانفرادي، والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وأشارت منظمات حقوقية إلى أن الحالة الصحية لعدد من السجناء السياسيين تتدهور بصورة مقلقة، وأن استمرار حرمانهم من العلاج أو وضعهم في ظروف قاسية قد يشكل انتهاكاً خطيراً لالتزامات الدولة في مجال حقوق الإنسان.
أوضاع الاحتجاز في بيلاروس
ولا يمكن فصل سوء أوضاع الاحتجاز عن الهدف السياسي الأوسع، فالسجن في مثل هذه الحالات لا يُستخدم فقط لعزل المعارضين عن المجتمع، بل لكسر إرادتهم وإرسال رسالة ردع لمن يفكر بالسير في الطريق ذاته، لذلك، فإن سوء المعاملة والحرمان من العلاج والحبس الانفرادي لا تظهر كحوادث فردية، بل كجزء من بيئة عقابية تستهدف الكرامة الإنسانية وتضغط على المعتقلين وعائلاتهم.
وقد شددت أيرلندا وعدة دول أخرى على القلق من سوء معاملة السجناء، بما في ذلك التقارير المتعلقة بالحبس الانفرادي وظروف الاحتجاز القاسية، وجددت الدعوة إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع السجناء السياسيين، وهذه الدعوة تعكس قاعدة أساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان: لا يجوز أن يُحرم أي شخص من حريته بسبب آرائه السياسية أو نشاطه السلمي أو دفاعه عن الحقوق الأساسية.
ومن أبرز جوانب هذا الملف أيضاً ارتباطه بإساءة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والتطرف، فقد تكررت الإشارات إلى استخدام هذه التشريعات ضد المعارضين والصحفيين والنشطاء والفاعلين الثقافيين، من خلال تصنيف أفراد أو مؤسسات أو مواد إعلامية وثقافية بوصفها “متطرفة”، وبهذا يتحول القانون من أداة لحماية المجتمع من العنف إلى وسيلة لتجريم الرأي والتنظيم والتعبير.
تصنيفات أمنية فضفاضة
تكمن خطورة هذه الممارسة في أنها تمنح القمع غطاءً قانونياً ظاهرياً، فبدلاً من الاعتراف بأن الشخص محتجز بسبب رأيه أو نشاطه السياسي، يتم إدخاله ضمن تصنيفات أمنية فضفاضة، تجعل الدفاع عنه أكثر صعوبة، وتضاعف الوصم الاجتماعي بحقه، وتفتح الباب أمام أحكام قاسية وإجراءات انتقامية، وفي هذه الحالة، تصبح لغة “الأمن” وسيلة لإخفاء الطبيعة السياسية للاعتقال.
وقد أكد المقرر الخاص في ملاحظاته الختامية أن أحد المؤشرات الحقيقية على التغيير في بيلاروس سيكون وقف إساءة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والتطرف، إلى جانب الإفراج عن جميع السجناء السياسيين، ووقف التعذيب وسوء المعاملة، وإنهاء القمع، وهذا الترتيب مهم، لأنه يربط الحرية الفردية بإصلاح البيئة القانونية والمؤسسية التي تنتج الاعتقال السياسي.
فالإفراج وحده لا يكفي إذا بقيت القوانين ذاتها تسمح بإعادة الاعتقال، ولا معنى لإطلاق سراح بعض الأشخاص إذا ظل الصحفي أو المحامي أو الناشط معرضاً للتجريم في اليوم التالي، لذلك، فإن معالجة ملف السجناء السياسيين تتطلب تفكيك الأدوات القانونية والإدارية والأمنية التي تسمح باستمرار الاعتقال التعسفي.
ويأخذ هذا الملف بُعداً أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بالمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان، فقد أشارت عدة منظمات إلى وجود محامين خلف القضبان لمجرد أدائهم عملهم المهني، وإلى تعرض العاملين في المجال القانوني للملاحقة والضغط والترهيب، وهذا يعني أن السجن السياسي لا يستهدف فقط من يطالبون بالحقوق، بل أيضاً من يحاولون الدفاع عنهم أمام القضاء.
فهم طبيعة القمع
يضرب استهداف المحامين الحق في المحاكمة العادلة من أساسه، فحين يخشى المحامي أن يُسجن بسبب دفاعه عن موكله، يصبح الوصول إلى العدالة مهدداً، وحين تعمل نقابات المحامين تحت رقابة الدولة، وتتدخل وزارة العدل في التراخيص والإجراءات التأديبية، تصبح منظومة العدالة نفسها جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل.
كما لا يقتصر أثر السجن السياسي على المعتقلين أنفسهم، فالعائلات تعيش في حالة انتظار وخوف دائمين، خصوصاً عندما تُحجب المعلومات، أو تُمنع الزيارات، أو تتدهور الحالة الصحية للمحتجز، وفي بعض الحالات، يتعرض أفراد الأسرة للضغط أو الاستجواب أو التهديد، بما يحول الاعتقال إلى عقوبة جماعية غير معلنة.
وهذا البُعد الاجتماعي مهم في فهم طبيعة القمع، فكل سجين سياسي يمثل دائرة أوسع من المتضررين: أسرة، وأصدقاء، وزملاء، ومجتمع مهني أو ثقافي أو سياسي، وبذلك، يصبح الاعتقال وسيلة لضبط المجتمع من خلال الألم الممتد خارج جدران السجن.
وقد أكد الاتحاد الدولي لروابط حقوق الإنسان ومنظمة فياسنا أن استمرار التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة يؤكد الحاجة الملحة إلى آليات دولية فعالة للمساءلة، فبدون مساءلة، تتحول الإفراجات الجزئية إلى مجرد إجراءات سياسية مؤقتة، بينما تبقى البنية التي أنتجت الانتهاكات قائمة.
وتبرز هنا أهمية التوثيق وجمع الأدلة والشهادات، فقد أوضح المقرر الخاص أن الوصول إلى المعلومات أصبح أكثر صعوبة بسبب حرص السلطات على إخفاء الانتهاكات وتزايد الخوف من الانتقام، ومع ذلك، فإن استمرار التوثيق ضروري ليس فقط لفهم حجم الانتهاكات، بل أيضاً لبناء ملفات مساءلة مستقبلية، وحماية ذاكرة الضحايا من المحو.
أزمة السجناء في بيلاروس
في ضوء ذلك، تبدو أزمة السجناء السياسيين في بيلاروس اختباراً أساسياً لأي ادعاء بالإصلاح، فلا يمكن الحديث عن تحسن حقيقي ما دام مئات الأشخاص في السجون بسبب آرائهم أو نشاطهم السلمي، ولا يمكن اعتبار الإفراجات المحدودة تحولاً بنيوياً إذا كانت مشروطة بالترحيل، أو متبوعة بالمراقبة، أو لا تمنع استمرار الاعتقالات الجديدة.
إن المطلوب، وفق ما عكسته مداخلات مجلس حقوق الإنسان، ليس خطوة رمزية ولا صفقة إفراج محدودة، بل مساراً واضحاً يبدأ بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع السجناء السياسيين، وضمان رد الاعتبار لهم، وتعويضهم، وحمايتهم من إعادة الاعتقال أو الانتقام، وإلغاء القوانين والممارسات التي تسمح بتجريم المعارضة السلمية.
كما ينبغي ضمان وصول السجناء الحاليين إلى الرعاية الطبية والمحامين والعائلات، ووقف الحبس الانفرادي وسوء المعاملة، والتحقيق في مزاعم التعذيب والانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، فالمساءلة هنا ليست مطلباً سياسياً فحسب، بل التزاماً قانونياً وأخلاقياً تجاه من حُرموا من حريتهم وكرامتهم.
تؤكد حالة بيلاروس أن السجن السياسي ليس مجرد انتهاك فردي، بل هو مؤشر على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فعندما تتحول الزنازين إلى أداة لإدارة الخلاف السياسي، وعندما يصبح الإفراج مشروطاً أو منقوصاً، وعندما يُستخدم القانون الأمني لتجريم الرأي، فإن الأزمة لا تكون في عدد المعتقلين فقط، بل في منظومة حكم ترى في الحرية تهديداً.
لذلك، فإن الرقم 850 لا يجب أن يُقرأ كإحصائية جامدة، بل كعنوان لأزمة حقوقية عميقة، خلف كل رقم إنسان، وأسرة، وقصة، وحق منتهك، وخلف كل إفراج منقوص سؤال أكبر: هل تريد السلطات إنهاء القمع، أم فقط إعادة ترتيبه بطريقة أقل كلفة أمام العالم؟
حتى الآن، كما خلص المقرر الخاص وكثير من المتحدثين، لا توجد مؤشرات على تغيير منهجي حقيقي، وما لم يُطلق سراح جميع السجناء السياسيين دون شروط، وما لم تتوقف الاعتقالات ذات الدوافع السياسية، سيبقى ملف السجناء في بيلاروس شاهداً على أن القمع لم يتراجع، بل يواصل إنتاج نفسه بأدوات متعددة.
